|
دراسات نقدية |
مـوت الأسطورة وانكشاف المواجهــة في مجموعة "أيام هنــد" لسيد الوكيل
|
|
|
|
|
القاهرة 08 سبتمبر 2026 الساعة 11:12 ص

بقلم: د. رمضان بسطاويسي محمد
(1)
تقدم هذه النصوص لسيد الوكيل رؤية مغايرة لطبيعة القـص التقليدي، حيث لا نجـد القـص تعبيرًا عن رؤى ذاتية تبحث عن المغزى والدلالة من خلال الحكي، وإنما هي نصوص أشبه بالمرايا المتجاورة (مع الاعتذار لألتوسير وجابر عصفور)... التي تعكس الرؤية الكلية العـالم، فالذات ليست سجينة أسرهـا الخـاص، وإنما هي متفتحة على العـالم تقدم لنـا ما تراه من شخوص وعلاقـات وتفاصيل صغيرة في حياة البشر، هذه الشخوص والعلاقات والتفاصيل تجسد رؤيـة أحـد أبنـاء جيـل الثمانينيات للعالم المحيط به، وكيف أنـه أصبح يعي أن الذات المبدعة هي حواس متفتحة، تكتشف، وتعكس جدلية الوعي والتـاريخ، الذات والعـالم، متخلصًا من كل ما يعوق أي نص من إسهاب وتداخلات، وإنمـا يقدم نصوصًا مكثفة، تشبه الجسد الحي الذي لا نستطيع أن نقتطع منه جزءًا، وإنمـا وحـدة عضوية بين أجزائه المختلفة.
ولذلك جاءت النصوص قصيرة غاية القصر ورغم قصرها فهي غنية برؤاهـا التي يقدمها من خلال لغـة تشف، ولا تحضر حضورًا مستقلاً. أما أنهـا تشبه المرايا المتجاورة، فهذه النصوص لها سمات عديدة منهـا أن هذه النصوص باتساع الموضوعات والشخصيات التي تتناولها لا تزعم أن أي منهـا يملك الحقيقة على نحو ما، ولكن تجاور كل الشخصيات والعلاقات والتفاصيل تساهم في تقديم رؤيه سيد الوكيل على نحو ما عبر عنـه ألتوسير حين بين أن الحقيقة هي عبارة عن مرايا متكسرة، وتقـوم الذات الفاعلة أو المبدعة بجمع شظايا الزجاج بجانب بعضها البعض.
هذا الجمع والترتيب يعكس رؤية الذات المبدعة الحقيقة، وكل منا يرتب مراياه وفق ما يرى وما يدرك وما تنفتح عليه حواسـه ولذلك فان هذه النصوص لا تعتمد على المفارقة، أو المغزى كبنـاء تشكيلي للنصوص وإنما يقدم العالم كما يراه، وفي تجـاور النصوص كما في تجاور المرايا، نستطيع أن نقرأ ونرى رؤيـة لهذا القصد الإبداعي على النحو الذي يفهمـه سيد الوكيل.
وتنقسم المجموعة القصصية إلى ثلاثة أقسام رئيسية:
أولـهـا: يقدم فيه الكاتب وجوهـا أضفى عليهـا الطـابع المقدس، نتيجة للـود الحميـم التي قـدم بـهـا الكاتب شخوصه، فجعل من هذه الشخصيات الهامشية في المجتمع المصري، نتيجة للعته الذي تعاني منه على المستوى العقلي والاجتماعي أو اللغوي، هي شخصيات تتمتع بالفردية الجميلة، ولهـا هـذا الحضـور الأخـاذ في وجدان الثقافة المصرية مثل: حنجل، ومنسى، وفـواز مطاوع ودانيال، وترزاکي، وزينهم، وهـدى كمال، وولد وحنـان.
ولم يقدم سيد الوكيل هذه الشخصيات كمرايا نجيب محفوظ، حين تكتب الشخصية عن نفسها حين تنظر لنفسها في المرآة، فتكتب على النحو الذي تدرك بـه ذاتهـا، وتتصـور بـه نفسها، وإنما يقدمهـا بشكل مختلف، لأنه يكتبها من خلال ضمير الغائب ولا يلجأ الى المونولوج الداخلي وتيار الشعور إلا نادراً، لأنه يقصـد أن المرايا التي يقدمها ليست مرايا ذاتية، وانما قطع من المرايا المتناثرة المتكسرة التي تكشف عن ملامح الواقع.
والقسم الثاني: يقدم فيه الكاتب العلاقات التي تنشأ بين قطع المرايا المتضادة والمتعاكسة، نصور لحظـات الوميض الخاطفة من خلال تشكيل بعدي. العلاقة بين الشخصيات والمكان، وبين بعضها البعض، ولذلك كان القسم الأول ضروريًا لتقديم الكيانات الإنسانية، التي يملأها الكتاب بالحب نحوها، ويجعلنا نقوم بعملية التحويل الدلالي لهم بإضفاء الطابع المقدس عليهم، حتى يصل الى حد الأسطورة.
والقسم الثالث: يقدم فيه الكاتب الاشتباك في علاقـة النـفي / السلب بين الشخصيات بعضها البعض. وبين الشخصيات وواقعها، وكأنه جدل للنفي نمى الهزيمة داخـل الأنـا بمزيد من الفعل المتشابك مع الواقع، والآخـر، ومزيد من المعرفة لإمكانات الأنـا خلال جـدل الفعـل العميق حين تتولد الحياة، وتقتضي الخروج من محارة الذات وتقليب النـار.
والأقسام الثلاثة ليست منفصلة عن بعضها، وإنما هي متداخلة في صميم تجربة الكاتب، ولكنه إجراء تصـوري لتقديم رؤى الكاتب لأن النقـد هـو إعادة ترتيب هذه النصوص على نحو يساعد في تقـديم رؤى الكاتب، فملامح الشخصيات متداخلة في القسم الثاني، والتفاصيل الصغيرة موجودة في الأقسام الثلاثة، وبنية التشكيل اللغوي الذي يعتمد على زمن الفعل المضارع هو سمة مشتركة في معظم نصـوص الكتاب.
كذلك استخدام ضمير الغائب والمتكلم يتراوحان في إيقاع جـدلي بين النصوص بحيث يكشف عن حضور الآخـر في الأنـا (ضمير الغائب) وحضور الأنـا في الآخر، فالأنا تفهم وتقرأ ملامحها من خلال الآخر، وتكشف عن نفسها في العلاقة التي تفضي بأدق التفاصيل، والموت بمستوياته المختلفة، الموت المعنوي والجسدي، وموت الرغبة وإجهاض الحُلم، والموت والماضي همـا قاسم مشترك في مجمـل النصوص، ولا يمكن فهم موضوع الموت إلا من خـلال ارتباطه بالمقـدس، وارتباطه ببنيـة الزمـان في مجمـل النصوص.
(?)
في القسم الأول من الكتاب يرتبط المـوت بالمقـدس، فنجد أن معظم الشخصيات التي قدمها الكاتب في هذا الجـزء تنتهي بالموت، والكاتب يهتم بالموت كأحد وجوه الحيـاة، وليس وجهـًا مقـابلاً لها، ففي قصة حنجـل، الذي يقـوم بلحـد المـوتى، وأصبح لـه وجـود في حياة الناس، ورغم أنـه يبـدو لهـم هامشيًا، إلا أنهم يشعرون بوجوده الضروري حين يموت، فيأتي لحـاد آخر، ليحل محله في الدور الذي كان يقـوم بـه، ولكن الفرق، أن حنجـل كان يعرف. سر الموت، وخلق ألفه مع ملائكة الموت، وقد أضفى الكاتب على حنجـل طابعـًا أسطوريًا، يقترب من حـد التقديس، رغم أنهم كانوا يخافونه، لأنـه كـان يجسد الموت على نحو حسي لديهـم وإذا كان حنجـل قـد مـات في القصة الأولى، فـإن منسي الذي يجمـع أعشاش الطيور التي تسقط من الجميزة ، يختفي ، وكأنه دلالـة أخـرى على الموت بمعنى الغياب.
أما الموت في قصة فواز، فكان الموت يبدو في صـورة التحول بمعنى غياب صورة الشخص وأن يحل محلهـا صورة أخرى، فالراوي ـ في هذه القصة يبحث عن فـواز الذي كان يلاقيه في الجيش بعد سنوات طويلة - فلم يعد فواز الذي يحتفظ بملامحه في ذاكرته ، وانما وجد انسانًا في صورة أخرى، وهـذه القصة بالإضافة الى قصص أخرى، تكشف عن الملمح الرومانسي في رؤية سيد الوكيـل للعالم، فهو يريد أن يقرأ العالم، ليس كما يبدو للحـواس، ولكن كما يريده هو في أعماق ذاكرته.
(ويمكن هنا أن أقدم استطرادًا غير نقدي عن شخصية سيد الوكيل الإنسانية كما عايشته، فهو شخصية تقترب من الفردية الجميلة كما صورها شيلر، حين صور أن الشاعر الحق هو الذي يعيش بعاطفته، فرغم ما عاناه سيد الوكيل في حياته من إحباطات ومعاناة، وإصرار على العلم، والتطوع في الجيش والخروج منه، واستكمال تعليمه وحرص على تعلم الفنـون لاسيما المسرح، بشكل منظم إلا أن الألم الذي يخفيه لم ينـل من العاطفة الجياشة التي تمتلئ بها روحه الجميلة، والحب العارم الذي يكنه للعالم، وهذه القصة تبين أن قصص سيد الوكيل، وتفجرها بالحياة والعالم هي وجه آخر مقابل لرومانسية سيد الوكيل، التي تسعى لتحقيق الحلم، إن المـوت الذي يطل بوجهه في ظل قصة من قصصه، يبين على نحو ما، كيف تسيطر الرؤية الواقعية الجدلية على أعماله، على أساس أن الموت هو جزء من الحياة وليس مقـابلا لها ، وكأنه في قصصه يقدم الوجه الآخر الذي تعجـز طبيعته الشخصية عن تقديمـه، وكأن موهبته القصصية تقدم لنا ما يعجز هو عن تقديمه من خلال معايشتنا الإنسانية له، وأعتذر عن الاستطراد غير النقدي، والذي يضع شخصية الكاتب في مقابل متضاد مع أعماله القصصية. فالمفروض ألا نعود الى الكاتب لكي نفهم أعمـاله).
أما في قصة (ترزاكي) فنلتقي بصورة أخرى للموت. بمعنى العدوان على الآخر، لكي تستمر حيـاة الأنـا، فالقصة ترصد قتل ترزاكي للمرأة الإنجليزية التي لا تعرف لنهمها حدًا، في خط متواز مع موت العمارة الجميلة في القبـح السائد للغابة من الأسمنت التي نعيش فيهـا، شخصية ترزاكي تنبع أهميتها لدى الراوي، من كونه يسكن أجمل بيت في باب الخلق، وحين يراه، ويرى علامات الموت تزحف على البيت، مثلما يرى الموت يزحف على صاحبه، الذي مات منذ زمن طويل، ويبحث عن الموت الفيزيقي.
وقصة (زينهم) وقصة (فتح النوافذ) هما ... بالإضافة إلى قصص أخـرى في المجموعة ـ تعبر عن ملمح مهم من ملامح الكاتب الأساسية، وهي شغفه بتصوير تفجـر الحيـاة وتفتح الحواس والرغبة، وهو حين ينقـل تفتح الحيـاة ينقلهـا باهتمام وشغف وود حميم، مثلما هو شغوف بالموت، وإن كانت مساحة الموت تمثل رقعة أكبر في رؤيته العامة من المساحة التي تحتلها القصص التي تولع بتفتح الحياة، ولا يقتصر تفتح الحياة على الإنسـان فقط، وإنما يمتد إلى الحيوان، الذي يبدو وكأنه إنسان آخر، أو يضفي عليه الكاتب طابعًا إنسانيًا، هـذا ما نجده في قصة (زينهـم)، فالقصة تدور حول بداية يوم جديد لزينهم وحصانه، ويقدم طقوس الصباح لدى كل منهم، وتصحو حواس زينهم، ويبدأ يومه الحقيقي حين يرى لواحـظ وجسمها الرجـراج.
وفي قصة (ولد) يصور نهاية اليوم بالشغف نفسه الذي يصـور بـه تفتح الحيـاة في الصباح، حين يأتي الرجل من الخارج، وتشتكي الزوجة من الولد، وتعد العشاء فتختلط رائحة الجوافة مع الشاي مع الطبيخ المغـلي.
ويلجـأ القـاص إلى الصورة الشعرية ليعبر بها عن احتفائه بالحيـاة، فيقول في قصة «وجـه حنان المحترق» "من فوق الشوارع والبيوت، بصت الشمس بعينيها، بصة امرأة لا تخـاف ولا تختشي، وفردت جسمها المفضوح بلا حياء، انتشى الشارع كعادته بحركة الخلائق»
(?)
في القسم الثاني من المجموعة القصصية، نلتقي بقصص تكشف عن العلاقة بين الشخصية الرئيسية وغيره من الموضوعات، وهـذا القسـم فـيـه مسحة من التاريخ الشخصي للطفولة، وأعتاب المراهقة كما في قصة "فتح النوافذ"، وفي قصته الجميلة "أيام هنـد" التي أطلق اسمها على المجموعة، يضفي الكاتب على ذكريات الطفولة طابعًا أسطوريًا، فنشعر معه بالأشياء والأماكن والأزمنة على نحو يجعلها مجللة بالدهشة والود، ولكن في قصة دائرة الصبار يطـل المـوت من جديد بوصفه موضوعًا يحتوي الوجـود، ولكن العصافير تؤكد أن الموت يصلح أن يكون موضوعًا للحياة ، فالرجل الذي يحضر مراسم الدفن، تتعلق عيناه بالعصافير، التي تسعى للحياة.
أما قصة نظرية الاحتمالات فهي تكشف الطبيعة العقلية التي يفكر بها الرجـل الكهـل حين تموت الأسطورة، تنكشف المواجهة بينه وبين المواقع من خلال استخدام نظرية الاحتمالات في إمكانية الحمـل، ولكن لا يلبث الكاتب الذي يحتفي بالأسطورة وإضفاء الطابع المقدس على الشخصيات والزمان والمكان أن يتراجع عن نظرية الاحتمالات ليقدم لنا في قصة «احتفال» فانتازيا. فالرجل الذي تدعـوه المرأة للاحتفال بعيد ميلاده يكتشف أنه لا يعرف يوم مولده، فيبدأ رحلة البحث في الملفات القديمة عن تاريخ ميلاده، والبحث أيضًا عن اسمه الصحيح كمـا هـو مدون في شهادة الميلاد، بعد أن ضاعت منه ملامحه وأسمه، وتاريخ ميلاده في زحمة الحياة الحديثة التي تبتلع كل شيء، ويموت فيها الانسان معنويًا، ويفقد كل شيء حتى أسمه وتاريخه الخاص، ولذلك حين أراد أن يستريح على مقهى، أدرك أنه ليس وحده الذي نسى اسمه وتاريخ ميلاده، وإنمـا كثيرون ممن فقدوا أسطورة الطفولة، ففقدوا معهـا كل تمايز وخصوصية، ويصير المرء عاريًا من تاريخه الخـاص وتنكشف مواجهته مع الواقـع وهو أعـزل، لا يملك أي سلاح يواجـه بـه ذاته وواقعه فيعود من جديد إلى جذوره القديمة في القرية، باستغراب ويحمل معه إحساس المدينة القلق المغترب عن بلدته التي أنبتته، فيبحث عن نفسه، وعن اسمه في الآخرين الذين يعرفونه، فيذهب إلى القابلة، فيجدها ماتت، مثلما ماتت ذكرياته، وحين يعود إلى زوجته، لا تعرفه، لأنه أصبح لا ينتمي للماضي أو الحاضر وإنما هو ضائع بينهما، وهـو مشغول بهذا الغياب التام الذي أصابه، فيلجأ إلى لعبة «في انتظـار جـودو»، لعله يحضر ماضيه، أو حاضره، والكاتب يصور هذا في صـورة فانتازيا محكمة.
أما في قصة «كارتون» ففيهـا يكشف سيد الوكيل عن «موت الأسطورة» أسطورة ذكريات الطفولة، لتحـل محلهـا ـ لدى الطفل المعاصر ـ أسطورة التليفزيون، فإذا كان الطفل كمـا في القسم الأول وفي أيام هنـد يتذكـر الأب والأم، وبنت الجيران، وطقوس شهر رمضان، فإن التليفزيون يخلق أسطورة غير حية من شخصيات الكارتون التي تتحرك على الشاشة، دون فاعلية من الطفل، والقصة تكشف عن انتقـاد الطفل في عالمنا المعاصر للعلاقة الحية، التي تتشكل من خلالها شخصيته ليحل محلها شخصيات خرافية، ليس لهـا هـذا الحضور الحي، فيتعلم الطفل «الفرجـة» دون المشاركة، وأصبح الآباء يفتحون التليفزيون للأبناء لكي يتخلصوا من إلحاحهم، وهم بذلك يدمرونهم عن طريق الأسطورة الجديدة التي يقدمها التليفزيون، وهذا يجسد موت الأسطورة القديمة، وحل محلهـا أسطورة جديدة صـماء تتحرك بأضواء مبهرة على شاشة صغيرة، فمساحة العالم والأسطورة أصبحت محـدودة، بعدما كانت ممتدة مساحة البيت كله والسطح والشـارع والمدرسة والنهر، والأسطورة المعاصرة تفقد الإنسان المعاصر القـدرة على الحلم الممكن، ويصبح الإنسان يحلم أحلامًا كابوسية مستحيلة. تقضى على البقية الباقية من إنسانيته لأن الأحـلام الجديدة المستمدة من أسطورة التليفزيون، هي أحـلام من البلاستيك وليست أحلامًا حية تتشكل مع تنامي الجسد والوعي والحلم أيضـًـا ...
ففي «أيام هند» يبدو الطفل شغوفًا بشريط المصور الدوار في صندوق الدنيا، ويحلم أن يكون له صندوقه الخاص الذي يصنعه بنفسه، ويشارك فيه هند، ولكن هذا الحلم أصبح مستحيلاً أمام صندوق من نوع آخر "التليفزيون" في قصة كارتون، وحين يصبح الحلم مستحيلاً فـان المشاركة تنعدم ويصبح الفرد عرضة للاستلاب خلال آلات صلبة وباردة.
(4)
إن ترتيب القصص في هذه المجموعة يجعلها تبدو كأنها رواية تكشف عن تطور الحلم من الطفولة حتى الكهولة، وهي تقدم في صورة تقابل بين القرية والمدينة، بين الهروب إلى الفجـر على أطراف المدينة، وبين السجن في المدينة، لأن القسم الثالث، يقدم لحظات مكثفة وجـد قصيرة، تكشف عن التفتت والتمزق الذي أصاب الإنسان في حياته المعاصرة، ورغم دقـة ورهافة اللحظات الحميمة التي يقدمها الكاتب في قسمه الثالث، الا أنها تبقى مفعمة بالقلق والتوتر وعدم التواصل، وتشعر الشخصيات ببـرد الوحدة المعنوي، وانفصالها عن الآخرين، ويتقلص دور الذات المشاركة في الفعل، إلى الذات التي ترقب ما يحدث في العالم من وراء الزجاج، لتؤكد انفصالها عن العالم الواقعي.
فقصص القسم الثالث هي وصف كحركة الفعل لدى الآخرين، وحين يهم بالعبور اإى العالم من جديد يكتشف أنه يحتاج إلى عون كبير من الآخـر، لكي يعبر المسـافة - التي صنعتها الأسطورة الجديدة، وماتت مع مـوت الأسطورة القديمة ـ التي بينه وبين العـالم والآخرين ومواجهة الأسطورة الجديدة تعني تقليب النـار، والاكتـواء بنارها الحارقة، وذلك يكـون بخلق أفق جديد للحياة، والخروج من صـورة الحيـاة التي يلح المجتمـع على غرسها فينـا.
هذه المجموعة القصصية هي عمل إبداعي موهـوب. يكشف عن تطور الوعي بالأسطورة التي تعيش داخلنـا، وكيف تموت هذه الأسطورة بفعل التليفزيون، وموت الأسطورة معناه انكشاف المواجهـة بين الإنسـان والعالم، دون أن يتسلح بأي قيمة في مواجهتها. وهي مجموعة ذات طابع خاص، تؤكد وجـود كـاتب جيد لم تلتفت إليه الحيـاة الأدبية.
|
هل لديك تعليق؟
|
الاسم : |
|
|
البريد الالكتروني : |
|
|
موضوع التعليق : |
|
|
التعليق : |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|