|
حوارات ومواجهات |
من السبورة إلى المنصات.. د. أيمن دراوشة يفك ميكانيكا الكتابة في حوار خاص لمصر المحروسة
|
|
|
|
|
القاهرة 07 يوليو 2026 الساعة 11:08 ص

حاوره: مصطفى علي عمار
من على سبورة مدرسة ابتدائية في الزرقاء عام 1998، إلى منصات المؤتمرات الدولية في لندن والدوحة، قطع الناقد والكاتب الأردني أيمن دراوشة رحلة استثنائية جمع فيها بين "صناعة الوعي" في الفصل الدراسي و"هندسة المعنى" على الورق.
على مدى 25 عاماً في التعليم، وثلاثة عقود من التأليف، أصدر دراوشة 10 مؤلفات أكاديمية، وروايات وقصصاً وشعراً ومسرحاً، تُرجمت أعماله إلى 5 لغات. وحصد جوائز من رابطة الكتاب الأردنيين، وجائزة ناجي نعمان للشعر، وجائزة راشد بن حميد للنقد، وصولاً إلى جائزة أفضل بحث علمي عن الاحتياجات الخاصة في قطر عام 2024.
لكن الأهم من الأرقام، أن دراوشة ظل مخلصاً لفكرته التي يعلنها في هذا الحوار: "المعلم لا ينفصل عن الكاتب". فمن الزرقاء إلى الدوحة، حوّل الاغتراب إلى "مختبر رؤية"، وجعل من صعوبات التعلم جسراً للموهبة، ومن النقد "ضابطاً" لتلقائية الإبداع.
في هذا الحوار الموسع يتحدث دراوشة عن سر التوفيق بين التدريس والتأليف، ورؤيته لتفتت العمالقة في المشهد الثقافي العربي، وسبب اعتباره للنقد "أقرب إلى قلبه من الشعر"، وعن مشروعه الجديد في تشومسكي وأدب الطفل.
-
بدأت مسيرتك معلمًا في المرحلة الابتدائية والإعدادية لمدة خمس وعشرين سنة، وفي الوقت نفسه كاتبًا وناقدًا ومؤلفًا أكاديميًا. كيف تمكنت من التوفيق بين متطلبات الفصل الدراسي والبحث والتأليف؟
السر يكمن في "وحدة التجربة"؛ فالمعلم لا ينفصل عن الكاتب. لقد كنت أستقي مادتي الأدبية من عيون طلابي، وأطبق نظرياتي التربوية في فصلي. كان الوقت مقسَّمًا بصرامة، لكنه موحد بالهدف: صناعة الوعي.
-
انتقلت من مسقط رأسك في الزرقاء عام 1968 إلى الإقامة الدائمة في الدوحة. ما أثر الاغتراب في رؤيتك الأدبية والتربوية؟
الاغتراب هو "مختبر الرؤية". مسقط رأسي مدينة الزرقاء التي تبعد عن عمان 12 كيلو متر منحتني جذور الواقع والخشونة التي تصقل الأديب، والدوحة منحتني فضاء الاستقرار والاتصال بالعالم. الغربة لم تكن ابتعادًا، بل اتساعًا في زاوية الرؤية؛ أصبحت أرى من الخارج والداخل في آن واحد.
-
تمتلك إنتاجًا متنوعًا يشمل القصة القصيرة والرواية والشعر الفصيح والعامي والمسرح وأدب الطفل والدراسات الأكاديمية. ما الدافع وراء هذا التنوع؟ وأي الأجناس الأدبية تشعر أنه أقرب إلى ذاتك؟
التنوع ليس تشتتًا كما يظن البعض، بل هو "محاولة للإحاطة بالمعنى والتجديد المستمر"، لا أضع نفسي في قالب واحد؛ حتى القالب الواحد أجدد به ولا أكرر نفسي، بالنسبة للمسرح فيحتاج للحوار، والشعر للموسيقى والقضية والبلاغة، والنقد للمنطق، والقصة والرواية للموازنة بين السرد والحوار بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر، وأدب الطفل فيحتاج إلى العودة إلى طفولتنا لا بعمرنا الحالي، والدراسات الأكاديمية إلى الصَّبر والنفس الطويل والدقة في البحث.
أمَّا أقرب الأجناس لذاتي فهو "الأدب الوجيز بمختلف أجناسه"، ذلك أنه يتسع لكل هذه الهويات في آن واحد، ولسهولة التحكم فيما ينتابه من تجديد وتقنيات وتحديث.
-
انتقلت من كتابة السرد إلى النقد واللسانيات في كتب مثل "الحب والتمرد في السرد الروائي العربي" و"النظرية التوليدية التحويلية لتشومسكي". ما الذي جذبك إلى الدرس النقدي واللساني بعد التجربة السردية؟
بعد سنوات من السرد، شعرت بالحاجة إلى "تفكيك البناء". السرد يكتب الحياة، والنقد يكشف عن ميكانيكا كتابتها. الانجذاب للنظرية التوليدية كان رغبة في فهم "الجوهر الكلي" للغة، بعيدًا عن الانطباعية.
-
كيف توازن بين هويتك ناقدًا وهويتك كاتبًا مبدعًا في الوقت نفسه؟ وهل يتعارض النقد مع التلقائية في الكتابة الإبداعية؟
لا أرى تعارضًا؛ فالناقد هو" قارئ يقظ"، والكاتب هو "ناقد لنفسه". الكتابة الإبداعية هي الانفجار، والنقد هو هندسة هذا الانفجار.
النقد هو "عملية تبريد" للمشاعر الملتهبة في الإبداع. لا يتعارض النقد مع التلقائية؛ بل هو "ضابط لها". أنا أكتب بتلقائية كاملة، ثم يأتي الناقد بداخلي لاحقًا ليقوم بعملية الفرز والتشذيب. هي علاقة تكاملية: الإبداع يحتاج لجنون الناقد، والناقد يحتاج لجنون المبدع.
-
لديك عشرة مؤلفات أكاديمية منها "صعوبات التعلم والتربية الخاصة" وكتابان جديدان عام 2025. بعد خمس وعشرين سنة في التدريس، ما أبرز الأخطاء التي يقع فيها المربون عند التعامل مع ذوي صعوبات التعلم؟
أكبر خطأ هو "التعميم". المربون يتعاملون مع صعوبات التعلم كنمط واحد، بينما هي "بصمات ذهنية" مختلفة. الأولوية يجب أن تكون لاكتشاف الموهبة المخبأة خلف الصعوبة، لا علاج الصعوبة فقط.
-
حصلت على جائزة أفضل بحث علمي عن الاحتياجات الخاصة في قطر عام 2024، ولك اهتمام واضح بهذه الفئة من خلال الأفلام والمناهج. ما الرسالة التي تسعى لإيصالها من خلال أعمالك الموجهة لذوي الاحتياجات الخاصة؟
رسالتي هي "الإنسانية". لا أريد أن يتعاطف المجتمع معهم، بل أن يدمجهم كعناصر فاعلة. أعمالي هي جسور تواصل، أو فلنقل: إن الاختلاف هو إثراء للنسيج البشري، وليس عجزًا.
-
بصفتك ناقدًا، كيف ترى المشهد الثقافي والإبداعي العربي المعاصر؟ وهل ترى حالياً وجود كتاب كبار يضاهون جيل العمالقة الماضي في مختلف المجالات الأدبية؟
نحن نعيش عصر "تفتت العمالقة". لم نعد أمام قامة واحدة تسيطر على المشهد، بل أمام "تعددية ديمقراطية" في الإبداع. هناك أسماء كبيرة، لكن ضجيج العصر الرقمي يغطي على قاماتهم، إضافة إلى ظهور المخترع العجيب المدمِّر للإبداع " الذكاء الاصطناعي".
-
برأيك هل هناك تهميش للمبدعين العرب في بلدانهم؟ وما سر تهميش الأدباء والمثقفين في الوطن العربي مقارنة بالبلد العربي الأول الذي يهتم بالثقافة والمثقفين؟
التهميش ظاهرة بنيوية تتعلق بغياب "الصناعة الثقافية". الثقافة في كثير من الدول العربية لا تزال "نشاطاً ترفيهيًا" لا "أمنًا قوميًا". الفرق بين بلد وآخر يكمن في اعتبار الثقافة أداة استراتيجية للمستقبل.
-
بمَ تفسِّر، ومن غير حرج، احتياج كثير من الكتاب العرب إلى تدقيق وتصحيح كتبهم؟
هذا مؤشر على تراجع "حرفة الكتابة". لقد استسهل البعض النشر قبل النضج اللغوي والمعرفي. الكتابة ليست مجرد أفكار، بل هي هندسة لغوية، ومن لا يمتلك ناصية التدقيق لا يمتلك ناصية التعبير.
-
لو التقى بك أحد طلابك في الزرقاء عام 1998 ورآك اليوم في الدوحة عام 2026، ماذا ستقول له عن رحلتك من السبورة إلى المنصات والمؤتمرات الدولية؟
سأقول له: "يا بني، السبورة التي كنت أكتب عليها كانت هي النواة؛ لأنها علمتني كيف أوصل الفكرة لأبسط عقول البشر. الرحلة من السبورة إلى المنصات لم تكن صعودًا في المكان، بل صعودًا في عمق الفهم. لا يهم أين تقف، بل يهم كم من الحقيقة استطعت أن تحملها معك في حقيبتك".
-
صدرت مجموعتك القصصيَّة الأولى "حين يهبط الليل" عام 2007 وترجمت إلى الإنجليزية. هل ما زلت تتذكر أول نص كتبته فيها؟ ولماذا اخترت الليل عنواناً؟
• أول نص: لا يزال عالقًا في ذاكرتي؛ كان نصَّا بعنوان "انتظار"، حاولت فيه رصد لحظة الترقب التي تسبق الانكسار أو الأمل، وهو نص يعكس حالة من القلق الوجودي الذي كان يسيطر عليّ في تلك الفترة.
• لماذا الليل؟ اخترت "الليل" لأنه المساحة التي يتجلى فيها صدق الإنسان، حيث تسقط الأقنعة النهارية، وتتضح الرؤى الداخلية. الليل هو مستودع الأسرار ومسرح التأمل، وهو العنوان الذي أردت به أن أقول إن القصص هي استنطاق لما نخبئه تحت غطاء النهار.
-
حصلت على الجائزة الأولى من رابطة الكتاب الأردنيين في أدب الأطفال عام 1996، ولديك سلسلة قصصية للأطفال عام 2015 وأعمال مسرحية وغنائية مشتركة. ما رأيك في واقع أدب الطفل العربي اليوم؟
أرى أننا لا نزال نراوح بين "الوعظ المباشر" وبين "التقليد الغربي". أدب الطفل اليوم يفتقر إلى المغامرة الفنية. نحن نحتاج إلى نصوص تحترم ذكاء الطفل وتخاطب خياله بعيدًا عن تلقينه القيم بشكل مباشر، فالطفل اليوم ذكي رقميًا، وإذا لم نكن بمستوى دهشته، سيهجرنا إلى الوسائط الأخرى.
-
ما الصعوبات التي واجهت مسيرتك الأدبية منذ بدايتك في الزرقاء وحتى اليوم في الدوحة؟ وكيف تغلبت عليها؟
كانت الصعوبة الأكبر هي "التوفيق بين صخب الفصل الدراسي وهدوء الكتابة". في الزرقاء، كانت الظروف المادية والبيئة الثقافية ضيقة، فتغلبت عليها بالقراءة النهمة وتكوين "مكتبة صغيرة" في عقلي قبل بيتي. أما في الدوحة، فكان التحدي هو الحفاظ على "نبرة الذات" وسط ثراء الانفتاح الثقافي، وتغلبت عليها بالثبات على مشروعي الشخصي.
-
يحمل كتابك "إحداثيات الزمن في اللغة العربية" بعدًا فلسفيًا في عنوانه. كيف يتجلى مفهوم الزمن داخل بنية اللغة العربية؟
في كتابي "إحداثيات الزمن"، أطرح رؤية ترى أن الزمن ليس مجرد "أداة نحوية"، بل هو "بنية شعورية". اللغة العربية لا تتعامل مع الزمن كخط مستقيم، بل كمتوالية من الأبعاد المرتبطة بالفعل والذات. الزمن في عربيتنا يتجلى من خلال التصريف الذي يربط الفعل ليس فقط بالوقت، بل بعمق التجربة الإنسانية.
-
نلت جائزة ناجي نعمان الأدبية في الشعر عام 2006، وجائزة راشد بن حميد في النقد الأدبي عام 2011. أيهما كان أقرب إلى قلبك؟ ولماذا؟
جائزة النقد (راشد بن حميد) أقرب إلى قلبي؛ لأنها كانت اعترافًا بجهد عقلي مضنٍ وتعب فكري طويل، بينما الشعر هو "هبة" أو "حالة وجدانية". النقد هو البناء الذي تعبت في حجره، لذا فهو أقرب للذات التي صنعت طريقها بالعقل.
-
أنت ضيف أسبوعي في البرنامج السياسي الاجتماعي "اتجاهات" بإذاعة قطر. كيف تفصل بين دورك كمربٍ وناقد ودورك كمعلق سياسي أثناء ظهورك الإعلامي؟
أنا لا أفصل بينهما، بل "أوجههما". كمربٍ، أبحث عن الحقيقة والموضوعية، وكمعلق سياسي أطبق هذه المنهجية. أدوات الناقد (التحليل، التفكيك، الرؤية) تساعدني في قراءة المشهد السياسي دون الانجرار وراء العواطف الشعبوية.
-
تُرجمت أعمالك إلى الإنجليزية والفرنسية، واليابانية، والإيطالية، والهندية. أي الترجمة فاجأتك أكثر؟ وهل نجح المترجم في نقل روح النص العربي؟
فاجأتني الترجمة إلى اليابانية؛ لأن اللغة اليابانية تمتلك بنية فلسفية بعيدة عن العربية، ونجاح المترجم في نقل "الروح" وليس "الحرف" كان مدهشًا. المترجمون المبدعون هم الذين يعيدون كتابة النص بلغة أخرى، لا الذين ينقلونه نقلًا آليًا.
-
لديك كتابان تحت الطباعة هما "النظرية التوليدية التحويلية لتشومسكي" و"نشيد للأطفال متعدد الأهداف والقيم". هل يمكن أن تقدم للقارئ لمحة عن محتوى كل منهما؟
• "النظرية التوليدية لتشومسكي": هو قراءة مبسطة ومعمقة في الوقت نفسه للبنية العميقة للغة، موجه للطلاب والباحثين.
• "نشيد للأطفال": هو رحلة غنائية تربوية، يمزج بين الإيقاع الموسيقي والقيم المعرفية، بعيدًا عن أسلوب "الدرس الخشبي".
-
قدمت عملاً غنائياً أخيراً بعنوان "الوردة الحمراء" بث في إذاعة قطر. ما الفرق بين كتابة الشعر وكتابة النص الغنائي؟ وما الذي يجعل الكلمات قابلة للتلحين؟
الفرق جوهري؛ فالشعر يتجه للعين والذهن، والنص الغنائي يتجه للأذن والروح. ما يجعل الكلمات قابلة للتلحين هو "الإيقاع الداخلي" وحروف المد التي تسمح للملحن بأن "يمط" الكلمة أو يختصرها، بالإضافة إلى البساطة العاطفية التي تلامس الوجدان.
-
من الذي شجعك على النقد؟ وكيف اكتشفت أنك ناقد؟ وهل هناك معلم لغة عربية أو ناقد أثّر فيك أو وجهك في بداياتك؟
اكتشفت الناقد في داخلي حين بدأت أقرأ أعمالي بعيون الآخرين. أثّر فيَّ أستاذ اللغة العربية في بداياتي الذي علمني أنَّ "القراءة ليست استهلاكاً، بل استجوابًا". لم يكن هناك ناقد واحد، بل كانت المدرسة النقدية العربية بأكملها، من العقاد إلى طه حسين، هي بوصلتي.
-
على رغم من أنك كاتب وناقد لك اسم معروف في العالم العربي، إلا أن إصداراتك في النقد قليلة. لماذا؟
لأنني أؤمن بأن "النقد مسؤولية". لا أكتب نقدًا إلا إذا كان لدي شيء حقيقي لأضيفه. أفضِّل أن يكون لي كتاب نقدي واحد يفتح أفقًا، على عشرة كتب تكرر ما قيل.
-
ما الكتاب الذي قرأته وأعجبك وشعرت أنه أضاف إلى المكتبة العربية في عصرنا هذا، وتمنيت لو أنك كتبته؟
كتاب "فصول في الأدب والنقد" لطه حسين؛ لأنه وضع الأساس لمفهوم الحداثة النقدية في عصرنا، وتمنيت لو كان لي هذا السبق في التأسيس.
-
متى نستطيع أن نقول إن الأدب العربي كان له تأثير على أجيال العرب بالإيجاب؟
حين يتحول الأدب من "مادة للقراءة" إلى "مادة للحياة"؛ حين نرى المبدع العربي مؤثرًا في صياغة قرارات المجتمع، وحين يجد القارئ العربي في نصوصنا إجابات على أسئلة وجوده المعاصرة. نحن نؤثر بالإيجاب حين نكون "مرآة للواقع" و"ضميراً للمستقبل".
في الختام:
إنَّ مسيرة خمس وعشرين عامًا في التعليم، متبوعة بعقود من التأليف، ليست مجرد سير ذاتية، بل هي "شهادة على عصر". ما أطمح إليه دائمًا هو أن أظل ذلك المعلم الذي يكتب، والكاتب الذي لا ينسى أن وظيفته الأولى ه
|
هل لديك تعليق؟
|
الاسم : |
|
|
البريد الالكتروني : |
|
|
موضوع التعليق : |
|
|
التعليق : |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|