|
قصة قصيرة |
سماع
|
|
|
|
|
القاهرة 17 فبراير 2026 الساعة 04:19 م

قصة: عمر أبو القاسم الككلي
عندما سمع الطرق العنيف على الباب، في الهزيع الأخير من الليل، رغم وجود الجرس، لعبت به الهواجس. كان بالحمام، وكانت محتويات أمعائه محتدمة. قال: هذا أسوأ وقت يمكن أن يأتوا فيه.
ازداد الطرق عنفا وتلاحقا. سمع خطوات زوجته. قالت له: لا بد أن أفتح. قال: لا. لا تفعلي. قالت: في جميع الأحوال سيدخلون. سيكسرون الباب. لنر الأمر. ثم صاحت مخاطبة الطارقين: لحظة.
سمع خطواتها تبتعد، ثم سمع انفتاح الباب، وسمعهم يسألون عنه، وسمعها تجيبهم: في الحمام. وسمع خطواتهم المندفعة، وفتح عليه أحدهم باب الحمام بعنف، وكان جالسا على كرسي المرحاض. أغلق الباب بسرعة وسمعه يأمره: ابق مكانك. لستَ في وضع مناسب للخروج. لا تخرج إلا حين نأذن لك.
سمع أصواتهم وصوت زوجته، دون أن يتبين شيئا. خمن عددهم. يعرف أنهم يأتون عادة في مجموعة مكونة من أربعة أنفار، سائق مع ثلاثة آخرين، ويضعون الشخص المطلوب بين شخصين في الكرسي الأخير، وغالبا يكون البابان الخلفيان يفتحان من الخارج فقط. خمن أن أحدهم ما زال يحرسه عند باب الحمام. ما زالت أمعاؤه تفرغ محتوياتها ووجعه يزداد. وضعه لا يسمح له بتحدي الأوامر ومحاولة الخروج من الحمام.
سمع همهمات وغمغمات تأتي إليه مخترقة بابين مقفلين. ثم طغى عليها صراخ ابنه الرضيع.
سمع صوت باب يفتح وأصواتا رجالية خفيضة وخطوات على الممر باتجاه الباب. سمع الباب يفتح ثم يقفل. وسمع صوت زوجته تخاطبه من وراء باب الحمام تخبره بأنهم قد ذهبوا، وصراخ ابنه الرضيع الذي لم ينقطع منذ أن بدأ.
هيأ نفسه للخروج. ثم خرج. عاريا.
وجد زوجته جالسة على السرير بإزار النوم، الذي لم تكن ترتدي تحته شيئا، ترضع ابنهما. لاحظ لطعات حمراء على ثديها ورقبتها. قالت دون أن تنظر إليه:
لقد تركوا لك فرصة الهرب. لديك ساعات كافية لأن تهرب.
لم يرد. ظل ينظر إلى ابنه يرضع بانهماك. فكر: أي نوع من الحليب يرضعه الآن. سيكون متشربا مشاعر أمه حاليا. استمر في وقفته لا يعرف ماذا يفعل أو يقول. نظرت إليه زوجته نظرة وجيزة، لكنها مركزة. أحس أنها أرادت أن تقول له: لا تلمني. كان يمكن أن يفعلوا ما فعلوه ثم يذهبوا بك.
فكر: نعم. لقد قايضتِهم. أبرمت صفقة.
قال لها: ليس لدي أين أهرب.
قالت وهي تعيد الطفل إلى مهده، دون أن تنظر إليه: حاول. المحاولة أفضل من الاستسلام.
أجابها في نفسه: تتحدثين عن الاستسلام!
أخذ يتمشى في الممر. كان يحس بضمور داخله. لاحظ في مرآة الممر أن جسده أيضا اكتنفه الضمور. كيانه كله ينكمش. في نظر نفسه هو الآن يتلاشى.
قال مخاطبا زوجته: نعم. سأهرب. تذكرت الآن مكانا يمكنني اللجوء إليه. سأدخل الحمام.
قالت زوجته: سأعد لك أوراقك المهمة وبعض الملابس وما لدينا من نقود.
دخل الحمام، دون أن يرد عليها، وأغلق الباب وراءه.
قامت زوجته بإعداد المستلزمات بسرعة، وبقيت تنتظره.
استبطأته. خرجت من الحجرة. نادته من وراء باب الحمام. لم يجبها. فتحت الباب. شلها الذهول لوهلة، ثم أطلقت صرخة حادة مزقت سكون السَحَر.
|
هل لديك تعليق؟
|
الاسم : |
|
|
البريد الالكتروني : |
|
|
موضوع التعليق : |
|
|
التعليق : |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|