|
القاهرة 27 أكتوبر 2026 الساعة 09:49 ص

بقلم: د. هويدا صالح
في عالم تتسع فيه الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وتتزايد فيه قدرة رأس المال على التأثير في السياسات العامة وتوجيه مسارات الاقتصاد، تعود أسئلة العدالة الاجتماعية إلى صدارة النقاش الفلسفي والسياسي: هل يمكن الدفاع عن الحرية الفردية من دون التسليم بالتفاوتات الاقتصادية والاجتماعية؟ وهل تقتضي المساواة التضحية بحرية الفرد، أم أن الحرية نفسها تفقد معناها حين يُحرم بعض الناس من الموارد التي تمكّنهم من ممارسة حقوقهم والاختيار بين فرص الحياة المتاحة؟
هذه الأسئلة هي المدخل الأساسي لقراءة كتاب الباحث المصري محمد عبده أبو العلا،"الحرية والمساواة في الفكر السياسي المعاصر.. دراسة في الليبرالية الاجتماعية عند رونالد دوركين"، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. فالتناول لا يكتفي بعرض أفكار أحد أبرز فلاسفة السياسة المعاصرين، بل يغوص في إشكالية مركزية بقلب الفكر الليبرالي: كيف يمكن بناء تصور للعدالة يضمن الحرية الفردية، من دون أن يجعل المساواة الاجتماعية ضحية لآليات السوق أو لهيمنة الملكية الخاصة؟ مستنداً في ذلك إلى فلسفة الأمريكي رونالد دوركين، الذي سعى إلى تجاوز التعارض التقليدي بين الحرية والمساواة، وبلورة تصور للعدالة لا يضع إحدى القيمتين في مواجهة الأخرى، بل ينطلق من تكاملهما في مواجهة سياسات نيوليبرالية أعادت الاعتبار لحرية السوق وتقليص الدولة، تاركة قطاعات واسعة تواجه تفاوتات لا تقوى الإرادة الفردية وحدها على قهرها.
لقد احتلت العلاقة بين الحرية والمساواة موقعًا محوريًا في تاريخ الفكر السياسي الحديث؛ فارتبطت الليبرالية بالدفاع عن استقلال الفرد وحقوقه، بينما سعت التيارات الاشتراكية للحد من التفاوت. ومع تطور الفكر، ترسخ لدى بعض الفلاسفة أن توسيع المساواة يستلزم تقييد الحرية، وأن حماية الحرية الاقتصادية تقتضي القبول بعدم المساواة. غير أن دوركين يرفض هذا التعارض؛ فالحرية لا تعني ترك الأفراد لمصائرهم في ظل تفاوتات مادية مسبقة، والمساواة لا تعني إلغاء استقلال الفرد. من هنا تكتسب "الليبرالية الاجتماعية" أهميتها؛ فهي تحافظ على جوهر الحقوق الفردية مع الاعتراف بأن العدالة لا تحقُّق بمجرد الإعلان النظري عن المساواة القانونية، طالما أن الفوارق في الموارد والقدرات تحول دون التمتع الفعلي بفرص متقاربة، لتصبح المساواة بذلك شرطًا وليست نقيضًا للحرية الحقيقية.
ولفهم خصوصية مشروع دوركين، يضع الكتاب نظريته في سياق الحوار الفلسفي الدائر بين جون رولز وروبرت نوزيك. فبينما قدم رولز في "العدالة بوصفها إنصافًا" تصورًا يعطي الأولوية للأقل حظًا دون التخلي عن الحريات الأساسية، دافع نوزيك في "الفوضى والدولة واليوتوبيا" عن استحقاق الأفراد لحيازاتهم رافضاً أي تدخل لإعادة توزيع الثروة. وهنا يتحدد موقع دوركين الذي لا يقبل تبرير التفاوتات باسم الملكية المطلقة، ولا يجعل المساواة ذريعة لإهدار استقلال الفرد، مطوراً نظرية تجعل "المساواة في الموارد" محورًا يربط التوزيع العادل بمسؤولية الأفراد عن اختياراتهم.
هذا التصور يقوم على أن المجتمع العادل هو الذي يعامل كل فرد باهتمام واحترام متساويين، ويُتيح له موارد تُمكِّنه من رسم مسار حياته. وهنا يبرز الفارق بين المساواة الشكلية وتلك التي تعالج الشروط الفعلية للحياة؛ فالسوق بمفرده لا يضمن فرصًا عادلة لغياب التكافؤ في عوامل النشوء والصحة والقدرات الطبيعية. ومن ثم، لا يُعد تدخل الدولة للحد من التفاوتات اعتداءً على الحرية الاقتصادية، بل شرطًا لتمكين الأفراد من ممارستها باستقلال حقيقي عبر آليات تعويضية كتنظيم التأمين الاجتماعي والدعم والخدمات العامة.
وهذا يقودنا إلى تلمس حدود السوق الحرة وقدرتها وحدها على تحقيق العدالة؛ فالرأسمالية لا تضمن تلقائيًا توزيعًا عادلًا، وتحويل آلياتها إلى معيار وحيد للاستحقاق يتجاهل أن هناك تفاوتات ناشئة عن ظروف لم يخترها الأفراد. وعليه، فإن نقد الرأسمالية المتوحشة لا يستلزم إنكار المبادرة الفردية، بل يرفض إعفاء المؤسسات من المساءلة الاجتماعية، مؤكدًا أن الحرية الحقيقية ترتبط بوجود مساحة فعلية يستطيع الإنسان داخلها اتخاذ قراراته بمعزل عن الإكراه الذي تفرضه الحاجة أو التبعية.
تضيف دراسة محمد عبده أبو العلا عمقًا استثنائيًا لقراءة حدود تدخل الدولة، وعدالة توزيع الثروة، ومسؤولية المجتمع عن التفاوتات. فمواجهة الرأسمالية المتوحشة لا تبدأ بإنكار السوق، بل برفض إخضاع العدالة الاجتماعية لمنطق البيع والشراء وحده، لكي تعود المساواة في الاهتمام والاحترام مبدأً حاكمًا للسياسات العامة، فتتكامل حماية الحقوق الفردية وتوفير الفرص العادلة في إطار مجتمعي يصون كرامة الإنسان وحريته الحقيقية.
|