|
رواية |
رواية «آلام الإغريق» والواقع المعاصر.. إعادة صلب المسيح على مسرح السلطة!
|
|
|
|
|
القاهرة 07 يوليو 2026 الساعة 11:04 ص

بقلم: إيناس محمد عتمان
تنتهي من قراءة رواية "آلام الإغريق" لنيكوس كازانتزاكيس، فيباغتك سؤال وجودي حارق: هل يصحو الإنسان منا على ألم التمثيلية التي يفعلها؟ وهل هذا العالم الذي نعيشه بصراعاته، وقوانينه، وسلطاته ليس سوى خشبة مسرح كبرى، نحن فيها الممثلون والضحايا في آن واحد؟!
ففي الرواية، يقرر وجهاء قرية يونانية إقامة تمثيلية "آلام المسيح" خلال أسبوع الآلام، ويوزعون الأدوار على البسطاء؛ فهذا يمثل دور المسيح، وذاك يمثل دور يوضاس الخائن، والآخرون هم التلاميذ..
لكن المعجزة والفاجعة تبدآن عندما تتحول التمثيلية إلى حقيقة، وعندما يتشرب هؤلاء الممثلون البسطاء روح الشخصيات، فيبدأون بالدفاع عن الفقراء واللاجئين الجياع الذين طردهم الأتراك، ليصطدموا فوراً بالسلطة الحقيقية للقرية؛ الكاهن الجشع، والأعيان، والآغا العثماني.
إن الرواية تجيب بجرأة صادمة عن سؤال السلطة؛ فنعم، السلطة في كثير من الأحيان هي التمثيلية الكبرى، وليست سوى قناع يرتديه قادة يعبثون بالحاضر والمستقبل في حضرة الكذب المقدس.
فالكاهن "غريغوريس" في الرواية يمثل سلطة الدين المزيفة التي تحمي مصالح الأغنياء وتطرد الفقراء باسم الله، إنه الممثل الأكبر الذي يخشى أن تفسد الحقيقة توازنات كرسيه.
وفي واقعنا المعاصر، نرى هذا المسرح يتكرر يومياً؛ فكم من الشعارات البراقة عن الحرية، والعدالة، وحقوق الإنسان تُرفع في المحافل الدولية بينما يُترك المستضعفون لمصيرهم تحت عتمة العقل الجمعي؟ إنها التمثيلية نفسها؛ تبدلت الأثواب والوجوه، وبقيت آليات السلطة تمارس العبث بمصائر الشعوب خلف ستار الكذب المنظم.
يكتب كازانتزاكيس في الرواية عبارة تلخص هذا العمى الذي يصيب المجتمعات والأفراد: «إن قلب الإنسان مستنقع كدر، والويل لمن يحركه!». وهذا المستنقع هو عتمة العقل المؤقتة التي تنتابنا كشعوب عندما ننساق خلف القطيع، ونصدق زيف الممثلين (أي السلطة)، فنغمض أعيننا عن الحق لأن تكلفة الحق باهظة.
وفي الرواية، عندما حاول "مانوليوس" (الذي جسد دور المسيح) أن يعيش الطهر حقيقةً وأن يطعم الجياع، لم يحتمل المجتمع طهارته فقرروا التخلص منه.
إن كازانتزاكيس يصرخ فينا عبر الرواية متسائلاً: «كيف يمكننا أن نحب الله إذا كنا نكره البشر؟»، وهو سؤال يصفع واقعنا اليوم حيث نتحصن خلف هوياتنا، وحدودنا، ومصالحنا الضيقة، تاركين الإنسانية تُصلب على مشارف أنانيتنا.إن الصحوة في "آلام الإغريق" مؤلمة جداً، وتأتي عبر صدمة الاصطدام بالواقع؛ فعندما يدرك الإنسان أنه كان مجرد "كومبارس" في مسرحية كتبها الأقوياء، هنا يولد الألم الحقيقي، لكن هذا الألم هو البداية الوحيدة للتحرر وتفكيك لُعبة الكذب.
لقد كشفت الرواية المستور الذي يخبئه القدر، وكشفت أن المأساة الإنسانية ليست في قوة الأشرار بل في تخاذل الأخيار وصمتهم، ويبقى الأمل معلقاً بقرع أجراس الوعي، لعلنا نخرج من دور الممثلين العابثين لنصبح حراس الحقيقة في عالم يقدس الزيف.
|
هل لديك تعليق؟
|
الاسم : |
|
|
البريد الالكتروني : |
|
|
موضوع التعليق : |
|
|
التعليق : |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|