|
حوارات ومواجهات |
عمار علي حسن: حكاياتنا الخرافية كنز أدبي ثري وعجيب
|
|
|
|
|
القاهرة 19 مايو 2026 الساعة 01:02 م

حوار: حسين عبد الرحيم
د. عمار علي حسن في حوار خاص لمحلة "مصر المحروسة" بعد صدور مجموعته القصصية الأحدث " الأرانب الحجرية.. سبعين حكاية خرافية"
أصدر عمار علي حسن مؤخرًا كتابه القصصي "الأرانب الحجرية .. 70 حكاية خرافية" عن "الدار المصرية اللبنانية" بالقاهرة في 460 صفحة من القطع فوق المتوسط، جمع فيه هذه الحكايات المتداولة في قريته وما حولها، وأعاد صياغتها بأسلوبه، ليسد نقصًا في هذه الناحية الأدبية المصرية والعربية، وهي مسألة عرفتها الآداب العالمية. التقيناه لنجري معه هذا الحوار حول هذا العمل الذي ينتمي إلى السرديات عابرة الأنواع، والذي سبق له إصدار عدة أعمال فيها تضاف إلى رواياته ومجموعات القصصية، ودواوينه الشعرية.
يقول عنها:
أنا أؤمن بأن المخيلة الشعبية المصرية ثرية جدًا، لقدم بلادنا، واختلاط أهلنا بمختلف الثقافات الإنسانية على مدار التاريخ، أكثر من أي مكان آخر على سطح الأرض. وكنت أحزن حين أجد بعض الأدباء يستعيرون بقايا حكايات من واقعية أمريكا اللاتينية السحرية.
جمعت من قريتي وقرى مجاورة لها، ومما كان محفورًا في ذاكرتي من أيام الطفولة، سبعين حكاية خرافية عرفت منها ومعها أن هناك واقعية سحرية مبهرة يتداولها أهل مصر على مدار قرون من الزمن.
-
لماذا فكرت في جمع هذه الحكايات الآن؟
سحرتني الحكايات الشعبية، ومنها الخرافية، وكنت أحزن حين أقرأ في كتب من يجمعون الموروث الشعبي عن شكواهم من غياب حكايات وطقوس وألعاب شعبية ظلت تمارس لقرون طويلة في مجتمعنا. أنا أؤمن بأن المخيلة الشعبية المصرية ثرية جدًا، لقدم بلادنا، واختلاط أهلنا بمختلف الثقافات الإنسانية على مدار التاريخ، أكثر من أي مكان آخر على سطح الأرض. وكنت أحزن حين أجد بعض الأدباء يستعيرون بقايا حكايات من واقعية أمريكا اللاتينية السحرية، مع أنها مستعارة من عندنا، كما يعترف أباؤها هناك، فيما يتحدث الغرب في رؤياه الاستشراقية عن "سحر الشرق" و"عجائبيته" و"غرائبيته" و"روحانيته".
وقد لفت انتباهي جيدًا أن حكاياتنا الخرافية لم تأخذ ما تستحق من عناية في آدابنا، وإن اهتم بها جامعو التراث، ودارسو الأنثربولوجيا، فهم يسجلونها كما سمعوها، دون زيادة أو نقصان. وقد جمعت من قريتي وقرى مجاورة لها، ومما كان محفورًا في ذاكرتي من أيام الطفولة، سبعين حكاية خرافية عرفت منها ومعها أن هناك واقعية سحرية مبهرة يتداولها أهل مصر على مدار قرون من الزمن.
لم أنس الحكايات الهائمة التي كانت تُسرد على مسامعنا في الصغر. بعضها كان يخيفنا، وبعضها كان يسلينا، وكلها كانت تلهب خيالنا الغض، فينطلق مجنحًا، وتُشحذ الذاكرة بصور ومشاهد وعبارات ومجازات، وينطلق الذهن مراوحًا بين التوسمات والتوهمات، وينتقل بنا من الإيهام والإلهام إلى الإفهام، فيتسع عالمنا، حتى لو كان اتساعه هذا من صنع الخيال.
-
وما أهمية الحكايات الخرافية سواء بالنسبة للأدب أو فهم روح الجماعة البشرية؟
تعد الحكايات الخرافية لونًا من الأدب السردي القصير المنتمي إلى عالم الوهم، حيث الشخصيات الخيالية والأفعال الخارقة، والذي يتم تداوله شفاهة، ويرسو في القيعان الاجتماعية البعيدة، وقد يصير مع الزمن نمطًا من الأعمال الكلاسيكية، التي تتفاعل وتتشاكل وتنتقل بين الثقافات الإنسانية، لتصبح مصدرًا ثريًا للمعرفة والحكمة والتجربة، ومخزنًا لإنتاج القيم الاجتماعية، وأحد روافد الأدب الذي تبدعه النخبة من قصص وروايات حين تستلهم الخرافات، وتعيد إنتاجها وفق صيغ جديدة، أو تقوم بتبيئتها كي تنصهر في الثقافة المحلية، وربما يتطلب هذا تخليص الحكاية الخرافية مما تنطوي عليه من عنف، أو ما تدعو إليه من علاقات غير مستساغة لأعراف أو تقاليد ما، بحثًا عن تحويلها إلى شيء مفيد.
-
هل هناك سبب مباشر جعلك تهتم بكتابة هذه الحكايات الخرافية؟
هي ملهمة أدبيا بالطبع، ومهملة في الغالب، ومغرية لي ضمن مسار الواقعية السحرية الذي ظهر في بعض رواياتي، كما وجدت هذه الحكايات تتراجع عند الجيل المعاصر في قريتي، الذي وجد التسلية والتسرية في الدراما التلفزيونية، والأفلام السينمائية، ومختلف وسائل التواصل الاجتماعي، وكأن الحكايات عن العوالم الخفية لديه كانت مرتبطة بالليالي المظلمة في قرية ما قبل الكهرباء، ولم يعد الآن من يحكيها حتى لو كانت محض اختلاق.
ويؤدي هذا تباعًا إلى تراجع حضور، وربما اختفاء، الحكايات الخرافية مستقبلًا، مثلما اختفت الكثير من الألعاب الشعبية، والأنواع المسرحية البسيطة، وبعض الطقوس المتوارثة، والسير الملحمية التي كانت تُحكى في الأفراح والموالد، ومعها الكثير من الأغاني الشعبية والمواويل.
الجيل الجديد منجذب إلى مصادر أخرى للمعرفة، وإنتاج القيم، لكن ليس مستحيلا أن نجعله يتفاعل مع الموروث الشعبي إن قدمناه في الأشكال التي يميل لها هذا الجيل، مثل الدراما التلفزيونية والأفلام السينمائية وحكايات على يوتيوب وعبر الكوميكس، والنشر المتواصل للحكم والأمثال الشعبية على مواقع التواصل الاجتماعي.
وربما تكون العودة إلى الحكايات الشفاهية المتداولة، الراسية في القيعان البعيدة لمجتمعاتنا، والغارقة في الحكائية المحلية، طريقًا للحفاظ على أصالة ما في وجه الذكاء الاصطناعي، أو اكتشاف جوهر مردوم تحت غبار كثيف من الإهمال والغفلة والاستسهال، أو التعمية المتعمدة عليه بدعوى عدم علميته أو جرحه لتصورات دينية، فهذان السببان لا يمكنهما منع الأدب من أن يمد يده لالتقاط هذه الجواهر المطمورة، وإعادة تقديمها وفق تقنية سردية معاصرة، تنقلها من الشفاهية إلى الكتابية، وقد تصبح في نهاية المطاف، في نظر البعض، مجرد رواية ضمن روايات قابلة للاستعادة بأشكال أخرى.
-
ما الطريقة التي اتبعتها حتى تنجز هذا الكتاب القصصي أو الحكائي المختلف؟
جمعت تلك الحكايات من أفواه الناس في قريتي وقرى مجاورة لها، وأعدت صياغتها في قالب سردي مختلف، دون الجور على جانب من شفاهيتها وبراءتها عملًا لازمًا لنا، وخصوصًا في معرض تعزيز الواقعية السحرية النابتة في رحاب مجتمعنا، وهي مسألة انشعلت بها في العديد من رواياتي وقصصي كما سبقت الإشارة.
أقدم في هذا الكتاب السردي سبعين حكاية عن عوالم خفية، لعل القارئ يكتشف بها ومعها ثراء مخيلة أهلنا الذين تناسلت على ألسنتهم الحكايات العجيبة الغريبة على مدار آلاف السنين، ويكتشف في ركابها قدرة جيلنا على الاستفادة منها، وتقديمها سفرًا من أسفار عجائبيتنا وغرائبيتنا الساحرة، وهو أمر مطلوب ومرغوب.
-
ما الفرق بين ما كتبت وما سجله بعض الأنثربولوجيين ودارسي الموروث الشعبي من هذه الحكايات؟
الفارق الواضح هو الأسلوب، إذ لم أكتف بما يفعله باحث في الأنثربولوجي أو الاجتماع أو الدراسات الشعبية من جمع المتداول شفهيًا من هذه الحكايات، والقيام بتحليلها وفق النقاط التي يحويها افتراض يضعه عن خيالات البشر، وعلاقتهم بالحياة والكون، ليصل إلى نتائج تبين مختلف الوظائف الاجتماعية للحكاية الخرافية، سواء ما تمنحه من معرفة، أو تنتجه من قيم، أو تحدده من اتجاهات، تسكن رؤوس الذين يعتقدون فيها، ويرددونها، ويضيفون إليها من مخيلاتهم الكثير، كلما انتقلت من جيل إلى جيل.
أما أنا فقد سمعت من أهل قريتي هذه الحكايات العجيبة صغيرًا، وتعاملت معها كمادة خام لعمل أدبي، قاصدًا ألا أتركها في سيلانها وجريانها على الألسنة هائمة عائمة، إنما راسية بين سطور مكتوبة، هي في خاتمة المطاف روايتي لهذه الحكايات العجيبة المدهشة المملوءة بالشغف والرعب والإيهام والإلهام والأمل.
-
وما ألوان أو أنواع هذه الحكايات؟
هي حكايات يتداولها الناس في قرى مصر ومدنها، عمن يستحضرون الجان، أو ما يأتيه السحرة والمشعوذون والعرافون من قارئي الكف والتاروت والفنجان والمندل وضاربي الودع والمهتمين بحسابات النجوم والفلك، والساعون خلف الكنوز المطمورة، والمبالغون في تصوير كرامات الأولياء والقديسين، والمعتقدون في التمائم والحروز والطلاسم، ومن يشغلهم الخوف من الحسد والعفاريت، وتجذبهم حكايات عما بعد الموت، ويصدقون النبوءات القديمة، وأولئك الذين يؤمنون بالفيوضات الروحية التي تجلب الطاقة الإيجابية، ومن يتمسكون بأرقام وأشياء جالبة للحظ، وغير ذلك.
-
على وجه العموم، ما الدور الذي تلعبه الحكايات الخرافية في حياتنا الاجتماعية؟
لها وظيفة جمالية، فالجمال، بوصفه أحد الجواهر الأساسية للفن، لا يمكن أن يكون معادلات صماء، ولا يخضع لمنطق، ولا يقف حتى عند حدود الحدس، إن بوسعه أن يسيح في كل ما وراء الطبيعة، وما وراء العقل، وما وراء القدرة التي بوسع الإنسان أن يحصلها في تفاعله مع تصاريف العيش، وكل هذا يعطي للحياة طعمًا، ويجعل قانون "المنفعة الحدية" الذي يتحدث عنه الاقتصاديون واقفًا عند حدود استهلاك الأشياء المادية، بينما تجدد الرغبة في معرفة الغرائب والتسلية والتسرية والتزجية بها، مفتوحة بلا حد ولا سد ولا قيد.
ولها وظيفة أخرى مهمة، لهذا فرصة للبقاء والنمو، نظرًا لأن عالم الغيب أوسع من عالم الشهادة في حياة الناس، والمجهول أكثر من المعلوم، والغامض أمضى في إثارة السؤال والدهشة عن الواضح، ولأننا نأتي إلى الدنيا ونذهب دون أن نستطيع الوصول إلى إجابة، كافية شافية، على كثير من الأسئلة الرئيسة التي تتعلق بالوجود والكون، وتبنث عفية في طريقنا كل يوم أشواكًا حادة جارحة.
حيال هذا لم يجد الإنسان بُدًا من ردم الهوة بين ما يعرفه وما لا يعرفه، بين عالمين أحدهما تحت سمعه وبصره، لكنه لا يستطيع السيطرة عليه بالكلية، والآخر بعيد عنه، يعجز بالأدوات التي يملكها من الوصول إليه، فيطلق خياله في تصوره، ويطلق لسانه في التعبير عما دار بهذا الخيال.
إنها الحكايات التي تردم الهوة، في بعض الأحيان، بين ما يألفه الناس ويعرفونه ويتحققون منه في دنياهم، وبين الغيب المفتوح على التأويلات والحكايات التي تتناسل بلا هوادة. وحتى لو كان كل هذا وهمًا، فمنذ متى كانت الأوهام بعيدة عن ذائقة الأدب وموضوعاته؟
في الوقت نفسه يحفل الواقع بحكايات تجري في دنيا الناس، تتوزع على أحداث ووقائع، تصرفات وتدابير، أقدار وتصاريف، شائعات وتخرصات، أكاذيب وتقولات، وحتى أحلام اليقظة، والرغبات المكبوتة، تنطوي كلها على ألوان السحر، لا يمكن إنكاره، لكن السحر يبلغ مداه، والخيال يطلق أجنحته طويلة قوية ، ترفرف عفيَّة في البراح، حين نكون بصدد الحكايات الخرافية.
-
هل تتشابه حكاياتنا الخرافية مع مثيلتها لدى أمم أخرى؟
بين حكاياتنا الخرافية ما هي مشتركة من حكايات لشعوب أخرى، لهذا أنا من الذين يقولون دوما إن "الأساطير" و"الحكايات الشعبية" و"الحكايات الخرافية" تجمع بين البشر، أكثر مما يجمع غيرها، وهناك حكايات لدينا خاصة بنا، أنتجتها قرائح أبنائنا على مدار التاريخ، ورسخت وصارت عفية في وجه أشباهها في العالم أجمع.
ولي هنا أن أقول إن الحكايات الخرافية موجودة في تراثنا العربي، مثل ما ورد في "ألف ليلة وليلة" من قصص مدهشة، وعند إخوان الصفا في شكوى الحيوانات إلى ملك الجان من الظلم الاجتماعي، ولدى ابن المقفع في كتابه "كليلة ودمنة"، وموجودة كذلك في الآداب الأوروبية عند ماري دي فرانس، وجان دي لافونتين، وإيفان أندريتش كريلوف، وجوتلهد إفرايم لسنج، وكريستيان جليرت، وهانز كريستيان أندرسون، وعند الألماني هيرمان هسة في كتابه "حكايات خرافية". وموجودة أيضًا في الآداب الأسيوية التي تنهل من منابع غنوصية، وروافد ما ورائية، ومناهل يعجز العقل عن إثباتها، لكنها تؤثر على عيش الناس، حين تنعكس على معتقداتهم وتصوراتهم، وتلعب أحيانًا دور الطبابة في مواجهة الشقاء والحيرة وانفساح الغيب بلا حد.
-
كيف استقبل القراء كتابك هذا؟
يوزع الكتاب بشكل جيد، حتى الآن، لكنني أيضًا أعول على أنه من الكتب التي ستعيش زمنًا طويلًا، وهو صالح لقراءة متجددة من أجيال متعاقبة.
|
هل لديك تعليق؟
|
الاسم : |
|
|
البريد الالكتروني : |
|
|
موضوع التعليق : |
|
|
التعليق : |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|