|
مقال رئيس التحرير |
معرفة الذات: قوة خارقة أم مجرد وهم؟
|
|
|
|
|
القاهرة 06 أكتوبر 2026 الساعة 10:06 ص

بقلم جارد بترسون Jared Peterson
ترجمة / د. هويدا صالح
إن معرفة الذات قوةٌ عظيمة الشأن — إن لم تكن مجرد وهم. فما الذي يسعنا إدراكه عن خبايا عقولنا؟ ولمَ ينال هذا الأمر كل هذه الأهمية؟
يبدو للوهلة الأولى أننا على درايةٍ كبيرة بما يدور في أذهاننا، فنعلم، على سبيل المثال، أننا نرجو لأهلنا وأصدقائنا موفور الصحة، وأننا ننوي سداد فاتورة الكهرباء لهذا الشهر، وأننا نعتقد بأن "ميانمار" كانت تُدعى قديماً "بورما"، أو أننا نكابد إحساساً بعينه كالألم. وللفلاسفة مصطلح يطلقونه على هذه المعرفة (المزعومة) بحقائق عقولنا: معرفة الذات.
ويرى طيفٌ من الفلاسفة، منذ عهد رينيه ديكارت في القرن السابع عشر على أقل تقدير، أننا لا نحوز معرفة الذات فحسب، بل إن ثمة فرادةً تخص طبيعة بعض ما نملكه منها. وتتضح لنا أسباب ذلك إذا ما تفحصنا سبيلنا لمعرفة عقول الآخرين؛ تأمل، على سبيل المثال، كيف يتسنى لك أن تعلم أن صديقةً لك تتلوى من صداعٍ ألمّ برأسها. لا جرم أنك تصل إلى هذا اليقين إما برصد سلوكها أو عبر ما تبوح به؛ فقد تدفن رأسها بين كفيها، أو تتجرع بعض المسكنات، أو تكتفي بإخبارك بأنها تتألم. بيد أن الأمر يفارق ذلك تماماً حين يتعلق بكيفية إدراك صديقتك لألمها الخاص؛ إذ لا تحتاج إلى مراقبة نفسها وهي تضع يدها على رأسها، أو تبتلع عقاراً، أو تسمع شفتيها تنطقان: "أنا أتألم"، لكي تحوز هذه المعرفة بذاتها. فأياً كانت الوسيلة التي تركن إليها لاستشعار هذا الإحساس (سواء أكانت ما يسميه الفلاسفة الاستبطان أم سبيلاً آخر)، يبدو أنها تمنحها طريقاً متفرداً لا يخص إلا منظور ضمير المتكلم لسبر أغوار عقلها.
وبعبارة أخرى، نمتلك سبيلاً إلى معرفة حقائق عقولنا ومحتوياتها — كأحاسيسنا أو بعض مواقفنا الذهنية — عبر وسيلةٍ يعجز أي شخصٍ آخر عن استخدامها لمعرفة الوقائع ذاتها. ولنصطلح على تسمية هذه السمة في معرفة الذات: خاصية المنظور الذاتي المتفرد (ضمير المتكلم).
وثمة جانبٌ آخر في بعض صور معرفة الذات حدا بالفلاسفة إلى اعتبارها معرفةً استثنائية: ألا وهو تمتعها بدرجةٍ بالغة من اليقين والحصانة. فمعرفتنا بأننا نتألم، مثلاً، أشد رسوخاً وأبعد عن الشك من معرفة أي شخصٍ آخر بهذه الواقعة؛ فإذا قالت صديقتك إنها تتألم، غدا التشكيك في قولها عبثاً لا طائل تحته، لأنها تمثل "سلطةً إبستمولوجية" (معرفية) إزاء ما تقرّه وتؤكده. إنها تحوز معرفةً محصنة معرفياً بهذه الحقيقة، تفوق في يقينها ما قد يبلغه أي شخص سواها. وتلك هي خاصية السلطة الإبستمولوجية في معرفة الذات.
وعادةً ما استند الفلاسفة الذين رأوا في بعض معرفتنا الذاتية شيئاً استثنائياً إلى وجهٍ من وجوه تفرد المنظور الذاتي، أو السلطة المعرفية، أو مزيجٍ منهما معاً. وكان المصطلح الذي آثروه لوصف هذا التميز هو: الاطلاع الامتيازي (الولوج المحظي). ومن المنظور الذي أميل إليه، لا يعدو هذا الأمر أن يكون حيازة معرفةٍ يقينية بحقائق الذهن عبر منظورٍ ذاتي لا يملكه سوانا.
غير أن الفلاسفة اختلفوا فيما إذا كنا نحظى أصلاً بمثل هذا الاطلاع الامتيازي — وإن وُجد، فما مداه وحدوده؟ وتاريخياً، كان الجواب الأوسع قبولاً هو أننا نمتلك بالفعل هذا الولوج لبعض حقائق عقولنا، وأنه لا مانع من حيث المبدأ يحل بيننا وبين بلوغه فيما يتعلق بالإحساس الآني للشخص كالألم، أو بعض المواقف والنزعات الذهنية التي تساورنا. إلا أن الشكوك راحت تتكاثف في الآونة الأخيرة حول هذا الاطلاع الامتيازي. وتعددت بواعث هذا التشكيك — الصادر عن فلاسفة وعلماء نفس على حد سواء — واتسمت بالدقة والتعقيد والالتباس أحياناً؛ فمنهم من يسوق براهين تجريبية من علم النفس الاجتماعي تزعم أن البشر دائمو الخطأ في توصيف ما يعتمل في عقولهم؛ ومنهم من يتكئ على دعاوى ميتافيزيقية تطال كنه مشاعرنا ونزعاتنا، محتجاً بأنه، بالنظر إلى طبيعة تلك الحالات، يتعذر علينا ببساطة أن نمتلك اطلاعاً امتيازياً على معظمها.
ولستُ بصدد فحص ما إذا كنا نحوز حقاً هذا الاطلاع الامتيازي على بعض وقائع عقولنا أم لا؛ وإنما أبتغي استجلاء ما قد نخسره من قيمة — إن كان ثمة ما نخسره — إذا ما جُرّدنا من هذا الاطلاع. وبتعبيرٍ آخر: أي قيمةٍ تفلت من بين أيدينا إن صدقت نبوءات المشككين في هذا الولوج المحظي؟ ورأيي في هذا أن تجريدنا من الاطلاع الامتيازي على حقائق عقولنا سيسلب حياتنا الإدراكية شيئاً بالغ الأهمية؛ وتحديداً، سنفقد لوناً من ألوان السيطرة الراسخة على مكنونات أذهاننا، وهي سيطرة لا غنى عنها لبلوغ غاياتنا بكفاءة واقتدار.
ولإسناد هذه الدعوى، هلمّ بنا نلج تجربةً فكرية: تخيل مستقبلاً يكتشف فيه علماء الأعصاب وسيلةً لزرع شريحة إلكترونية في دماغك، لا شأن لها سوى إمدادك بالمعلومات عما يدور في فلك عقلك. ولنطلق على هذه الرقاقة اسم "سوبر سيري". سل "سوبر سيري" إن كنت تعتقد أن السماء تمطر برداً بالخارج، أو تظن أن عيوناً تترصدك، أو تأمل أن تفوز باليانصيب، وسيبادرك الجهاز بالجواب الحاسم: "نعم، أنت كذلك" أو "لا، لست كذلك". وخلافاً لتطبيق "سيري" القابع في هاتفي، يتصف "سوبر سيري" بموثوقية فائقة؛ فهو يقدم لك دوماً حقائق ناصعة عن عقلك كلما سألته، وأنت تعلم علم اليقين أنه لا يخطئ.
لكن المفارقة تكمن هنا: يتيح "سوبر سيري" هذه البيانات الذهنية للعلن أيضاً؛ ومن ثم، يسع الآخرين بقليلٍ من الجهد أن يعرفوا الحقائق ذاتها وبالطريقة عينها التي عرفتها أنت.
إن تحصيل معرفةٍ مبررة بيقين راسخ حول حقائق عقلك عبر "سوبر سيري" يعني حيازة معرفةٍ لم تعد تنفرد بكونها من منظور ذاتي خالص؛ إذ بمقدور الآخرين استنطاق الجهاز عينه لمعرفة الحقائق الدقيقة التي استقيتها عنه. ومن هنا، يتبدى أنك ستتنازل عن قدر هائل من هيمنتك وسيطرتك على تلك الوقائع؛ فبدلاً من أن يضطر الآخرون إلى التعويل عليك — على سلوكك أو إفصاحك — ليعرفوا ما يدور في خلدك، سيكتفون بالرجوع إلى "سوبر سيري". وهكذا، فرغم أنك قد تحظى بيقين فائق عبر هذا الجهاز، فإن المقايضة القاسية تقتضي التنازل عن نصيب وافر من سيطرتك على باطنك، إن غدا "سوبر سيري" نافذتك الوحيدة لمعرفة نفسك.
|
هل لديك تعليق؟
|
الاسم : |
|
|
البريد الالكتروني : |
|
|
موضوع التعليق : |
|
|
التعليق : |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|