|
تراث شعبي |
حكايات قرية "زهرة": زهرة بلد الجنائن.. هل تعود؟!
|
|
|
|
|
القاهرة 19 مايو 2026 الساعة 01:14 م

بقلم: مصطفى علي عمار
كانت القرية غارقة في الخضرة، تطوّقها أشجار النخيل المتشابكة، وتحتضنها البساتين. في كل بستان مناحل للنحل، ولكل عائلة بستانها المثمر بأصناف الفاكهة، حتى إن أحدًا في القرية لم يكن يشتري الفاكهة؛ فالخير وفير، والهدايا متبادلة مما تنتجه البساتين والزروع.
كانت الفاكهة كثيرة في كل منزل في موسمها، وكذلك عسل النحل المنتج مناحل القرية، ولا يعرف أيٌّ من الأهالي الشراء من الأسواق، فالقرية عامرة بالجنائن، ومن ليس لديه جنينة يرسل له جاره أو قريبه هدايا من الفاكهة الموسمية.
ولم تكن البساتين وحدها، بل كانت شوارع القرية تعج بالأشجار. أشجار النبق منتشرة على الجسر الشرقي، وفي قبلي البلد شجرة مقام الشيخ سعد، وفي غرب البلد تقف الشجرة العتيقة: شجرة الحاج عيلي، وشجرة الحاج أزهري. وفي بحري البلد تتميز شجرة "أبو مرشود".
ومن كثرة الأشجار في القرية وشوارعها كان الأهالي يربون الماعز في الشوارع، يلتقط أوراق الشجر، ويبيت فيها آمنًا، فلا أحد من الأهالي يتجرأ ويسرق من ماعز الشوارع، وعندما يحتاج صاحبه لماعزه فهو يعرفها بالواحدة، فيأخذ منها ما يريد.
وحتى الأرامل من نساء القرية اللاتي لم يكن لهن دخل، كنّ يشترين صغار الماعز ويضعن عليها علامة مميزة ليعرفنها. وحين تكبر، كنّ يطلقنها في شوارع القرية لتأكل من ورق الشجر، فتصبح مصدر دخل لهن دون أن يتكلفن عناء إطعامها. فيجنين من ورائها الجديان الصغيرة والألبان، لتعينهن على المعيشة.
لكن سيدة أشجار القرية كانت "ذقن الباشا". أشجار معدودة، ضخمة، فارعة الطول، تميّز معالم زهرة. اسمها الأصلي "شجرة اللبخ _Albizia lebbeck_"، غير أن المصريين هم أول من أطلقوا عليها "ذقن الباشا"، نسبة إلى باشا مصر وحاكمها محمد علي؛ لأن لون أزهارها الكروية - الأبيض المائل للاصفرار - يشبه لون لحية محمد علي باشا والي مصر. أزهارها عطرية، تفوح رائحتها في الشوارع لمسافات طويلة، رائحة تستهويها النفس أكثر من الورد البلدي. وهي شجرة معمرة، قد يبلغ طولها ثلاثين مترًا.
كانت واحدة منها تتوسط القرية أمام مسجد الحاج حسين طنطاوي "مسجد المصلحية"، فصارت علامة لتقسيم القرية. حتى المسجد عُرف بـ"المسجد الوسطاني" لأنه كان يتوسط زهرة. فيقال: فلان من بحري الشجرة، وفلان من قبلي الشجرة، وفلان من شرقها، وفلان من غربها.
وتناثرت أخواتها في الأرجاء: شجرة أمام منزل الحاج عبده أبو سلامة قبلي البلد، وأخرى في منطقة الشهابية، وشجرة بحري البلد عند منزل الشيخ عمر أبو الفضل، وواحدة عند ديوان العمدة شرقًا، وأخرى عند منزل الحاج أنور أبو الحاج علي. وعلى ما أذكر، كانت هناك شجرة في الشارع المتجه إلى القطايعة، وشجرة في وسط البلد أمام منزل جدي الشيخ محمود مكادي بمنطقة الرهبة غربًا. وقد أخذ جدي الحاج سعيد أبو مكادي فسيلة من شجرة مسجد الحاج حسين وزرعها أمام المنزل. ويقال إن جميع أشجار "ذقن الباشا" في زهرة أُخذت فسائلها من تلك الشجرة الأم.
كان لأشجار "ذقن الباشا" روح في البلد. إذا مشيت في شوارع زهرة وقتها، شممت عطرها في كل ربوع القرية.
وفي الطرف الجنوبي للقرية، يمتد طريق طويل يعرفه الأهالي باسم "طريق الجنائن". جنائن الفاكهة متراصة على جانبيه، هذه بستان فلان، وتلك بستان فلان. كل عائلة في القرية لها جنينة، وحتى الجسر الشرقي للنيل تمتد الجنائن: جنائن الشريف، وجنائن أبو حسب الله، وجنائن الأزهري، وجنائن أولاد توني وأبو حسانين، ونخيل منطقة الملك الكثيف جدًا الذي لا يُحصى عدده، ويغطي جنوب القرية ويحجب رؤيتها من الجنوب. يملكه كل أهالي القرية.
وكانت المقابر هناك أقصى الجنوب الشرقي محاطة بسور كثيف من النخيل والأشجار، فلا ترى القبور إلا إذا اقتربت منها، وكأن رفات الأموات في حماية بحصن.
ومن كثرة النخيل كانت البلدان المجاورة تأتي القرية لشراء كميات من البلح للخزين، وكانت الأسطح في زهرة ممتلئة طوال العام بخزين البلح، وكان الأهالي ينشرونه في الشمس على الأسطح، ثم يوقدون الأفران لتحميصه، ثم يعيدون تعبئته في صوامع البلح المحمص وبلاليص العجوة المملوءة، والبلح المخلل بالعسل الأسود، يكفي من العام إلى العام ويفيض.
وفي الناحية الشرقية للقرية على طول نهر النيل المار بها من الجنوب، من بعد حدود العزبة المجاورة لها "عزبة أبو حنس" حتى شمالها لحدود القرية المجاورة شمالًا "قرية الإسماعيلية"، هناك جنائن كثيفة تُعرف بجنائن أبو علي مصطفه، وجنائن أولاد طنطاوي الكثيفة بأجود أنواع العنب البلدي المسطح، وجنائن الجسر لبعض الأهالي أيضًا، وجنائن العصارة المحاطة حول عصارة القصب العتيقة قبل إغلاقها، والتي كانت تنتج أجود أنواع العسل الأسود على مستوى المحافظة لاعتمادها على ما يزرعه أهالي زهرة من فدادين كثيرة من أجود أنواع القصب أيضًا. ووسط القرية جنائن أبو الفتوح.
ومن الناحية الغربية نخيل يغطي حافة الترعة ويدلّل على البيوت، وجنائن العنب السطحي أمام منازل الأهالي مثل منزل الشيخ يحيى، وجنينة الشيخ فاروق، والعنب الأرضي للحاج مختار والشيخ حسني، وجنينة الحاج صادق العتيقة. وبعض بيوت الأهالي المطلة على الترعة، أو التي أمامها مساحة واسعة، كانت تُزرع بأشجار الفاكهة والنخيل، فتصير جنينة في المنازل أو أمامها، وكثيرًا ما تجد منزلًا أمامه تكعيبة عنب مسطح.
حتى إن منزلنا أيضًا كان أمامه تكعيبة من العنب المسطح البلدي ناحية الباب حتى نهاية حارتنا التي تجمع أبناء عمومتي آل حسانين عمار.
البلدة كلها خضرة، فواكه ومحاصيل تملأ الحقول، وحقول القطن الشاسعة التي تتغذى على أزهارها مناحل النحل، فتجود بخيرات لا مثيل لها.
ونخيل كثيف من كل ناحية يحاوط القرية، لا تُرى مساكن القرية من خارجها من كثرة النخل المحيط بها.
وفجأة، في أواخر الثمانينيات، انتشرت في القرية صناعة الطوب الأحمر، في القمائن التي يوضع فيها الطوب اللبن، حتى غدت المصدر الأساسي للقرى المجاورة. لم تكن الصناعة جديدة على أهلها، فقد توارثوها أبًا عن جد، لكنها في تلك الحقبة توسعت على نحو مسعور، حتى اشتهرت القرية بها. واشتهرت أيضًا بجريمتها: القضاء على أغلب الأراضي الزراعية.
بدأت المجزرة بتجريف التربة السطحية الخصبة، وتحويلها إلى معاجن من الطين يُصنع منها الطوب الأولي المعروف بـ"الطوب اللبني". ثم تُجمع آلاف اللبنات - قد يصل عددها في القمينة الواحدة إلى خمسين أو ستين ألفًا - وتُرص في بناء هرمي مربع، يبدأ عريضًا من القاع ويضيق كلما ارتفع، كي لا ينهار. قد يصل ارتفاعه إلى عشرة أمتار.
ومع كل طبقة يضعها العمال، يفرشون فوقها القش وقطع الأخشاب ويسكبون المازوت، ثم يضيفون طبقة أخرى من الطوب، وهكذا حتى يكتمل بناء القمينة. تُغطى بعد ذلك بالكامل من أعلاها إلى قاعدتها بطلاء من الطين، ولا تُترك فيها سوى فتحات للتهوية.
أما قاعدة القمينة، فتُجهز كحجرات وممرات أشبه بالكانون، تُحشى بأخشاب مغموسة بالمازوت. تكون هذه القاعدة هي مركز إشعال النار. وما إن ينتهي الطلي بالطين، حتى تُضرم النار في الفتحات السفلية، فتسري في جسد القمينة كله، وتظل مشتعلة خمسة أيام متصلة، حتى إذا انطفأت في اليوم السادس أو السابع، يكون الطوب اللبني قد تحول جميعُه إلى طوب أحمر. عندها تُهدم القمينة، ويُباع الطوب، ويُحمَّل في شاحنات النقل.
وهكذا صارت القرية كلها على هذا الحال...
تشتعل القمائن فيها، وتتلبد سماؤها بدخان أسود خانق، وتختنق الأشجار والبساتين به. حتى النخلة الشامخة كانت تقف عاجزة عن النمو، وقد أعدمها الدخان. أما أشجار "ذقن الباشا" التي كانت روح القرية وعطرها، فقد سقطت واحدة تلو الأخرى.
فبارت الأراضي، وماتت الأشجار، وابتلعتها النار، وخربت البساتين، وهوت أغصانها وقودًا في الأفران، ومات نحل المناحل من الدخان الكثيف الذي غطى ربوع القرية.
تبدلت القرية من ريف منتج، تجود أرضه بالخير، إلى فرن كبير لصناعة الطوب الأحمر.
وحين أدركت الدولة خطر هذه القمائن وتجريف الأراضي، كانت أغلب القرى التي تورطت فيها - ومنها قرية "زهرة" - قد ضاعت حدائقها وأراضيها. فبدأت الدولة محاربة هذه الظاهرة حتى قضت عليها نهائيًا، ووفرت بدائل للبناء من مصانع الطوب الحديث والحجر الجيري.
وتبدلت القرية بخضرتها المثمرة إلى قرية مدينة بأشجار الظل والزينة.
فهل نستطيع أن نعيد للقرية زراعة الأشجار المفيدة المزهرة والأشجار المثمرة كالمانجو وغيرها على حافة الطريق وفي الشوارع، بدلًا من أشجار الفيكس التي لا تجدي نفعًا؟ وإعادة الجناين والبساتين، وزراعة القصب، ونعيد عصارة القصب كي تعود القرية؟ ويا ليت الدولة تعيد أيضًا زراعة القطن لها لتعود المناحل بشهدها. وتعود قرية زهرة فتكون كما كانت زاهرة.
ونختتم بهذه الكلمات المعبرة باللهجة العامية من وحي هموم القرية:
صرخة للقرية
كيلو العنب بـ 100 جنيه يا بيه
مين يشتري؟ ومين يتفرج بعينيه؟
قرب، خد حباية ودوق مرارة الغلا
واصرخ للقرية في كل مكان بالعُلا
اللي كان فيها جناين وفلاحين
باعوا الأرض وفكوا الطواحين
شالوا العنبة والخوخة والرمانة
وحطوا "سوبر ماركت" بدل الدكانة
حتى الشوارع كانت بالنبق مليانة
قلبوها فيكس... قلبة الندامة
الجميزة كانت ع الترعة ما أحلاها
والتوتة والعصافير على الصفصافة
والنخل قطعوه وعروا سماها
والمشمشية نشفت بالقهر على حالها
والجظيرة خربت لا غنم ولا بقر
أكلهم متلج لا تفرق مالح ولا مسكر.
|
هل لديك تعليق؟
|
الاسم : |
|
|
البريد الالكتروني : |
|
|
موضوع التعليق : |
|
|
التعليق : |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|