|
القاهرة 03 نوفمبر 2026 الساعة 10:01 ص

بقلم: د. هويدا صالح
لم تكن اللغة يوماً مجرد أداة محايدة للتواصل، أو وعاءً تقنياً لنقل المعلومات؛ بل هي النظام الرمزي الذي تتشكل داخله تصورات الإنسان عن ذاته والعالم، وتتحدد عبره خرائط الانتماء والسلطة. فاللغة لا تعكس الهوية فحسب، بل تسهم في إنتاجها وإعادة صياغتها، وهي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بعلاقات القوة التي تفرض أي الأصوات تستحق أن تُسمع، وأيها يُدفع إلى الهامش. من هنا، يتجاوز «التخطيط اللغوي» حدوده الإدارية والتربوية ليصبح مدخلاً لفهم الكيفية التي تسعى بها الدول إلى هندسة المجال الثقافي وصياغة الوعي الجمعي.
غير أن هذه السياسات، حين تنطلق من تصور أحادي للهوية، تتحول غالباً إلى آليات لإعادة إنتاج الهيمنة، وفرض نموذج لغوي مركزي على مجتمعات تتباين في جذورها وخبراتها التاريخية. وحين تصبح لغة المركز معياراً للاندماج الاجتماعي ومقياساً ضمنياً للجدارة، فإنها تُقصي اللغات المحلية واللهجات إلى مواقع أدنى، دافعةً بالتنوع اللساني نحو الاندثار تحت ذريعة الحداثة والتقدم.
ومن منظور النقد الثقافي، تكمن خطورة الهيمنة اللغوية في الأنساق المضمرة التي تتسلل عبر الخطاب والمؤسسات. فاللغة الرسمية، حين تُقدَّم بوصفها النموذج المتحضر الوحيد، تنتج تراتبية رمزية تضع أنماط التعبير الأخرى في دائرة النقص والتخلف. وتتجلى هذه التراتبية في فضاءات التعليم والإعلام والإدارة، حيث يتحول الاختلاف اللساني إلى عائق يحرم الأفراد من تكافؤ الفرص والاعتراف.
والأخطر من ذلك هو استبطان الجماعات المهمشة لهذه المعايير، لتشرع في التخلي عن لغاتها طوعاً تحت ضغط الحاجة للترقي والاندماج، مما يعفي السلطة من ممارسة الإقصاء المباشر، إذ يتولى المجتمع نيابة عنها استنساخ معايير الدونية.
وهنا يتقاطع النقد الثقافي مع الأنثروبولوجيا؛ فالأخيرة تدرس كيف تُعاش هذه السياسات في تفاصيل الحياة اليومية. فاللغة ممارسة اجتماعية مرتبطة بالقرابة والذاكرة والطقوس والحكايات؛ واختزال التنوع اللغوي في معادلات الإدارة الحديثة يعني قطع سلاسل المعارف الشفهية وانقراض أشكال الذاكرة الجماعية.
لكن المجتمعات ليست متلقياً سلبياً؛ ففي مواجهة محاولات التنميط، تبتكر الجماعات أشكالاً من المقاومة الثقافية عبر التشبث باللغة الأم داخل الأسرة، وإنتاج الذاكرة المحلية، والإبداع الموازي. تصبح هذه الممارسات اليومية شكلاً من أشكال «مقاومة النسق»؛ ترفض احتكار المركز للمجال الرمزي، وتدافع عن حق الجماعات في امتلاك أدوات تعبيرها الخاصة.
ولا يكمن الحل في إلغاء اللغة الرسمية المشتركة، بل في التخلي عن فكرة أن الوحدة الوطنية لا تتحقق إلا بالتجانس اللغوي التام. فالتاريخ يثبت أن التعدد لم يكن يوماً نقيضاً للتماسك الاجتماعي، بقدر ما يكون الإقصاء مصدراً للاغتراب والتوترات.
من هنا تبرز الحاجة إلى مفهوم «العدالة اللغوية»؛ وهي لا تعني بالضرورة تماثل الوظائف لكل اللغات، بل تعني الاعتراف بالتنوع، وألا يتحول الاختلاف اللساني إلى سبب للتمييز أو الحرمان. إن الدولة القوية هي التي تستطيع إدارة تعدد أصوات مواطنيها دون إقصاء أو إذعان.
إذن الهوية ليست معطىً ثابتاً يصدر بقرار إداري، بل هي سيرورة تاريخية واجتماعية متحركة. ولذلك، فإن إعادة الاعتبار للتعددية اللغوية هي ضرورة معرفية وأخلاقية؛ فحماية اللغة تعني حماية حق الإنسان في تسمية عالمه بلغته، والمشاركة في المجال العام دون تنكر للجذور.
وحراسة الهوية لا تتحقق بإنشاء الأسوار حول لغة واحدة، بل ببناء فضاء تتجاور فيه اللغات على قاعدة الاعتراف والاحترام المتبادل، ليصبح الوطن جسراً للتواصل لا نسقاً مغلقاً يطالب الجميع بالتشابه.
|