القاهرة 20 أغسطس 2026 الساعة 02:39 م
بقلم: مصطفى علي عمار
لذكرى مولد رسول الرحمة عليه الصلاة والسلام مكانة في قلب كل مسلم، فحب رسول الله يسكن القلوب ويعمرها بتقوى الله. ومنذ بزوغ الدعوة الإسلامية والسلف يحتفلون بهذه المناسبة المباركة بذكر الله وتدارس سيرة رسوله، ومع تقادم العصور دخلت بدع كثيرة في طرق الاحتفال.. وعندما نذكر قرية زهرة من هذه الاحتفالات في الزمن الماضي، كانت احتفالات غريبة، احتفالات تختلط فيها المشروعية مع البدع.
وإلى وقت قريب، كانت زهرة تحتفل بالمولد النبوي الشريف بطرق غريبة لا مثيل لها في أي قرية أو بلد. ففي قرية زهرة، القرية التي سكانها كلهم مسلمون ويقال إن أصلهم عرب جاء جدودهم مع فتح مصر، وذُكر اسمها في كتب فتوحات البهنسا.
تقع زهرة شمال محافظة المنيا على الناحية الغربية للنيل مباشرة، يحدها جنوبًا قرية البرجاية، وشمالًا قرية الإسماعيلية وقرية صفط اللبن، وغربًا ترعة الإبراهيمية. وعدد سكانها كبير منذ نشأتها. كانت منذ القدم تحتفل بمولد النبي بكل مظاهر الاحتفال المعروفة في مصر، ويضاف إلى ذلك أن لها طقوسًا أخرى مختلفة وعجيبة في الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم لا تجدها في أي مكان، وخاصة احتفالهم بالليلة الكبيرة المعروفة عندهم بليلة "الزفة".
ويقال إن سبب تسميتها "زهرة" يرجع إلى أبناء عمومة أخوال النبي صلى الله عليه وسلم "بني زهرة بن مرة" حينما استوطنوا فيها أثناء الفتح الإسلامي لمصر. وجاءت تسميتها "قرية زهرة" نسبة إلى اسم "زهرة بن مرة" كما ذُكر في كتب فتوحات البهنسا.
قرية كلها مسلمون، وجميع المدافن القديمة فيها قبور إسلامية، وتتميز بكثرة مقامات أولياء الله الصالحين فيها. ففيها أكثر من مقام لأولياء الله الصالحين، وبها أكثر من 20 مسجدًا، ويغلب على سكانها الطابع الديني أو النزعة الصوفية. بها مدرسة قرآن تخرج فيها كبار مقرئي الإذاعة في الستينات، مثل: الشيخ عبد العزيز البرجيني. وفي عصرنا يتخرج كل عام أعداد كثيرة من حفظة القرآن الكريم، ويعرف عنها أنها بلد القرآن لكثرة عدد حافظي القرآن فيها، فلا يخلو منزل فيها إلا وفيه حافظ للقرآن.
ومنذ نشأة زهرة وهي تنقسم إلى عائلات مسلمة كبيرة، وكانت في الأيام السالفة لكل عائلة طريقة صوفية تشتهر بها. وعند حلول شهر ربيع الأول كانت تستعد جميع العائلات بطرقها الصوفية للاحتفال بالمولد النبوي الشريف.
فيبدؤون بتعليق الرايات بجميع ألوانها: البيضاء والخضراء والحمراء، فكل راية تعبر عن طريقة من الطرق الصوفية، في شوارع القرية والزينات. وتنصب السرادق للاحتفال، وتنصب أيضًا سرادق بيع الحلوى وعرائس المولد والأحصنة المصنوعة من الحلوى.
تستعد المنازل وتذبح النذور من المواشي التي ينذرونها كل عام لتوزيعها على بعضهم البعض وعلى الفقراء وعلى دراويش الطرق الصوفية. وتوقد الأفران البلدي داخل المنازل لصناعة الفطائر والمنين بالعجوة والعيش البلدي البتاو لتقديمه مساءً لإطعام الوافدين إلى سرادق الذكر المقامة في كل أنحاء القرية.
تقام مساءً كل يوم جلسات الذكر في السرادق المعدة لذلك من كل عائلة أو كل طريقة، وترفع الأعلام والرايات، وتتجمع العائلات لسماع الذكر والتواشيح. أما النساء فكن يفضلن متابعة الاحتفالات المسائية خلف السرادقات، ويجلسن في المكان المخصص للحريم، أو يتابعن من شرفات المنازل أو البلكونات. وأثناء جلسات الذكر كانت تفوح روائح البخور العطرة التي يشعلها الأهالي وتملأ جو القرية. ويقوم بعض أفراد العائلة بتوزيع المشروبات الساخنة مثل القرفة، ورغيف مملوء بالأرز واللحم، أو فطائر المنين بالعجوة، أو صواني الأرز باللبن.
ويستمر الاحتفال لمدة 11 يومًا، وفي النهار يتزاور الأهالي بهدايا الحلوى وعرائس المولد والأحصنة المصنوعة من الحلوى الحمراء... حلوى المولد.
ويلعب الأطفال في السرادق نهارًا كل يوم بألعاب مختلفة كالسباقات، أو كالغميضة، أو حمل الكرابيج "الزخمة" المصنوعة من سعف النخيل وضربها بالأرض لتعطي أصوات فرقعة عالية تسعد الأطفال، وكأنهم في عيد يستمر 11 يومًا. وفي الليلة الكبيرة، وهي ليلة مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم، ليلة 11 ربيع أول، كانت تستعد القرية كبيرًا وصغيرًا لاستقبال هذا الحدث المهم بارتداء أجمل الملابس والتزين للخروج في مواكب كبيرة لكل عائلة مجتمعة تحت راية طريقة صوفية، واستعراض عسكري إسلامي، معهم رجال ونساء وشباب وأطفال. يحمل فيها الرجال السيوف ويجوبون شارع القرية الكبير الذي يتوسط القرية ويمر بها، المعروف بشارع "الزفة".
وكانت لطريقة العرض شكل مميز وغريب عن أي بلد، فكانت القرية تخرج يوم الليلة الكبيرة أفواجًا في صفوف منتظمة منظمة، كل فوج يمثل طريقة صوفية وغالبًا ما تكون عائلة، ويكون شيخ العائلة وشيخ الطريقة يمتطي حصانًا يتوسط الموكب وهو يحمل في يده المصحف الشريف وعلى جانبه سيفه.
وأربعة من الصبيان الأشداء في مقدمة الموكب يحملون راية عريضة مكتوب عليها اسم الطريقة واسم العائلة، ومن خلفهم الأطفال يحملون رايات وأعلامًا ملونة ومكتوب عليها أسماء الله. ومن خلفهم حامل الطبلة الكبيرة التي يقرعها كما تقرع طبول الحرب، ومن خلفهم مشايخ العائلة من الرجال المسنين يتقدمون الموكب للهيبة. ومن خلفهم صفوف طويلة من الرجال والشباب، صف على اليمين وصف على الشمال، يرفعون بأيديهم سيوفًا حديدية أو خشبية أو عصا غليظة، ويرتدون الجلباب الأبيض والعقال، مهللين: الله، متمايلين بسيوفهم يمينًا وشمالًا وهم يمشون خطوة خطوة. ويكون هذا في انتظام، ويمشون بخطوات ثابتة، يتابعهم في منتصف الصفوف شباب ورجال ينظمون منظر الصفوف أو ينبهونهم لأي خلل يحدث في الصفوف. ويتوسط الصفوف أيضًا حاملو الطبل والمزمار. وفي نهاية هذه الصفوف تجد شيخ الطريقة شامخًا على حصانه ويحمل المصحف بيد وعلى جانبه سيفه، وكأنه يقود فرقته الحربية التي أمامه ويوجهها.
ومن خلفه فرقة إنشاد ديني تتكون من المنشد الديني وحوله بعض المشايخ والمادحين يرددون مدائح للنبي صلى الله عليه وسلم، ويكون بميكروفونات وسماعات متنقلة معهم.
حينما يصلون إلى كل مفرق شارع، يقف المادحون داعين لأهل الشارع، ومتلقين "النقطة" من الأموال الرمزية وهي صدقات من الأهالي الواقفين للفرجة على مواكبهم. وتأخذها فرقة الإنشاد كرامة لما قدموا من إنشاد.
ومن خلف المادحين يكون صف من الإبل: جمال ونوق تم إعداد هوادجها مزينة بالأعلام، لتكون فيها بعض النساء والأطفال، وكأنهم في غزوة أو إلى هجرة تحملهم الجمال في منظر يذكرنا بأيام السلف.
ومن خلفهم نساء كثيرات من العائلة أيضًا يمشين على أقدامهن خلف الموكب يزغردن ويطبلن ويلقين الحلوى على الواقفين في الشوارع للفرجة.
وتكون الشوارع أيضًا مكتظة بالواقفين رجالًا ونساءً للفرجة ممن فضلوا الفرجة على الخروج في المواكب. ومن الواقفين أيضًا من يجهزون الماء المثلج ويوزعونه لسقي الأفواج المارة، ومنهم من يجهز مشروب الشربات والعصائر للأفواج المارة أيضًا، ومنهم من يوزع الحلوى أيضًا، فغالبًا كل القرية تساهم في هذا.
وكانت تتواجد في هذا الاحتفال كل القرية، فمن في عمله يعود، ومن في حقله يعود لمنزله قبل بدء العرض، وحتى المسافرون أغلبهم يعودون من سفرهم تيمنًا بحضور الزفة، ويعتبرونها عيدًا للقرية أو ما يسمونه "فرح النبي صلى الله عليه وسلم".
فهكذا كانت أعداد كبيرة من الطرق يجوبون القرية في تشكيل منتظم مماثل في كل طريقة أو عائلة، من بعد صلاة العصر حتى المساء تباعًا خلف بعض، يجوبون القرية حتى يعودون لنقطة بدايتهم.
ومن الطريف أن النساء كن يزغردن وهن يمررن مع الموكب وكأنهن انتصرن في حرب بفرقتهم. وكان دائمًا ما يتقدم الموكب للهيبة أمام موكب الطريقة مشايخ العائلة من الرجال. وكان الأطفال يكتفون برفع الأعلام ودق الطبول في مقدمة الطريقة أمام مشايخ العائلة. وتسير الفرقة كلها في موكب كل حسب الطريقة التي ينتمي إليها.
وكان قد يصل عدد الموكب الواحد لألفين أو أكثر من الأشخاص. وكان عدد أهل القرية كثيرًا، وغالبًا ما يتواجدون كلهم في هذا اليوم.
وكانت الشرطة تعلم جيدًا بهذه العادة للقرية، فتقوم بتأمين مداخل القرية وخارجها تحسبًا من المشاجرات لو حدثت، أو تحسبًا من اللصوص والقرية في انشغالها باحتفالها.
وكان سير الموكب يبدأ من بعد صلاة العصر وحتى صلاة العشاء، ولا يسمع خلالها غير صوت الطبول والسيوف. وتمر المواكب حسب ترتيب معروف منذ القدم للعائلات والطرق الصوفية، فلا تتعدى طريقة دورها.
وكانت بداية الموكب بطريقة الشرفاء التي تمثلها عائلة الشرفاء، وسبب الاسم هو انتسابهم للنبي صلى الله عليه وسلم. ثم موكب البيومية وتمثلها أكثر من طريقة، ويبدأ المرور بأقدم عهد بيومي فيهم وتمثله عائلة الصالحية.
وكانت تتوالى بعدها الطرق: رفاعية... إلخ، والعائلات خلف بعضهم البعض متلاحمين حسب ترتيب الزفة المعروف. ومن الطريف أنه في إحدى المرات عبر السنين الماضية، عام 1997، كانت لا زالت هذه الاحتفالات قائمة بهذا الشكل، فحاولت الشرطة منع هذه الاحتفالات خوفًا من تطور الأمور أو حدوث معارك أو مشاجرات فيها بالسيوف. لكن كان حب الناس للاحتفال أو ما يطلقون عليه "الزفة" شيئًا مقدسًا عندهم ينتظرونه من العام للعام، ويطلقون عليه عيد القرية، وأيضًا "فرح النبي صلى الله عليه وسلم".
فمحاولات الشرطة باءت بالفشل، حيث صمم شباب عائلة الصالحية وخرجوا بموكبهم وتبعتهم مواكب العائلات أفواجًا أفواجًا.
وكان من طقوس الاحتفال بالمولد في هذه القرية التي يفد إليها الناس من جميع القرى المجاورة ليشاهدوا احتفالات القرية التي لا يوجد لها نظير في أي مكان بالاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، وخاصة يوم الليلة الكبيرة الذي يذكرهم بالعصور الأولى من الإسلام، وكأن جيش الإسلام خارج ومعه القائد على حصانه.
وقبل أن تبدأ جميع المواكب بالاحتفال تذبح الذبائح، فغالبًا كل أسرة كان لها نذر من العام الماضي من الماعز أو الخراف أو العجول تيمنًا لذبحه في الليلة الكبيرة وعيد القرية، أو قبلها بيوم وتوزيعه على بعضهم البعض وعمل موائد.
وكان من عادة القرية وقتها أيضًا أنه لو هناك أحد توفي له شخص هذه الأيام المباركة أو قبلها، يفك حداده كرامة لزفة المولد التي تمر في شوارع القرية، ويعتبرونها شيئًا مقدسًا لابد أن تمر دون اعتراض من أحد.
وخاصة بعدما توفي بعض الأشخاص حينما اعترضوا الزفة في إحدى المرات، فاعتقد الأهالي أن من يعترض الزفة لا يمر عليه العام.
وكان من عاداتهم في هذه الأيام المباركة أيضًا المصالحة مع بعضهم البعض وعدم المشاجرة، رغم أنهم يرفعون السيوف، إلا أن شعارهم السلام والمحبة في يوم هذا العيد.
وكانوا يعتقدون أن من يعترض الزفة التي تقام كل عام ربما أصابه مكروه العام المقبل. وكان من المعتاد أيضًا طهور الأطفال كنوع من البركة، كذلك تجميل القرية بالأعلام والأنوار، وفك الأحزان، وتجهيز السيوف والسناج والعصي الخيزران أو "الدقل" المقطوعة من الأشجار. ويتجمّع الناس بعد إتمام الزفة وانتهائها مساءً في السرادق مودعين آخر ليلة في الاحتفال، وسماع مديح ما يسمى "توليد النبي". وهي قصة حمل السيدة آمنة في كل شهور حملها حتى وضعت الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم. وتظهر براعة المداح في سرد القصة شهرًا شهرًا إلى أن تأتي لحظة ميلاد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، فيقوم الناس مهللين: الله أكبر.. الشفاعة يا رسول الله عليه الصلاة والسلام.
ويصلي الناس على النبي صلى الله عليه وسلم حتى أذان الفجر، ثم يتوجهون للصلاة. وينتهي الاحتفال مع انتظار تكراره بكل شوق العام المقبل بمشيئة الله.
ولا زالت القرية تحتفل بالمولد النبوي الشريف، لكن مع تغيير في كل هذه الطقوس السابقة.