|
القاهرة 27 أكتوبر 2026 الساعة 02:38 م

بقلم: إيناس محمد عتمان
حين نترك صخب العاصمة ونتجه جنوباً نحو أدب الأقاليم، نجد أن السرد لا يتكئ على جغرافيا المكان لمجرد الزينة، بل يتحول الريف الصعيدي إلى مسرح كاشف لعمق الهوية المصرية وتحولاتها النفسية والاجتماعية العنيفة، وهو ما يتجلى بعبقرية في رواية "خالتي صفية والدير" للأديب بهاء طاهر.
الرواية تنقلنا إلى عمق قرية جنوبية تعيش على إيقاع الفطرة والجيرة، لتصطدم فجأة بغول "الثأر" الذي يهدد باقتلاع الأخضر واليابس، مما يجعل من النص مرآة كاشفة لواقعنا المعاصر الذي يقع أحياناً أسيراً للصراعات الضيقة والتعصب الأعمى الذي يهدد السلم الإنساني في الشارع.
تكتسب الرواية قيمتها التنويرية من موقف "الدير" وموقف القرية؛ حيث يلوذ "حربي" المسحوق والمطارد بالثأر إلى جدران الدير المسيحي، ليجد الأمان والحماية لدى الرهبان وسط بيئة مسلمة بالكامل، في لوحة إنسانية مذهلة تثبت أن أدب الأقاليم يملك قدرة فائقة على صياغة مفاهيم التعايش والمواطنة بشكل فطري وعميق يتجاوز الخطب والشعارات الرنانة.
ويتضح هذا التلاحم الروحي الجميل في الرواية حين يصف الراوي الصغير طبيعة العلاقة الفطرية بين أهل القرية والدير بقوله:
«كانت تجوز علينا الأيام والشهور لا نذكر فيها أننا مسلمون وأنهم مسيحيون.. لم نكن نعرف هذه الكلمات».
وحين يتجلى التسامح في أبهى صوره الحوارية على لسان المقدس بشاي وهو يدافع عن حماية حربي بالدير قائلاً:
«أتعلم يا حنين أن مخلصنا غسل قدم يهوذا في ليلة العشاء الأخير؟».
هذا التلاحم الفطري يفتت نسيج الكراهية الذي تحاول بعض الكيانات زرعه في الوعي المعاصر، ويؤكد على الأصالة الكامنة في جينات المواطن المصري في المحافظات والقرى البعيدة.
إن إسقاط واقع رواية بهاء طاهر على عصرنا الراهن يضعنا أمام مواجهة حتمية مع قضايا العنف الفكري والمادي؛ فالتسامح الفطري الذي حمت به القرية والدير حربي هو ذاته الترياق الذي يحتاجه المجتمع اليوم لمواجهة أزمات الغلاء والضغوط الاقتصادية التي تدفع بالناس نحو العصبية والتوتر.
فالتمسك بقيم الجيرة والتكافل الاجتماعي في الأقاليم هو الحصن الأخير للحفاظ على الدفء الإنساني في مواجهة جفاف الماديات المتسارعة وتحديات العصر المعاصر التي تحاول تسليع العلاقات وتحويل الشارع إلى ساحة للمنافسة الشرسة والأنية الضيقة.
وتصل الرواية إلى ذروة مكاشفتها الفلسفية حين تموت صفية كمداً بانتصار العفو وانكسار رغبتها الشرسة في الدم، ليتحول الدير والقرية إلى شهود على انتصار الحياة.
إن هذه الخاتمة تعيد تعريف النصر والقصاص في الوعي الإنساني؛ فالموت كمداً يثبت عبثية الانتقام، ويعكس الحقيقة المرة التي ترويها أسطورة القرية عن بيوت الثأر المهجورة كما ورد في نص الرواية:
«أنا يا ولدي مثل النخلة العويل التي لا تطرح البلح ولا ترمي الظل، أنا انتهيت من زمن ولكن الموت يعاندني».
لتصبح هذه الرؤية الفكرية الفخمة هي البيان التأسيسي لسلسلتنا الجديدة، مؤكدة أن نبض مصر الحقيقي يكمن في عمق أقاليمها وقراها التي تحفظ سر البقاء والرحمة والتسامح الشريف العابر للزمن والمحفوظ في صدور البسطاء من الناس.
|