|
فنون تشكيلية |
معرض "الإرث".. حين يصبح الماضي مادة للحاضر
|
|
|
|
|
القاهرة 18 أغسطس 2026 الساعة 02:37 م

بقلم: سوزان سعد
في بعض الأعمال الفنية، أول ما يجذبك هو الشكل.
وفي أعمال أخرى، تحتاج أن تقف قليلًا حتى تبدأ في فهم السؤال الذي يقف خلفها.
وهذا هو الإحساس الذي انتابني وأنا أشاهد أعمال الفنان محمد علي نصرة في معرض «الإرث».
العنوان في حد ذاته يبدو مباشرًا، لكن الأعمال لا تتعامل مع الإرث باعتباره شيئًا محفوظًا في الماضي، ولا تقدمه بصورة احتفالية تقليدية للتراث. بالعكس، هناك محاولة واضحة لإعادة التفكير في معنى ما يصل إلينا من السابقين، وماذا يحدث له عندما يقع في أيدينا نحن.
أكثر ما استوقفني هو أن الفنان لم يعتمد على وسيط واحد ليحكي فكرته. هناك تنوع في الخامات والوسائط، ومعه حضور واضح للكتابة والكاليجرافي بلغات مختلفة. وهذا التنوع بالنسبة لي ليس مجرد اختيار جمالي، لكنه جزء أساسي من بناء المعنى.
فالإنسان لا يرث بطريقة واحدة.
نحن نرث الأشياء، لكننا نرث أيضًا الكلمات.
نرث اللغة التي نتحدث بها قبل أن نعرف حتى كيف اخترناها. نرث الحكايات، والأفكار، وطريقة النظر إلى الأشياء. نرث ما تعلمه الآخرون قبلنا، وأحيانًا نرث حتى أسئلتهم التي لم يجدوا لها إجابة.
ولهذا كان حضور الكتابة في العمل لافتًا بالنسبة لي.
الخط هنا لا يؤدي وظيفة القراءة فقط.
الكلمة نفسها تتحول إلى أثر بصري.
الحروف بلغاتها المختلفة تبدو كأنها تحمل تاريخًا قبل أن تحمل معنى. يكفي أن ترى اختلاف أشكالها حتى تدرك أنك أمام ثقافات وتجارب وذاكرات متعددة، لكنها في النهاية كلها تحاول أن تفعل الشيء نفسه: أن تحفظ أثر الإنسان.
وهنا أعتقد أن الفنان يقترب من جوهر فكرة الإرث بشكل ذكي.
فالكتابة واحدة من أهم الطرق التي قاوم بها الإنسان فكرة الفناء.
قبل أن توجد الصورة بالشكل الذي نعرفه اليوم، وقبل كل وسائل التواصل الحديثة، كان الإنسان يكتب لكي يقول: كنت هنا. رأيت. عرفت. عشت.
وما يصل إلينا من كتابات السابقين ليس مجرد حروف. هو جزء من وجودهم الذي استطاع أن يعبر الزمن.
ومن هنا تصبح الكتب والكتابات الموجودة في أعمال الفنان أكثر من مجرد رموز للمعرفة.
إنها أشبه بأصوات بعيدة.
أصوات أشخاص لم نلتقِ بهم، لكنهم تركوا لنا شيئًا نستطيع من خلاله أن نقترب منهم.
وهذا يقودني إلى الجزء الأهم في فكرة المعرض بالنسبة لي: الإرث لا ينتقل إلينا كاملًا.
نحن دائمًا نستقبل ما تركه السابقون من خلال أعيننا نحن.
نأخذ الشيء من مكانه القديم ونضعه في زمن جديد، فيكتسب معنى آخر.
وهذا ما أشعر أن الفنان يفعله مع العناصر التي يستخدمها. هو لا يعرض المادة التراثية كما هي، وإنما يعيد تركيبها داخل عمل معاصر. وكأنه يقول إن الحفاظ على الإرث لا يعني أن نتركه كما وجدناه، وإنما أن نسمح له بأن يعيش مرة أخرى.
وهنا يصبح استخدام الوسائط المختلفة مهمًا جدًا.
الخامة القديمة عندما تدخل في عمل معاصر لا تفقد تاريخها، لكنها تكتسب طبقة جديدة من المعنى.
والحرف عندما ينتقل من وظيفته الأصلية إلى مساحة فنية، لا يعود مجرد كتابة، بل يصبح شكلًا وذاكرة وإشارة.
واللغة عندما تظهر بجوار لغة أخرى، لا تصبح مجرد ترجمة، وإنما تفتح مساحة للتجاور بين ثقافات مختلفة.
وهذا بالنسبة لي أكثر ما أعجبني في الفكرة.
أن الفنان لا يتحدث عن الإرث باعتباره شيئًا يخص جماعة واحدة أو زمنًا واحدًا.
هو يترك الباب مفتوحًا لفكرة أوسع: الإرث الإنساني.
ذلك الذي انتقل بين الشعوب، وتغيرت أشكاله، واختلفت لغاته، لكنه ظل في جوهره مرتبطًا بمحاولة الإنسان أن يحفظ شيئًا من تجربته لمن يأتي بعده.
وأعتقد أن وجود أكثر من لغة في الأعمال يضيف سؤالًا آخر مهمًا: ماذا يحدث عندما لا نفهم اللغة؟
هل يختفي معناها؟
أم أن شكل الحروف وحده قادر على أن يحمل جزءًا من قصتها؟
ربما هذا ما يجعل الكاليجرافي هنا مؤثرًا حتى لمن لا يستطيع قراءة كل ما كُتب.
نحن لا نقرأ فقط، نحن نرى أثر القراءة.
وهذا يضعنا أمام فكرة جميلة: أحيانًا لا نحتاج أن نفهم كل شيء حتى نشعر بقيمته.
تمامًا مثلما يحدث مع الإرث نفسه.
قد نرث شيئًا لا نعرف قصته كاملة، لكننا نشعر أنه مهم. وقد نكتشف بعد سنوات أن الشيء الذي كنا نراه بسيطًا كان يحمل خلفه حكاية كاملة.
وهنا تذكرت أن الإرث ليس دائمًا شيئًا نختاره.
أحيانًا يصل إلينا قبل أن نكون مستعدين لفهمه.
ثم يأتي دورنا.
هل نحافظ عليه؟
هل نرفض جزءًا منه؟
هل نعيد تفسيره؟
هل نضيف إليه؟
هذه الأسئلة هي التي تجعل فكرة الإرث مرتبطة بالحاضر، وليس بالماضي فقط.
فلو كان المطلوب مجرد الحفاظ، لكان المتحف كافيًا.
لكن الفن يفعل شيئًا آخر.
الفن يعيد فتح الحوار مع ما وصل إلينا.
وهذا ما أراه في تجربة محمد علي نصرة؛ فالماضي موجود في أعماله، لكنه ليس مسيطرًا عليها. هناك مسافة بين ما كان وما أصبح، وهذه المسافة هي المكان الذي يدخل فيه الفنان.
هو لا يقف مكان السلف، ولا يحاول أن يكون نسخة منه.
هو يقف بعده.
ينظر إلى ما تركه، ويعيد تشكيله من وجهة نظره.
وربما هنا تكمن مسؤولية كل جيل.
أن يعرف أن ما بين يديه لم يبدأ معه، وأن ما يفعله اليوم لن ينتهي عنده.
نحن جميعًا نقف في منتصف الطريق.
وراءنا أناس تركوا لنا ما استطاعوا أن يحملوه من تجاربهم، وأمامنا أناس لم يصلوا بعد، وسيكون عليهم أن يتعاملوا مع ما تركناه نحن.
لذلك فإن عبارة «إرث السلف رصيد للخلف وزاد للمستقبل» بالنسبة لي لا تعني الاحتفاظ بالماضي بقدر ما تعني فهم قيمته.
فالشيء الذي لا نفهمه قد يتحول إلى مجرد شكل.
أما الشيء الذي نفهمه، فيمكن أن يتحول إلى معرفة.
والمعرفة يمكن أن تتحول إلى تجربة.
والتجربة، عندما تنتقل إلى شخص آخر، تصبح بداية جديدة.
وهكذا لا يعود الإرث شيئًا خلفنا.
يصبح شيئًا يمر من خلالنا.
وهذا ربما هو أكثر ما جعلني أتوقف أمام أعمال المعرض.
لأنها لا تسألني فقط عن الأشياء التي وصلت إليّ من الماضي، وإنما تجعلني أفكر في دوري أنا داخل هذه السلسلة.
ماذا أفعل بما وصل إليّ؟
هل أكتفي بأن أقول إنه جميل لأنه قديم؟
أم أحاول أن أفهم لماذا وصل إلينا أصلًا؟
وهل أملك شيئًا يستحق أن يصل إلى من بعدي؟
في النهاية، ربما لا يكون الإرث هو ما نحتفظ به، وإنما ما ننجح في أن نجعله قابلًا للحياة مرة أخرى.
وهنا يصبح الفن واحدًا من أهم أشكال الإرث.
عمل فني يظل قادرًا على أن يفتح سؤالًا بعد رحيل صاحبه، كلمة تستمر في الذاكرة، حرف يعبر الزمن، فكرة تجعل شخصًا يرى شيئًا بطريقة مختلفة.
هذه الأشياء لا تحتاج إلى أن تبقى كما هي حتى تستمر.
يكفي أن تظل قادرة على أن توقظ شيئًا في إنسان آخر.
وهذا ما شعرت به أمام «الإرث».
لم أشعر أنني أمام حديث عن الماضي فقط، بل أمام حوار بين أزمنة مختلفة، تتقابل فيه الخامة مع الكلمة، والقديم مع المعاصر، واللغة مع الصورة، وذاكرة السلف مع عين الفنان.
وفي النهاية، ربما يكون أجمل ما يمكن أن نفعله بإرث من سبقونا ألا نغلق عليه الأبواب خوفًا من أن يتغير.
بل أن نسمح له بأن يتغير قليلًا...
حتى يستطيع أن يكمل رحلته.
معرض «الإرث» للفنان محمد علي نصرة
إرث السلف... رصيد للخلف، وزاد للمستقبل.



|
هل لديك تعليق؟
|
الاسم : |
|
|
البريد الالكتروني : |
|
|
موضوع التعليق : |
|
|
التعليق : |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|