|
رواية |
الحياة بين دفتي رواية: "زقاق المدق" مرآة الطموح والمادة في العصر الحديث
|
|
|
|
|
القاهرة 06 أكتوبر 2026 الساعة 09:38 ص

بقلم: إيناس محمد عتمان
حين نمعن القراءة في عبقرية نجيب محفوظ في رسم الشخصيات النسائية، تقف شخصية "حميدة" في رواية زقاق المدق كأحد أكثر النماذج الروائية حيوية وتعبيراً عن صراع الذات المعاصرة مع قيود الواقع المحيط.
فهي ليست مجرد فتاة من حواري القاهرة القديمة، بل هي التجسيد الحي لروح التمرد والبحث عن التحقق المادي والاجتماعي التي نراها ونلمسها في جيل كامل من النساء في واقعنا المعاصر.
تكتسب حميدة قيمتها النقدية والإنسانية من كونها صرخة رفض ضد الفقر والتهميش؛ إذ تجد نفسها محاصرة بجدران الزقاق الضيقة وضغوطه الاجتماعية الروتينية، ومطالبة في الوقت ذاته بأن تقبل بنصيبها التقليدي كأمر حتمي.
لكنها تختار التمرد والركض وراء بريق المال وسط عالم يتغير بعنف ويميل إلى سحق الضعفاء وتحويل الطموح البشري إلى صراع مادي شرس.
يتضح هذا التمزق النفسي الحاد بوضوح في السرد المحفوظي الذي يصف تطلعها الجارف بالقول:
"كانت تتطلع إلى فتيات المصنع واليهوديات في الموسكي، وتتحرك في صدرها ثورة عارمة تتمنى لو تنطلق بها إلى النور والرفاهية".
وهو رصد يضع اليد على الوجع الحقيقي الذي تعيشه الكثير من الفتيات اليوم في عصرنا المعاصر؛ حيث تضغط منصات السوشيال ميديا ومظاهر الاستهلاك السريع على الوعي البشري، وتزرع حالة من عدم الرضا والتمرد على الواقع المعيشي البسيط في غياب تكافؤ الفرص.
إن إسقاط واقع حميدة على عصرنا الحالي يكشف لنا كيف تتحول الرغبة المشروعة في تحسين الوضع الاجتماعي إلى فخ يقود للاغتراب وفقدان الهوية إذا لم تقترن بالوعي والنضج الفكري؛ فحميدة في سعيها الحثيث للفكاك من أسر الفقر تصطدم بجدران من الاستغلال، وهو تماماً ما تواجهه المرأة العاملة اليوم من تحديات وضغوط مجتمعية تحاول مساومتها على طموحها أو حصر قيمتها الإنسانية في حسابات المكسب والخسارة المادية الضيقة.
وتصل الرواية إلى ذروة مكاشفتها الفلسفية المعاصرة من خلال تجسيد مأزق الطموح حين تعلن حميدة ترفعها عن ضيق أفق الزقاق وقاطنيه قائلة:
"إنهم أموات أو نصف أموات، لستُ من طينتهم ولا هم من طينتي".
لتتحول روح هذه العبارة إلى مانيفستو فكري يعكس تطلعات وأزمات العصر الحديث الذي تذوب فيه الكثير من القيم النبيلة أمام بريق السلعة.
هذا التمرد المطلق يفسر كيف تلاشت مخاوفها أمام إغراء التغيير حين سارت في طريقها الجديد قائلة لنفسها إن تلك الخطوة لن تكون الأخيرة، وإن الجسد الذي وهبه الله الجمال لن يُدفن في هذا الزقاق.
مما يجعل من قراءة شخصية حميدة اليوم ضرورة نقدية ملحّة لفهم ديناميكيات الشارع المعاصر، وإعادة الاعتبار لقيمة التوازن بين الطموح المشروع والتماسك الإنساني بقلم يرفض التزييف وينبض بوعي بشري خالص لا تمحوه الأيام.
|
هل لديك تعليق؟
|
الاسم : |
|
|
البريد الالكتروني : |
|
|
موضوع التعليق : |
|
|
التعليق : |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|