|
القاهرة 29 أكتوبر 2026 الساعة 05:24 م

كتبت: نهاد إسماعيل المدني
على هامش معرضها الذي افتتح ظهر الأحد الماضي بقاعة الفنون بكلية الفنون الجميلة، التقت "مصر المحروسة" بالفنانة التشكيلية جوليت فايد، لنخوض معها رحلة مختلفة في عوالم أديب نوبل نجيب محفوظ، حيث تتجسد الحارة المصرية والأزقة العريقة عبر تقنية "الصناديق الضوئية" والطبقات الورقية المفرغة بالليزر.
تتحول الحارة المصرية في أدب نجيب محفوظ من مجرد إطار جغرافي إلى كائن حي يتنفس، يُختزل في شوارعه وأزقته صراعُ الإنسان وأحلامه وذاكرته. وفي هذه التجربة الفنية المتفردة، يُنسج حوارٌ بصريٌ ساحر بين النص الأدبي والفن التشكيلي المعاصر؛ حيث تنبعث عوالم الأديب العظيم من جديد، لا عبر الكلمات ولا الرسم التقليدي المسطح، بل من خلال "فن الورق المضيء" (Shadow Boxes).
عبر متوالية من الطبقات الورقية المفرغة بدقة متناهية، يتمازج التفكير الرقمي عبر Photoshop مع بأس تقنية القص بالليزر وحساسية الصنعة اليدوية؛ ليتشكل الفضاء المعماري للحارة وتتجسد ملامح صاحب نوبل وسط مظلات الضوء والظل.
• كيف بدأتِ تحويل عوالم نجيب محفوظ الروائية والحارة المصرية إلى مجسمات بصرية من الورق المضيء؟ وما الذي يمثله لكِ هذا الأديب العظيم؟
بدأت الفكرة من انجذابي الشديد إلى العالم البصري والإنساني الذي أبدعه نجيب محفوظ في رواياته؛ ذلك العالم الذي تتداخل فيه الحارة المصرية بتفاصيلها المعمارية والإنسانية، وتتحول فيه الأماكن إلى ذاكرة حية تحمل حكايات البشر وأحلامهم وصراعاتهم. لم أتعامل مع رواياته باعتبارها نصوصًا أدبية فحسب، وإنما بصفتها عوالم ثرية بالصورة والرمز والضوء، تحمل إمكانات تشكيلية واسعة.
ومن هنا جاءت رغبتي في إعادة قراءة أغلفة رواياته وتقديمها بصياغة بصرية معاصرة، من خلال تقنية القص بالليزر وبناء طبقات ورقية متراكبة داخل صناديق ضوئية؛ بحيث لا تظل الصورة سطحًا مسطحًا، بل تتحول إلى فضاء له عمق وامتداد، وتصبح الإضاءة عنصرًا أساسيًا في استحضار روح المكان.
أما نجيب محفوظ، فيمثل لي قيمة إنسانية وإبداعية استثنائية؛ فهو لم يكتب عن الحارة المصرية باعتبارها مكانًا جغرافيًا فقط، بل جعل منها صورة مصغرة للحياة بكل تناقضاتها وتحولاتها. وأرى أن إعادة تقديم عوالمه بصريًا هي محاولة للحوار مع أدبه بلغة الفن التشكيلي، واستكشاف ما يمكن أن تمنحه التكنولوجيا الحديثة لذاكرتنا الثقافية من رؤى جديدة.
• كيف توظفين برنامج (Photoshop) والقص بالليزر للتحكم في العمق والظل والنور؟ وكيف توازنين بين الصنعة اليدوية والتقنية الحديثة؟
أتعامل مع التقنية الرقمية باعتبارها أداة للتفكير والتشكيل، وليست مجرد وسيلة للتنفيذ. تبدأ العملية بتحليل التكوين البصري للعمل، ثم إعادة بناء عناصره رقميًا باستخدام برنامج Photoshop، مع فصل المشهد إلى طبقات مستقلة وفقًا لعلاقات العمق والمنظور والتداخل بين العناصر.
بعد ذلك، تُجهز الملفات بما يتناسب مع متطلبات القص بالليزر، مع مراعاة دقة التفاصيل، والمسافات الفاصلة بين الأجزاء، وسمك الورق، وطبيعة كل طبقة. وتُرتب الطبقات عند التجميع بحيث تنشأ مسافات مدروسة بينها تسمح بتكوين عمق بصري حقيقي، وتنتج عنها ظلال متغيرة بحسب مواضع العناصر ومصادر الإضاءة.
أما الإضاءة الخلفية، فهي جزء أصيل من البناء التشكيلي للعمل منذ المراحل الأولى للتصميم، وليست إضافة نهائية؛ إذ أدرس نفاذ الضوء عبر الورق والفراغات المفرغة، وأختبر درجات السطوع وتوزيعه بما يخدم التكوين.
كما أحرص على أن تظل للصنعة اليدوية مكانتها الرائدة في مراحل التجميع والتثبيت وضبط المسافات والتفاصيل؛ فالتكنولوجيا تمنحني الدقة والقدرة على معالجة مستويات معقدة من التكوين، بينما تمنحني الممارسة اليدوية الحساسية اللازمة لإخراج العمل في صورته النهائية. ومن هذا التفاعل تتشكل لغة بصرية تجمع بين إمكانات التقنية وروح العمل الفني المصنوع بعناية.
• كيف تدرسين توجيه الإضاءة والظلال لإيصال الحالة المزاجية والروح المعمارية لكل لوحة؟
أتعامل مع الضوء بوصفه عنصرًا دراميًا وتعبيريًا يشارك في بناء المعنى، وليس مجرد وسيلة لإظهار التفاصيل. فالضوء قادر على تغيير إدراكنا للمكان، ومنح العناصر درجات مختلفة من الحضور، كما يمكنه أن يستدعي حالات نفسية مرتبطة بالذاكرة والحنين والغموض.
في أعمال «حواري نجيب محفوظ»، أدرس العلاقة بين الإضاءة والبناء المعماري، وبين الفراغات المضيئة والمناطق التي تحتفظ بقدر من العتمة. فالنوافذ -على سبيل المثال- لا تؤدي وظيفة معمارية فقط، بل يمكن أن تتحول إلى نقاط ضوئية تستحضر الحياة داخل البيوت، بينما تمنح الظلال المتراكبة الأزقة والمباني إحساسًا بالعمق والامتداد.
أما في البورتريه، فتختلف المعالجة وفقًا لموقعه داخل التكوين وعلاقته بالعناصر المحيطة به؛ إذ أسعى إلى تحقيق توازن بين وضوح الملامح واندماج الشخصية في العالم الروائي الذي تستحضره اللوحة.
تعتمد هذه المرحلة بالكامل على التجريب واختبار مصادر الضوء وشدته والمسافات بين الطبقات، لأن أي تغيير بسيط قد يؤثر في طبيعة الظلال وفي الإحساس العام بالعمل. وفي النهاية، أبحث عن إضاءة لا تكشف الصورة فحسب، بل تمنحها روحًا وحضورًا إنسانيًا.
• كيف تختارين وتوزعين العناصر السردية داخل مساحة اللوحة الواحدة؟
تبدأ عملية التكوين من تحديد الفكرة الأساسية التي أريد إبرازها، ثم البحث عن العلاقات البصرية التي تستطيع التعبير عنها. فالبورتريه، والمباني، والشخصيات، والأشجار، والنوافذ، ليست عناصر منفصلة أضيفها إلى اللوحة، وإنما مكونات تدخل في بناء سرد بصري متكامل.
أحرص على أن يكون لكل عنصر دور محدد داخل التكوين؛ فهناك عناصر تمثل مركز الثقل البصري، وأخرى تؤدي دورًا مكملًا أو رابطًا بين مستويات الصورة. كما أدرس التوازن بين الكتل والفراغات، وبين التفاصيل الدقيقة والمناطق الأكثر هدوءًا، حتى لا يفقد العمل وحدته نتيجة كثرة العناصر.
تكتسب الأشجار والعناصر المعمارية أهمية خاصة؛ لأنها لا تسهم في تحديد المكان فحسب، بل تساعد أيضًا على خلق إيقاع بصري يربط بين المقدمة والخلفية، ويمنح التكوين امتداده المكاني.
وأتعامل مع توزيع الطبقات باعتباره وسيلة لتنظيم الحكاية داخل العمل، بحيث تنتقل عين المشاهد بين مستويات الصورة تدريجيًا، وتكتشف في كل مستوى تفاصيل جديدة. وهكذا يصبح العمل أقرب إلى مشهد روائي مفتوح، يستطيع المتلقي أن يقرأه بصريًا، وأن يبني علاقته الخاصة بما يراه.

• ما أبرز الصعوبات التقنية التي تواجهينها أثناء تصميم وتفريغ الطبقات الورقية الدقيقة؟ وكيف تتغلبين عليها؟
من أبرز التحديات تحقيق التوازن بين دقة التفاصيل ومتانة الورق؛ فكلما زادت دقة التفريغات -خاصة في الزخارف المعمارية والإسلامية وتفاصيل الوجوه- أصبحت الأجزاء المتبقية أكثر حساسية وقابلية للتأثر أثناء القص والتجميع.
وهناك أيضًا تحديات تتعلق بسمك الورق، ومدى ملاءمته لنوع التفاصيل، وضبط إعدادات الليزر، وتجنب الاحتراق الزائد أو تغير لون الحواف، فضلًا عن ضمان ثبات الطبقات والحفاظ على انتظام المسافات بينها.
وللتغلب على هذه الصعوبات، أعمل على تبسيط بعض التفاصيل دون الإخلال بهويتها البصرية، وإعادة ضبط الخطوط والمساحات الدقيقة في التصميم الرقمي، مع إجراء اختبارات للقص قبل تنفيذ النسخة النهائية. كما أراعي طبيعة الورق عند توزيع التفاصيل، وأحدد نقاط الارتكاز والتثبيت بطريقة تحافظ على تماسك كل طبقة.
ولا تتوقف الصعوبة عند مرحلة القص، بل تمتد إلى عملية التجميع؛ لأن ترتيب الطبقات والمسافات الفاصلة بينها يؤثران مباشرة في الظلال الناتجة وفي جودة الإضاءة. ولذلك أتعامل مع كل مرحلة باعتبارها جزءًا من عملية تشكيل متكاملة تتطلب الدقة والصبر والتجريب المستمر.
• كيف توازنين بين أمانة النص الأدبي وحرية الخيال التشكيلي البصري؟
أرى أن العلاقة بين الأدب والفن التشكيلي تقوم على الحوار، وليس على النقل الحرفي. فالنص الأدبي يمتلك لغته وأدواته في بناء الشخصيات والأحداث والأمكنة، بينما يمتلك الفن التشكيلي وسائل أخرى للتعبير تعتمد على الخط والكتلة واللون والضوء والفراغ.
لذلك لا أسعى إلى تحويل الرواية إلى صورة توضيحية تشرح أحداثها، وإنما أحاول استلهام عالمها وإعادة قراءته من منظور تشكيلي. وأعتبر أغلفة الروايات نقطة انطلاق مهمة؛ لأنها تحمل بالفعل رؤية بصرية مرتبطة بالنص، لكنها تتيح أيضًا مجالًا لإعادة التأويل والتجريب.
تظل أمانة العمل الأدبي حاضرة من خلال الحفاظ على الروح العامة للعالم الروائي، وعلى ما يحمله من دلالات إنسانية وثقافية، دون أن يعني ذلك التقيد الحرفي بكل تفاصيله. أما الخيال التشكيلي، فيمنحني حرية إعادة تنظيم العناصر وتطوير علاقاتها، والاستفادة من إمكانات الضوء والطبقات لإنتاج تجربة بصرية جديدة.
وأعتقد أن نجاح هذا الحوار يتحقق عندما يحتفظ العمل بقدرته على استدعاء روح النص الأدبي، وفي الوقت نفسه يمتلك استقلاله بوصفه عملًا فنيًا له لغته الخاصة. وهنا تتحول الرواية من نص مقروء إلى تجربة بصرية ومكانية يعيشها المتلقي أمام العمل.
• بعد معرض «حواري نجيب محفوظ»، ما المشاريع أو المحاور القادمة التي تتمنين تجسيدها بتقنية الورق المضيء؟
أطمح إلى مواصلة البحث في إمكانات تقنية القص بالليزر والورق المضيء، ليس فقط من الناحية الجمالية، وإنما أيضًا من حيث قدرتها على تقديم رؤى معاصرة للتراث الثقافي والأدبي المصري.
أفكر في استكشاف عوالم أدبية وتاريخية أخرى يمكن إعادة صياغتها من خلال البناء الطبقي والضوء والظل، مع الاهتمام بالعمارة المصرية والذاكرة الشعبية والرموز البصرية التي تشكل جزءًا من هويتنا الثقافية.
كما أسعى إلى تعميق الجانب البحثي المرتبط بممارستي الفنية، من خلال دراسة العلاقة بين التكنولوجيا الرقمية والفلسفة الجمالية للعمل الفني، وكيف يمكن للتحول من الصورة الرقمية المسطحة إلى التكوين المجسم المضيء أن يغير من إدراك المتلقي للعمل وعلاقته به.
بالنسبة لي، فإن مشروع «حواري نجيب محفوظ» ليس نهاية تجربة، بل خطوة في مسار بحثي وفني مستمر، أحاول من خلاله اكتشاف آفاق جديدة تجمع بين الفكر والتقنية والحس الجمالي. وأتمنى أن أستطيع تقديم أعمال تجعل الضوء وسيطًا لاستحضار الذاكرة، وتمنح الورق البسيط قدرة على بناء عوالم تحمل من العمق الإنساني والجمالي ما يتجاوز مادتها.

|