|
دراسات نقدية |
فيوضات السرد الروائي التاريخي وتداخل الأجناس الأدبية في أدب السيرة الذاتية
|
|
|
|
|
القاهرة 17 فبراير 2026 الساعة 04:09 م

بقلم: حاتم عبد الهادي السيد
يمثل أدب السيرة الروائية حيزا كبيرا في مسيرة السرد العربي، القديم والمعاصر، وما السيرة الروائية إلا جزءًا من السير الشعبية التي عرفناها مثل: سيرة الزير سالم، وحي بن يقظان، وأبو زيد الهلالي ، وعنتر بن شداد ، سيف بن ذي يزن وسيرة الأميرة ذات الهمة، وغيرها.
وتتميز السيرة الروائية بأنها تتناول السيرة الذاتية للكاتب، وسيرة المكان، والأحداث التاريخية والاجتماعية التي عاصرتها الشعوب، فهي سيرة ذاتية جمعية للأفراد والشعوب، تستلهم التاريخ والأحداث والحكايات- عبر الميثولوجيا، وتعيد إنتاجيتها من منظور معاصر. وهي تختلف بذلك عن أدب المذكرات الشخصيات، أو أدب التعليقات والشروحات السياسية والتاريخية، أو السيرة القصصية كذلك، إذ أنها تجسد حياة راوي السيرة، وتشتبك مع المعطى السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وتحيلنا إلى فيوضات السرد، وجمالياته، وهي التي أطلق عليها: "أدب السيرة الحرة"، حيث الكاتب-هنا- غير مقيد بزمكانية، أو بموضوع ما ، بل هو يتذكر ويروي، لا أن يوثق ويسجل فحسب، وبالتالي أخرجنا من مضمار الأدب التوثيقي، والتاريخي، إلى فضاءات البوح والتذكر، واستاطيقا الذات، واستبطاناتها النفسية، وتحولاتها عبر رحلة الزمن والحياة، وعلم اجتماع الأدب، لذا أصبحت سيرة روائية ذاتية، وسيرة للمكان والأحداث، والعالم والحياة.
وفي كتاب/ رواية السيرة الروائية: "هذا جناه أنا "، للمبدع والشاعر أحمد إسماعيل ما يحعلنا نلحظ الفرق بين أدب المذكرات الشخصية، والسيرة الروائية.
لقد تناول المبدع أحمد إسماعيل السيرة الذاتية من منطلقات سردية، ودرامية، متجاوزا تسلسل الزمان، وعابرا بالمكان من بورسعيد إلى القنطرة شرق، عبر الرحلة والهجرة الاختيارية للزواج والاستقرار، في مقابل الهجرة القسرية الإجبارية لوجود الحرب ومعركة الصراع المصري الإسرائيلي في حرب 1967م، وما كان من تهجير السكان والأهالي إلى مدن القناة، وإلى المدن والأقاليم المصرية، هربا من جحيم الحرب، والدمار الذي طال مدن القناة آنذاك، فكان التهجير القسري بمثابة الهروب من الرصاص، وصوت المدافع والدبابات، وأزيز الطائرات، ومناظر القتل والدماء، وتدمير المنازل، إلى الداخل المصري، وهي هجرة عكسية، تعنى التشتت، والتهجير، وتغيير الجغرافيا والديموغرافيا لهذه الطبقات الاجتماعية من الشعب المصري، وكأنهم يهربون من الموت إلى الحياة الضبابية من جديد، او إلى المجهول الاجتماعي المعيشي من جديد.
لقد صاغ مبدعنا أحمد إسماعيل حكايته، أو معزوفته، عبر تراجيديا السرد، وكأنها المعاناة عبر رحلة حياة مع المرض، والحرب، والهجرة إلى الخارج للعمل ولتوفير حياة آمنة له وزوجته في الكويت، ومرورا بالعراق ودول أخرى.
لقد عرف العرب منذ قديم الزمان- حقيقة - فن القصة، والحكاية، والحدوتة، وغير ذلك. وأدب السيرة، وتعتبر القصة التربوية، أو الحكايات التعليمية الهادفة من أهم أساليب التنشئة الاجتماعية، كما تعتبر من أقدم أساليب التسلية والإمتاع، فمنذ أن جلس البشر منذ القدم حول النار، يقصون حكايات جميلة مشوقة، من أجل الترفيه وتزجية الوقت، ولتبادل الحكم والمنفعة والخبرات، وهي وسيلتهم لتعليم الشباب والنشء والكبار، السلوك المستقيم، وهي منهاجهم -كذلك- لتقديم أنموذج القيم العربية، والإنسانية التي تساعد البشر في تقويم سلوكهم، والاستفادة من خبرات الآخرين، ونشر قيم المحبة والتسامح والعفو والسلام، والحق والخير والجمال، والتعامل مع مواقف الحياة لمجابهة متطلبات البشر، والتعامل مع الحياة، ومواقفها المختلفة.
ولقد اتخذ أ./ أحمد إسماعيل موفقا جدا في تقديم قصة طويلة، ماتعة، جمع فيها ثيمات السرد الحكائي والقصصي، وقدم أطروحته السردية متضمنة كل ما سبق، ليخرج من مجال القصة التعليمية إلى الأدب السير -ذاتي، أو السرد الروائي الذي قدم رحلة كفاح مبدع عبر سيرته الذاتية الخاصة، ولكنه كان حصيفا، فقد هرب من التصنيف عبر نظرية الأجناس الأدبية وقدم لنا: رواية، سيرة ذاتية، مذكرات خاصة، أدب الرحلة، أدب المرض والصمت والسكون، أدب المقاومة، في قالب ونسيج متداخل، عبر ثنائية السرد والشعر، وبدأ الرحلة الروائية، رحلة الكفاح المجيدة الباسلة، من أرض البسالة والمقاومة: من مدينته بورسعيد المقاومة، إلى القنطرة شرق الصامدة، ومن قبل إلى دمياط، ومدن أخرى، ثم يخرج بنا عبر سيميائية السرد من أدب السيرة الروائية إلى أدب الرحلات عبر العواصم العربية في الكويت والعراق والبلاد العربية التي زارها ليمزج، بوعي، ودون قصدية مقحمة-بين أدب الرحلة ، وأدب السيرة الذاتية، والرواية، عبر سرد لغوي رصين، وسبك متسلسل لهرمنيوطيقا السرد الذي أطاعه-طوال الوقت-بحيث يجعل القارىء لا يترك الكتاب إلا بعد أن ينتهي من آخر فصوله.
كما استطاع أحمد إسماعيل أن يمزج السرد بلغة الشعر، عبر سرد مونق، باسق وباذخ، وسامق، ويقدم النثر والسرد من باب التناغم والشعر المموسق، والسرد المتهادي كهدير يسير بجمالية، وانسيابية فوق بحر متلاطم، يعكس مسيرة حياة ممتدة، فيصف ما يتعرض له الفرد، الشباب المصري، في المهجر، من خلال تجربته الخاصة في العمل بإحدى شركات الكويت، والتى تعرف فيها إلى رجل الأعمال المصري الشهير /المهندس / محمد فريد خميس -صاحب شركات النساجون الشرقيون- وغيره من رجال الأعمال، والمهندسين، والعمال المصريين في الخارج. وفي رحلة البحث عن رغد العيش، نراه يصدم بالكثير من المشكلات في العمل، ويقوم بحلها، ولكن النجاح له أعداؤه في كل العصور والأماكن، فيعود إلى مصر ، موطنه الأجمل والأبهى من جديد.
لقد مثل : ( البحر) لدى شاعرنا وكتبنا أحمد إسماعيل عشق خاص، فهو القادم من ضفاف البحر المتوسط في بورسعيد، والعابر إلى قناة السويس التي تربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر، وعشقه للإسكندرية ليس له مثيل، ولقد رأينا ذلك منذ زواجه من "طاطا" -كما يدللها-،وهي الأديبة والروائية أ. /فاطمة البيك ، ابنة مدينة العريش التي نزحت مع عائلتها إلى القنطرة والإسماعيلية بفعل الحرب، والتهجير من جانب الصهاينة أثناء نكسة 1967م، ليلتقيان على أمواج شاطىء قناة السويس لتبدأ قصة حب خالدة، وسيرة حياة خاصة، وإبداعية من جديد.
ومع معاناة الأقدار، وتعارضاتها لديهما، إلا أننا نلمح إنسانية أحمد إسماعيل الذي رفض جرح جيرانه ليلة زواجه، فألغى الفرح، واكتفي بعمل زفة جميلة طافت القنطرة شرق، لكن الشمعدان الذي أحضره من الكويت أبى إلا أن يعكر صفو ليلة الزفاف واحترقت الستائر، وكاد العروسان أن يختنقا، إلا أنه كإنسان رقيق اصطحب زوجته في شهر عسل ممتع، وكان البحر على شاطئ الإسكندرية هو رفيقهما الجميل.
كما يعرض شاعرنا وأديبنا معاناته عبر رحلته مع المرض اللعين، ويجابهه بالصبر والكتابة وبكل قوة وعزيمة، ليقدم لنا منهاجيات " أدب المرض والسكون"، والتمرد بالإرادة والصبر، والإيمان، لينتصر على المرض، ومشاكل الحقد، وأعضاء النجاح ليعود من جديد إلى مصر، موطنه، ليعاود مسيرة الحياة مع محبوبته، ومعشوقته الجميلة بالكتاب.
إن الكتاب يعرض لتاريخ المكان في حقبة تمتد إلى ما يربو عن أربعين عاما من عمر الحياة المصرية، وهي فترة النضال الوطني، والزخم المصري الثقافي والمعرفي، وحركات النضال ومجابهة المستعمر الصهيوني الغاشم في مدن القناة وسيناء، وكانت المقاومة الشعبية بالسلاح، ومشاركة الجيش المصري الباسل في حروب التحرير، وحرب الاستنزاف، ومقاومة العدوان الثلاثي، إلى أن تحقق النصر في أكتوبر عام 1973م.
كما يعرض الكتاب للكثير من مظاهر الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تعرضت لها مصر منذ انتهاء الملكية في عصر الملك فاروق ورحيله، إلى فترة الضباط الأحرار، والقومية العربية والوحدة، وبروز مصر كقوة إقليمية عظيمة، وكدولة محورية-كما هي على مر العصور-لمجابهة الاستعمار الصهيوني الغاشم، ونصرة فلسطين ولبنان، وبنيان صرح العروبة من جديد.
سيظل كتاب/ رواية :"هذا جناه أنا" للمبدع والشاعر المصري أحمد إسماعيل من أهم كتب السيرة الروائية في الأدب المصري المعاصر، وذلك لأن الكاتب مزج فيه بين السيرة والرواية، والشعر والسرد، وأدب المقاومة، وأدب الرحلات، والقصة، والحكاية، والتاريخ والمجتمع، وذلك في كتاب واحد، جديد، وجميل، عبر سرد نثري شعري ، وعبر المدينة الفاضلة للشاعر الجميل / أحمد إسماعيل ، على أرض النضال، أرض القنطرة شرق ، وبورسعيد، والإسماعيلية، وسيناء ،والسويس، وفي كل ربوع واقاليم مصر المختلفة.
إن هذا الكتاب الروائي يؤطر لمسيرة الثقافة والحياة المصرية - منذ الستينات وإلى الآن- ويرصد حياة المصريين وتاريخهم وفكرهم، ومعيشتهم، وأحزانهم وأفراحهم،لتنطلق الأغاني الوطنية صادرة على أنغام السمسمية تغني على صوت طبول الحرب، وتنشد الحرية عبر هديل الحمائم، وطيور المحبة.. دعوا السلام ينمو في الأرض لتطير الحمائم في سلام .
|
هل لديك تعليق؟
|
الاسم : |
|
|
البريد الالكتروني : |
|
|
موضوع التعليق : |
|
|
التعليق : |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|