|
علوم وتكنولوجيا |
الثقافة وإمكانات تطورها في ظل الذكاء الاصطناعي لدى جيل زد
|
|
|
|
|
القاهرة 26 مايو 2026 الساعة 07:04 م

بقلم: نبيل بهاء الدين
لم يعد السؤال المطروح اليوم هو: هل سيؤثر الذكاء الاصطناعي في الثقافة؟
بل أصبح السؤال الأعمق: كيف ستتغير الثقافة نفسها حين يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من أدوات إنتاجها وتلقيها، وخصوصًا لدى جيل زد، ذلك الجيل الذي نشأ في قلب البيئة الرقمية، وتكوّنت رؤيته للعالم داخل فضاء تهيمن عليه الشاشات والمنصات والخوارزميات؟
ويقصد بجيل زد، في الاستخدام الشائع، ذلك الجيل الذي وُلد تقريبًا في أواخر التسعينيات وحتى أوائل العقد الثاني من الألفية الجديدة، وهو الجيل الذي لم يعرف العالم قبل الإنترنت كما عرفته الأجيال السابقة، بل وُلد في زمن أصبح فيه الاتصال الدائم، وتدفق المعلومات، وتعدد المنصات، جزءًا من البنية اليومية للحياة. لذلك لا يُنظر إلى هذا الجيل باعتباره مجرد فئة عمرية، بل بوصفه جيلًا تشكّلت هويته الثقافية في بيئة رقمية خالصة، ما جعله أكثر التصاقًا بالتقنية، وأكثر قدرة على التفاعل معها، لكنه في الوقت ذاته أكثر تعرضًا لتأثيراتها العميقة في الذائقة والوعي وطريقة الإدراك.
أما الذكاء الاصطناعي، فهو لا يعني فقط البرامج القادرة على تنفيذ أوامر معقدة، بل يشير إلى مجموعة من التقنيات التي تمكّن الآلة من تحليل البيانات، وتوليد النصوص والصور والأصوات، والتعلّم من الأنماط السابقة، ثم تقديم مخرجات تشبه إلى حدّ بعيد ما يصنعه الإنسان. ومن هنا تأتي خطورته وأهميته في آن واحد؛ لأنه لم يعد مجرد أداة تقنية، بل صار شريكًا فعليًا في تشكيل المعرفة والإنتاج الثقافي.
وهنا تبدأ الإشكالية: إذا كانت الثقافة هي المجال الذي تُصاغ فيه القيم والمعاني واللغة والخيال والذاكرة الجمعية، فماذا يحدث حين تدخل الآلة بوصفها طرفًا فاعلًا في هذا المجال؟ وهل يظل الإنسان هو المركز، أم يتحول إلى مجرد مستخدم داخل منظومة تنتج له، وتقترح عليه، وتعيد صياغة ذوقه تدريجيًا؟
لقد كانت الثقافة في تصوراتها التقليدية تقوم على مسار واضح: قراءة، ثم فهم، ثم استيعاب، ثم إنتاج. أما اليوم، فهذه المراحل لم تعد متتابعة بالضرورة، بل باتت تتداخل وتتسارع إلى درجة تجعل الفاصل بينها شبه غير مرئي. يستطيع الشاب أو الشابة من جيل زد أن يكتب، ويصمم، ويؤلف، ويجرّب أشكالًا متعددة من التعبير بمساعدة أدوات ذكية تختصر الوقت وتفتح احتمالات لم تكن متاحة من قبل. وهذه النقلة ليست تفصيلًا عابرًا، بل تحوّلًا جوهريًا في معنى الإبداع نفسه.
من جهة أولى، تفتح هذه الأدوات بابًا واسعًا أمام ما يمكن تسميته بديمقراطية الإبداع؛ إذ لم يعد الإنتاج الثقافي حكرًا على من يمتلك المهارات التقنية العالية أو الموارد المادية أو الخبرة الطويلة. صار بالإمكان أن يشارك في صناعة المحتوى من لم يكن يملك في السابق سوى الفكرة والرغبة. وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي قد يتيح ظهور أصوات جديدة، وتجارب مختلفة، وحكايات كانت مهمشة أو معطلة أو مؤجلة.
لكن من جهة أخرى، تبرز أسئلة أكثر إلحاحًا: هل ما يُنتَج بهذه الوسائل يحمل بصمة إنسانية حقيقية؟ أم أنه مجرد استجابة سريعة لما تقترحه الخوارزميات؟ وهل توسّع هذه الأدوات أفق الثقافة، أم تدفعها نحو التماثل والسطحية حين تصبح السرعة معيارًا للقيمة؟
إن الثقافة في العصر الرقمي لا تُقاس فقط بما يُكتب أو يُنشر، بل أيضًا بما يحظى بالظهور والانتشار. وهنا تلعب المنصات دورًا محوريًا في تشكيل الذائقة العامة، لأن الخوارزميات لا تمنح الأولوية دائمًا للأعمق أو الأصدق، وإنما غالبًا لما هو أكثر جذبًا، وأسهل تداولًا، وأسرع استهلاكًا. ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى هذا المشهد، تصبح الدائرة أكثر تعقيدًا: بيانات تُجمع، وأنماط تُحلل، ومحتوى يُعاد إنتاجه وفق منطق يميل بطبيعته إلى الاختصار، والتكرار، والانتشار السريع.
ومع ذلك، لا يصح النظر إلى هذه التحولات باعتبارها نذيرًا حتميًا بانحدار الثقافة. فالتاريخ الثقافي لا يتقدم في خط مستقيم، بل عبر توترات دائمة بين الأداة والغاية، وبين الانفتاح والاحتفاظ بالخصوصية، وبين الاتساع وفقدان المعنى. وما يتيحه الذكاء الاصطناعي اليوم من سهولة الوصول إلى أدوات الإنتاج يمكن أن يكون بابًا لتوسيع المشاركة الثقافية، شرط ألا يتحول الإنسان إلى تابع لما تنتجه الآلة.
وهنا تبرز أهمية الوعي النقدي لدى جيل زد. فهذا الجيل، رغم قربه الشديد من التقنية، لا يملك بالضرورة مناعة تلقائية ضد الاستهلاك السريع أو التشتيت أو الانبهار بالمحتوى الجاهز. ولذلك فإن القيمة الحقيقية لا تكمن في القدرة على إنتاج المزيد، بل في القدرة على التمييز: التمييز بين ما هو عابر وما هو عميق، بين ما هو لامع وما هو مهم، بين ما هو تقني وما هو إنساني.
ومن هنا تتغير صورة المثقف أيضًا. فالمثقف لم يعد هو الحافظ وحده، ولا الناقل فقط، بل من يملك القدرة على الفرز، وإعادة الترتيب، وتوليد المعنى وسط فيض هائل من المعلومات. لم تعد القيمة في كثرة ما نعرف، بل في طريقة تعاملنا مع المعرفة، وفي قدرتنا على ألا نذوب داخل التدفق المستمر للمحتوى الجاهز.
الذكاء الاصطناعي، إذن، لا يهدد الثقافة بقدر ما يضعها أمام اختبار جديد. إما أن يتحول إلى وسيلة توسّع من إمكاناتها، أو إلى قوة تدفعها نحو التشابه والاستسهال. والجملة الفاصلة هنا هي أن الثقافة لن تتطور لمجرد أن الأدوات أصبحت أكثر تقدمًا، بل ستتطور إذا ظل الإنسان حاضرًا بوعيه، وسؤاله، وذائقته، وقدرته على المقاومة.
ففي النهاية، الثقافة ليست مجرد إنتاج متكرر للمواد، بل هي فعل اختيار: اختيار ما يُقال، وكيف يُقال، ولماذا يُقال. وفي عالم تُصنع فيه النصوص والصور والأفكار بسرعة مذهلة، تصبح القيمة الحقيقية في القدرة على الإبطاء قليلًا، والتفكير أكثر، ومقاومة الانجرار وراء ما هو جاهز وسهل ومكرر.
وهنا بالتحديد يمكن أن تبدأ إمكانات التطور الثقافي لدى جيل زد: حين لا يكتفي بما تمنحه الآلة، بل يسألها، ويختبرها، ويعيد توجيهها، ويجعل منها أداة لإثراء التجربة الإنسانية لا لإلغاء أثرها.
|
هل لديك تعليق؟
|
الاسم : |
|
|
البريد الالكتروني : |
|
|
موضوع التعليق : |
|
|
التعليق : |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|