|
آثار |
القناع الذي عاد من المنفى!
|
|
|
|
|
القاهرة 22 سبتمبر 2026 الساعة 10:14 ص

بقلم د. حسين عبد البصير
هناك أشياء لا تهرب من البلاد، بل تهرب من الذاكرة. وهناك أشياء، مهما طال غيابها، تظل تعرف الطريق إلى البيت. ربما يبدو هذا الكلام أقرب إلى الأدب منه إلى علم الآثار، لكنه في الحقيقة يلامس جوهر قضية استرداد الآثار المصرية. فالقطعة الأثرية ليست حجرًا أو ذهبًا أو خشبًا أو بردية يمكن أن تنتقل من يد إلى أخرى كما تنتقل السلع في الأسواق. إنها جزء من قصة إنسان عاش هنا، وحلم هنا، ومات هنا، وترك وراءه أثرًا يقول للأجيال التالية: كنت موجودًا.
لهذا فإن القناع الذهبي المصري الذي عاد من سويسرا ليس مجرد قطعة أثرية استعادت مصر ملكيتها. إنه حكاية قصيرة عن عالم طويل ومعقد، عالم يمكن أن تبدأ قصته في مصر القديمة، ثم يختفي القناع آلاف السنين في ظلام مقبرة أو مخبأ، قبل أن يظهر فجأة في زمننا المعاصر، في مكان بعيد عن موطنه، محمولًا عبر الحدود، محاطًا بالأسئلة أكثر مما تحيط به قيمته المادية.
والذهب هنا يخدعنا قليلًا.
حين نرى قناعًا ذهبيًا، أول ما يخطر في أذهاننا هو ثمن الذهب. لكن المصري القديم لم يكن ينظر إلى الذهب بهذه الطريقة وحدها. الذهب كان مادة ذات دلالات دينية ورمزية عميقة، ارتبطت بفكرة البقاء والدوام، وبجسد الآلهة في التصور المصري القديم. ولذلك فإن القناع الجنائزي لم يكن مجرد غطاء لوجه المتوفى، وإنما كان جزءًا من عملية رمزية معقدة تهدف إلى ضمان استمرار شخصيته وهويته في العالم الآخر.
ومن هنا يمكن أن نفهم المفارقة الجميلة في قصة القناع الذي عاد إلى مصر.
كان المصري القديم يصنع قناعًا ليضمن للإنسان ألا يفقد هويته بعد الموت، وبعد أكثر من ألفي عام يجد القناع نفسه خارج وطنه، ثم تبدأ مصر الحديثة رحلة طويلة لإعادته. كأن التاريخ، بعد قرون طويلة، قرر أن يختبر الفكرة المصرية القديمة نفسها: هل يمكن للهوية أن تضيع؟
الإجابة جاءت من سويسرا.
القصة لا تكمن فقط في لحظة تسليم القناع إلى الجانب المصري. القصة الحقيقية بدأت قبل ذلك بكثير، في اللحظة التي أصبح فيها القناع محل اشتباه، وفي التحقيقات التي أعقبت ذلك، وفي محاولة معرفة مصدره، وفي البحث عن الأدلة التي تثبت أصله، وفي التواصل بين المؤسسات المصرية والسويسرية.
وهنا نصل إلى النقطة التي أعتقد أنها الأهم في قضية استرداد الآثار اليوم: العالم تغير.
لم يعد استرداد الآثار يعتمد فقط على خطاب يقول إن هذه القطعة «مصرية» وإنها يجب أن تعود إلى مصر. العالم القانوني الحديث يحتاج إلى أدلة، ووثائق، وسجلات، وتواريخ، ومسارات انتقال، وإثباتات تتعلق بالحيازة والملكية، وتعاون بين أجهزة الدولة والمؤسسات العلمية والقضائية والدبلوماسية.
إن قطعة أثرية يمكن أن تكون مصرية من الناحية الحضارية، لكن استردادها قانونيًا قد يحتاج إلى ملف كامل.
وهذا هو الفارق بين الرغبة في استرداد الأثر والقدرة على استرداده.
لقد دخل علم الآثار في العقود الأخيرة مرحلة جديدة. لم يعد عالم الآثار يعمل وحده في موقع الحفر، ممسكًا بالفرشاة، يبحث عن تمثال أو تابوت أو بردية. أصبح يعمل إلى جانب القانونيين، وخبراء التوثيق، والشرطة، والجمارك، والدبلوماسيين، والمتخصصين في الأسواق الفنية، وخبراء قواعد البيانات الرقمية.
أصبح الأثر في عصرنا يحمل معه «سيرة ذاتية».
من أين جاء؟
متى ظهر؟
أين كان؟
من امتلكه؟
كيف خرج؟
من نقله؟
متى بيع؟
ومن عرضه؟
وأين ظهر للمرة الأولى في سوق الفن؟
كل سؤال من هذه الأسئلة يمكن أن يكون خيطًا في قصة أكبر.
ولذلك فإن استرداد الآثار يشبه أحيانًا تحقيقًا بوليسيًا طويلًا، لكن بطل التحقيق هذه المرة ليس إنسانًا، وإنما قطعة صامتة لا تستطيع الكلام.
القناع لا يتكلم.
لكن الوثائق تتكلم.
والصور القديمة تتكلم.
وسجلات الحفائر تتكلم.
والكتالوجات تتكلم.
وشهادات الخبراء تتكلم.
وأحيانًا يتحدث الصمت نفسه.
وهنا أرى أن مصر أمام فرصة أكبر من مجرد استعادة القطع التي خرجت منها بصورة غير مشروعة. نحن أمام فرصة لبناء مشروع عالمي جديد لحماية التراث المصري، مشروع لا ينتظر ظهور قطعة في مزاد أو متحف أو مجموعة خاصة، وإنما يذهب إلى ما قبل ذلك بكثير.
نحن بحاجة إلى أن نعرف آثارنا كما يعرف الإنسان وجوه أفراد أسرته.
كلما كان توثيق القطعة أفضل، أصبحت فرص استردادها أكبر.
الصورة القديمة قد تكون ذات قيمة هائلة بعد عشرين أو ثلاثين عامًا. رقم تسجيل منسي قد يتحول إلى دليل حاسم. وصف صغير في سجل حفائر قد يصبح يومًا مفتاحًا لاستعادة تمثال. ورقة أرشيفية تبدو بلا قيمة اليوم يمكن أن تصبح غدًا الوثيقة التي تثبت أن قطعة ما كانت في مصر قبل أن تختفي.
ولهذا فإن معركة استرداد الآثار هي، في جانب كبير منها، معركة ضد النسيان.
وهذا يقودنا إلى سؤال أصعب.
كم عدد الآثار المصرية التي خرجت بطريقة غير مشروعة؟
السؤال يبدو بسيطًا، لكن الإجابة ليست كذلك.
لا توجد قائمة عالمية نهائية تستطيع أن تقول لنا إن عدد الآثار المصرية المهربة هو كذا. فالتهريب لم يحدث في عام واحد، ولا في قرن واحد، ولا من خلال طريق واحد. لقد خرجت القطع في ظروف تاريخية مختلفة، وبعضها ظهر في الأسواق منذ عقود طويلة، وبعضها لم يظهر أصلًا، وبعضها فقدت أخباره تمامًا.
لذلك فإن إطلاق رقم نهائي سيكون أكثر إثارة من كونه علميًا.
الأدق أن نقول إن مصر نجحت خلال السنوات الماضية في استعادة عشرات الآلاف من القطع الأثرية، وفق إحصاءات رسمية تغطي فترات زمنية مختلفة، وأن عمليات الاسترداد ما زالت مستمرة.
وهذا الرقم، في رأيي، لا ينبغي أن يجعلنا نكتفي بالاحتفال.
بل يجب أن يجعلنا نسأل: كم قطعة أخرى لم نعرف مكانها بعد؟
هنا تبدأ المرحلة الأصعب.
فالقطعة التي نعرف أنها موجودة في متحف أجنبي أو في مجموعة خاصة يمكن أن نبحث في وضعها القانوني. أما القطعة التي اختفت من التاريخ تمامًا، فهي قصة أخرى.
لهذا فإن أهم ما يمكن أن تفعله مصر اليوم ليس فقط ملاحقة القطع الموجودة في الخارج، وإنما بناء أكبر ذاكرة رقمية ممكنة للتراث المصري.
قاعدة بيانات وطنية ودولية ضخمة، تتضمن الصور، والقياسات، والأوصاف، وأرقام التسجيل، ومواقع الاكتشاف، وتواريخ الحفائر، والوثائق التاريخية، والرسومات القديمة، وأي معلومة يمكن أن تساعد في التعرف إلى القطعة إذا ظهرت في المستقبل.
أتصور قاعدة بيانات يمكن أن يبحث فيها العالم كله.
باحث في لندن.
موظف جمارك في جنيف.
خبير مزادات في نيويورك.
أمين متحف في باريس.
طالب آثار في طوكيو.
كلهم يستطيعون، من خلال صورة أو رقم أو وصف، أن يقارنوا القطعة بما هو مسجل في مصر.
هنا يتحول التراث من أرشيف مغلق إلى شبكة حماية عالمية.
وهذا هو التفكير خارج الصندوق الذي تحتاجه قضية استرداد الآثار.
لا نريد فقط أن نعيد الماضي إلى مصر.
نريد أن نجعل تهريب المستقبل أكثر صعوبة.
فالتهريب لن يتوقف بالتصريحات وحدها. والأسواق الدولية لن تختفي. والتكنولوجيا يمكن أن تكون وسيلة للتهريب كما يمكن أن تكون وسيلة للحماية. لذلك علينا أن نستخدم التكنولوجيا في الاتجاه الآخر: الذكاء الاصطناعي، والتعرف إلى الصور، وقواعد البيانات المترابطة، وتحليل سجلات المزادات، ومراقبة المنصات الرقمية، وربط المعلومات بين المؤسسات المصرية والدولية.
لكن التكنولوجيا وحدها لا تكفي.
نحتاج إلى الإنسان.
نحتاج إلى عالم آثار يستطيع أن يرى في تمثال صغير ما لا يراه غير المتخصص.
ونحتاج إلى قانوني يعرف كيف يحول المعرفة الأثرية إلى ملف قانوني.
ونحتاج إلى دبلوماسي يعرف كيف يحول الملف القانوني إلى تعاون دولي.
ونحتاج إلى مؤسسة تمتلك الصبر، لأن بعض القطع لا تعود في أشهر، وربما لا تعود في سنوات.
هناك آثار عادت بعد عقود.
وهناك آثار لا تزال تنتظر.
وربما هناك آثار لا نعرف حتى الآن أنها تنتظر.
القناع الذهبي الذي عاد من سويسرا يذكرنا بشيء آخر أكثر عمقًا.
التراث المصري لم يعد قضية مصرية فقط.
عندما تظهر قطعة مصرية في دولة أخرى، تصبح الدولة الموجودة فيها شريكة في حمايتها، وتصبح المؤسسات الدولية جزءًا من المسؤولية، ويصبح المتحف أو الجامعة أو دار المزادات أمام سؤال أخلاقي وقانوني: من أين جاءت هذه القطعة؟
وهذا السؤال هو بداية الطريق.
إن مستقبل حماية الآثار لا ينبغي أن يقوم على فكرة أن مصر تطالب والعالم يجيب. الأفضل أن نبني نظامًا دوليًا تتعاون فيه الدول على حماية التراث الإنساني، لأن الآثار المصرية، مثل آثار اليونان والعراق وسوريا وإيطاليا والمكسيك والصين وغيرها، ليست مجرد مقتنيات ثمينة، بل صفحات من تاريخ الإنسان.
ومع ذلك، فإن الاعتراف بالطابع الإنساني العالمي للتراث لا يلغي حق الدول والمجتمعات في حماية تراثها واسترداد ما خرج منها بصورة غير مشروعة.
على العكس.
إن احترام التراث العالمي يبدأ من احترام أصله.
وعندما يعود القناع إلى مصر، فإنه لا يعود إلى مكان على الخريطة فقط.
يعود إلى السياق الذي صنع معناه.
هذه هي الكلمة التي أراها ضرورية في حديثنا عن الاسترداد: السياق.
قد يكون المتحف الأجنبي قادرًا على عرض القناع بطريقة ممتازة، وقد يستطيع آلاف الزوار رؤيته والتعرف إليه. لكن عودته إلى مصر تعني إمكانية قراءته داخل البيئة الحضارية التي أنجبته، إلى جانب آلاف القطع الأخرى التي تساعدنا على فهمه.
الأثر لا يعيش منفردًا.
إنه يعيش داخل شبكة من العلاقات.
قناع إلى جوار تابوت.
تابوت إلى جوار مقبرة.
مقبرة إلى جوار عقيدة.
عقيدة إلى جوار نص.
والنص إلى جوار إنسان.
وهكذا يصبح الحجر قصة.
والقصة تصبح حضارة.
والحضارة تصبح ذاكرة.
لهذا لا أحب أن أتعامل مع استرداد قطعة أثرية باعتباره نهاية القصة.
إنه بداية قصة جديدة.
القناع الذي عاد من سويسرا يمكن أن يكون قطعة في متحف، ويمكن أن يكون أيضًا درسًا للباحثين، وموضوعًا للطلاب، ومادة لفيلم، وصورة في كتاب، ودليلًا على أن التعاون الدولي يمكن أن يعيد ما ظن البعض أنه ضاع إلى الأبد.
وربما تكون أجمل المفارقات أن القناع الذي صُنع في مصر القديمة ليحفظ وجه إنسان من النسيان، عاد بعد أكثر من ألفي عام ليذكر العالم كله بأن الحضارات نفسها يمكن أن يكون لها وجه.
وأن هذا الوجه، مهما غاب طويلًا، يمكن أن يعود إلى البيت.
|
هل لديك تعليق؟
|
الاسم : |
|
|
البريد الالكتروني : |
|
|
موضوع التعليق : |
|
|
التعليق : |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|