|
قصة قصيرة |
رحلـة مع الزائـر المجهـول
|
|
|
|
|
القاهرة 19 مايو 2026 الساعة 01:09 م

قصة: محمـد مبـارك
خرج من العمل بعد يوم طويل.. دخل إلى المقهى وجلس على طاولته المعتادة في الزاوية البعيدة بجوار النافذة الزجاجية.. أغمض عينيه قليلًا ليفرغ ذهنه المرهَق من عواصف الأرقام والتقارير والملفات التي تغمره منذ الصباح.. نفس الروتين اليومي الممل الذي يسرق العمر.. فتح عينيه ثم طلب مشروبه البارد المفضل.. راح يتفحص الزبائن من حوله.. لا شيء جديد، نفس رواد المقهى كل يوم.. الكل يُعيد أحداث اليوم.. تلك القصص التي لا جديد فيها، الاجتماعات الرتيبة، والأخطاء الإدارية، والضحكات المصطنعة بين الزملاء..
حاول أن يوقف شلال الأفكار المتدفق إلى رأسه لينسى أحداث اليوم.. يريد أن يشغل عقله بشيء مثير، لكن دون جدوى.. لفت انتباهه ضوء البرق الذي يزداد باستمرار، وتحوُل السماء إلى اللون الرمادي الداكن المخيف.. لاحظ أن الحركة في الشارع بدأت تهدأ، وكأن المارة قد شعروا بقرب هطول المطر فتسابقوا لإخلاء الشارع.. إزداد لمعان البرق ومعه بدأت الأمطار تتساقط بغزارة.. تعالت أصوات الزبائن في المكان، الكل يفكر في كيفية العودة للمنزل.. اشتدت حدة الأمطار حتى سقطت حبات البرد التي كانت تضرب زجاج النوافذ بعنف.. حاول أن يشغل نفسه بقراءة الصحيفة، لكنه لم يتحمل الضجيج من حوله فتوقف عن القراءة..
أثناء زحام الأفكار التي تحاصر عقله، دخلت امرأة جميلة الملامح إلى المكان، ترتدي معطف طويل وتحمل حقيبة جلدية مهترئة.. بحثَت عن مقعد لتجلس فيه.. كان يبدو عليها علامات الإرهاق والتوتر.. كانت مستغرقة في التفكير لدرجة أنها لم تسمع الفتي وهو يسألها ماذا تريد أن تشرب ليحضره لها.. انتبهت فطلبت منه إحضار قهوة.. كان يراقبها باهتمام وفضول فهي ليست من رواد المقهى، ولا يبدو أن أحدا يعرفها في المكان.. راح يسأل نفسه من تكون؟!.. كانت تُحدق في الطاولة ولم تُحرك رأسها كأنها ذهبت في عالمٍ آخر.. رن هاتفها بنغمة كلاسيكية تنم عن ذوق موسيقي رفيع، لكنها لم ترد. استسلم لفضوله الذي سحبه لمغامرة جديدة لدرجة أنه نسي أن يكمل مشروبه، ولم ينتبه حتى إلى الشارع الذي تحول إلى بحيرة فتسرب الماء إلى داخل المكان..
ازدادت حيرته وهو أن يحاول أن يفهم ماذا تفعل، ولماذا هي شاردة الذهن؟!.. فجأة أخرجت من معطفها مفكرة صغيرة وراحت تكتب دون توقف، وكأنها غرقت في بحر عميق من الأفكار.. ازداد الغموض وقال في نفسه: يبدو أنها كاتبة أو مؤلفة!.. وضع الفتى القهوة بجانبها لكنها لم تشعر به.. كاد رأسه أن يتآكل من كثرة الأسئلة.. نسي تمامًا يومه المرهِق وجسده المتعَب وانطلق مستسلمًا في مغامرة عقلية لحل هذا اللغز.. بعد عدة دقائق، أخرجت من حقيبتها لوحة بيضاء صغيرة ومجموعة من الأقلام الملونة المختلفة في الأحجام.. بلغت حيرته ودهشته ذروتها.. قال في نفسه متعجبا: لا، ربما هي فنانة تشكيلية!
كان يراقبها بشغف كأنه طفل حالم يحاول تفسير العالم من حوله.. كانت تتنقل بين الألوان ببراعة كأنها تعزف على اللوحة، وبخار القهوة الساخنة يداعب وجهها.. توقفت عن الرسم وهي تبتسم لأول مرة.. راحت ترتشف القهوة ببطء كأنها تحررت من شيء كان يقيدها.. قرر أن يستجمع قواه ويحاول الاقتراب منها ليرى ماذا ترسم.. همَّ ليتحرك من مكانه لكن مدير المقهى ناداه ليسأله عن شيء ما.. حاول أن يتهرب لكن دون جدوى.. دخل غرفة المدير كأنه سجين مجبر على دخول الزنزانة.. استمر الحوار عدة دقائق.. خرج مسرعًا من المكتب فوجدها قد رحلت.. لم يجد شيئا سوى فنجان القهوة الفارغ.. شعر أنه كان في حلم جميل لكنه استيقظ منه حزينًا.. نظر إلى مقعدها فوجد ميدالية صغيرة عليها حرف "M"، سقطت منها.. أمسك الميدالية وخرج مسرعًا من باب المقهى ليلحق بها ويعيدها إليها.. كان الشارع مزدحمًا بعد أن توقف المطر..
حاول أن يبحث عنها وسط المارة حول المكان، لكنها تاهت في الزحام.. عاد إلى المقهى يائسًا وفي يده الميدالية بعد أن أصبح رأسه مثل المغناطيس لا يجذب سوى أسئلة لا إجابة لها..
عاد إلى مقعده بينما عقله قد سافر في رحلة ولم يعُد.
|
هل لديك تعليق؟
|
الاسم : |
|
|
البريد الالكتروني : |
|
|
موضوع التعليق : |
|
|
التعليق : |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|