|
كتب ومجلات |
عمار علي حسن يعود للشعر من جديد في ديوانه "حفرة تصطاد العابرين"
|
|
|
|
|
القاهرة 10 فبراير 2026 الساعة 01:56 م

كتب: حسين عبد الرحيم
يعرف من يتابع المسار الأدبي للكاتب المصري عمار علي حسن أنه بدأ شاعرًا، لكنه احتفظ بقصائده دون نشر، بينما توالت صدور روايات ومجموعات القصصية ونصوصه السردية عابرة الأنواع وسيرة ذاتية ومسرحية، ثم وجدناه يفاجيء الوسط الأدبي بديوان شعر عنوانه "لا أرى جسدي" صدر عام 2020، وقال بعض النقاد إن عمار لن يعود للشعر مرة أخرى، مكتفيًا بالشاعرية المبثوثة في سردياته، لكنه عاد وأصدر قبل عامين ديوانه الثاني تحت عنوان "غبار الطريق"، وها هو يصدر ديوانه الثالث عن "مؤسسة بيت الحكمة" بالقاهرة، تحت عنوان "حفرة تصطاد العابرين".
وقد قرأت للكاتب تبريرًا لهذا حين قال: "إن الشعر قد عاد يلح عليَّ مرة أخرى، يريد أن يكتبني قبل أن أكتبه، فوجدت نفسي أكتب عدة قصائد، ربما يغلبني شيء ما أن أنتصر للشعر في زمن هجران بعض الشعراء له زاحفين إلى الرواية، أو أعتذر أنا عن هجرانه نحو ربع قرن أو يزيد". وأتذكر في هذا المقام إهداء ديوانه الأول، حيث قال: "إلى أيام كان الشعر فيها قبلتي، وخبأته، كأي شيء نفيس جدًا، لكن آن له الظهور على براءته وعفويته التي قام عليها، حتى وإن كنت قد ذهبت بعيدًا عنه."
في ديوانه الجديد "حفرة تصطاد العابرين" الصادر عن مؤسسة "بيت الحكمة" بالقاهرة، يتتبع أحلام الحرية سواء كانت أفكارًا أو مشاعر أو أشخاصًا فرغوا حياتهم لها.
فها هو في قصيدته الأولي "البيت القديم" يُنادى الرجل الذي يستسلم لطاحونة الحياة بشقيها؛ عمل متعب لا يكفي أجره لحياة كريمة، وتسرية زائفة ويكشف له خواء حياته التي شارفت على الانتهاء، وأطل الموت من هناك أمرًا محققًا:
"ضلوعه أكلها الزمن
تهتز حين يمشي
حين يسعل
وحين يعترف بوجع المحبة
وهو عائد من كدح النهار
وتسرية المساء العابرة
وهو يهتز طربًا غارقًا في لحن شجي
أو يبكي على عمره الهارب من بين أصابعه
ووقت خلوده إلى النوم
يسمعها تئز مع شروده في ذكرى أليمة
يصطاد فيه الفرح الطائر
أمام شرفته مكسورة الجناح
قبل أن يسقط تحت الأحذية الكالحة
في شارع أضيق من حويصلات رئتيه العليلتين
حيث بيته ذي الجدران المتهالكة
فيا أيها الواهم الذي يحسب ضلوعه جدرانًا
ورئتيه شرفة على بحر
وشرايينه أنهارًا ممدوة إلى حيث ينهمر المطر
وتفيض ينابيع الأرض
ماءً وكنوزًا
قف قليلًا لترى
بيتك القديم الذي يريد أن ينقض
هو أبقى من ضلوعك
التي نفختها الأوهام
كم ظننتها حصنًا يصد الرماح
فهزمتها ذرات غبار
ضاقت حتى سكتت الأنفاس
وأنت في حال عجيب
لا فرح هو ولا حزن
هكذا تبقى
حتى تمر جثتك في الشارع
والناس خلفها لاهين
إلى حيث يغمرها الظلام
ويطمرها العفن.
ينتقل هذا الصوت الهامس من أجل الحرية من قصيدة إلى قصيدة، بعدسة بانورامية مقربة لتلتقط تفاصيل مشاهد يومية نبصرها ولا نراها، وإن رأيناها فبأعيننا دون تفكير، لكن الشاعر هنا يأخذنا إلى اليومي العادي المهمش فيرصد تفاصيل تبدو تداعيًا عشوائيًّا، لكنه يعيد هندستها – كما يفعل علماء الرياضيات وخبراء الألعاب – ليخرج "نظامًا" كان غير مرئي.
وفي قصيدته "مباراة" يتجمع الناس لمشاهدة مباراة، ويحاول ممثل النظام الخائف من أي تجمع أن يفرق هذا التجمع، ومع انصراف الناس خائفين، يشغلهم شيء واحد: " ولا الطريقة التي تصرف بها الضابط دون أدنى اعتناء بهم/ ولا تهديده بأن يقبض على كل من يتلكأ/ إنما الكرة التي كان لاعبوهم يتبادلونها بإتقان أمام مرمى الخصم/ ذاهبة إلى قدم أحد منهم ليصوبها في المرمى، أو يمررها إلى زميله المنفرد به.
وتميل أجواء الديوان إلى حزن شفيف، معبرا عنه بالمفردات والصور والألوان. وربما تكون قصيدة "أزرق" حيث يقول:
"أزرق هو
ليس موجَ بحر
ولا صفحة َسماء
إنما عروقي التي يجري فيها الحبر
لأكتب سطوري
والخرائط الممدة تحت جلود العجائز
وآلاف الأخبار المقبضة
على شاشة التلفاز
ونوافد الدفاع الجوي
التي تخفينا عن طيَّارين جوعى للدم
الأزرق هو لون الحزن كما ينبغي
لون الوجع الجليل الصادق
ليس هو مجرد رمز للحداد
ولا لظلمة دامسة
وقلوب عابسة
ونفس تكره نفسها
إنما التألم في صمت
دون إشهار تطلقه محترفات العديد
في مآتم الموسرين
حين يصرخن من الحناجر
بقلوب محايدة
وعيون تصطنع الدمع
ولا يحركن أصابعهن
لتعزف على وتر الحزن الدفين."
هكذا ستجد في الديوان صورًا متنوعة من الحلم في مواجهة القهر، واللوم في مواجهة الإذعان، والتحية لكل مقاوم مهما كان عنوان القصيدة ومنها؛ البيت القديم، أزرق، أمل جديد، مصير، جوع، حوار، يمشي على الماء، ميلاد الرماد، حصار، ألم، الرسالة التي تركها ملاك الموت، لمبة وحيدة، شمعة تحترق، الأيام، مباراة، يد مقطوعة تعافر، محو، وجع مكتوم، لصوص جدد، مقعد، مر من هنا، مقام الطعام.
وتبدو قصيدة "مر من هنا" من ذرى الديوان في تحية العطاء والمكابدة من أجل الآخرين؛ فهي وإن كانت مرثية لصديق مقرب، تحتفي بكرمه وتحمله من أجل سعادة الآخرين: " يخطف من نبضه/ ويمد خطوط الأمل للمنتظرين قوله فيهم/ من بين الواقفين على باب الكتابة/ فيصيح فيهم ناسيًا حزنه وخاطره المكسور:/ ـ هيا احلموا بعالم سعيدْ.
ورغم نزعة الحزن، والتقاط القصائد الكثير من تصرفات وتدابير وحركات وطقوس ومشافهة الحياة العادية البسيطة، فإن القصائد لا تدعو للاستسلام للسائد والمتاح، ولا للمقبض والمفضي إلى الحزن، بل تمنح الأمل أيضا. ولعل قصيدة "أمل جديد" تعبر عن هذا بجلاء، حين تنتهي قائلة:
"يخبرها بأن الحياة تمضي
وأن السكون الشجيّ
والهدوء الرخيّ
ليس من هذا العالم في شيء
إنما أمنية عابرة
يسخر منها الجوعي والمقهورون
الذين يخمشون الصخر صباح كل يوم
بحثًا عن كسرة خبز
عن شربة ماء
تنضح من قلب الحجر
لتسقي الأمل الجديد."
|
هل لديك تعليق؟
|
الاسم : |
|
|
البريد الالكتروني : |
|
|
موضوع التعليق : |
|
|
التعليق : |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|