|
القاهرة 20 أكتوبر 2026 الساعة 11:34 ص

بقلم: إيناس محمد عتمان
حين تتجه البوصلة النقدية نحو مدن القناة وتحديداً جغرافيا السرد في بورسعيد عبر قلم قاسم مسعد عليوة، نكتشف أن أدب الأقاليم يملك نبرة ملحمية خاصة، تحول الذاكرة المحلية والنزوح إلى قضية وجودية كبرى تمس جينات المواطن وتكشف عن آليات دفاعه الفطرية في مواجهة المأساة العنيفة والتحولات المعاصرة للشارع.
ثلاثية بورسعيد للروائي الراحل قاسم مسعد عليوة الأعمال التالية:
• رواية الغزالة
• رواية هانم
• كتاب المدينة الاستثناء (قراءة مورفولوجية لمدينة بورسعيد)
تفتح الرواية كشوف الحياة على مرحلة الحرب والتهجير، حيث يضطر أبناء بورسعيد لترك بيوتهم الخشبية العتيقة ومرفأ البحر والنزوح كمغتربين نحو محافظات الدلتا والصعيد، ليعيشوا تجربة شتات مؤقتة تختبر صلابتهم وأصلهم الطيب.
مما يجعل من النص مرآة كاشفة وصادمة لواقعنا المعاصر الذي تموج فيه الشوارع بالضغوط المعيشية وتحديات المعيشة الشرسة التي تفرض على الأسر المعاصرة قلقاً يومياً وبحثاً مستمراً عن الاستقرار النفسي والمادي، مجاهدين لحماية بنيانهم العائلي من التفكك والانفراط أمام طوفان الماديات المتسارع.
وتكتسب الرواية قيمتها الفكرية والشرعية العظمى من خلال تشريح لغة العودة والتشبث؛ فالمهجرون في منافيهم المؤقتة لا يذوبون في مجتمعاتهم الجديدة بل يظلون يحملون بورسعيد في وجدانهم كعقيدة حية، ويبنون وعيهم الفطري بأهمية التضامن البشري والتكافل الاجتماعي والمواطنة الحقيقية.
ويتضح هذا التماسك المر الشامخ بوضوح في السرد الأدبي الذي يوثق حشرجة الشوق في قلوب المغتربين؛ إذ كانوا يتحركون في مدن النزوح وعيونهم ترنو دائماً نحو الشمال، يستنشقون ذكريات الملح واليود في هواء المدن الغريبة، ويحملون مفاتيح بيوتهم المهدمة خلف القناة في صدورهم كأحراز مقدسة، ممتثلين ليقين فطري بأن غياب الجسد عن البحر ليس موتاً بل هو انتظار صامد ليوم تعود فيه السفائن وتورق فيه البيوت المهدمة من جديد بفضل وعي سواعد أبنائها التي ترفض الانكسار أو التهميش.
هذا الوجع الإنساني يضع اليد مباشرة على الأصالة الكامنة في جينات المواطن المصري في المحافظات والأقاليم، ذلك الذي يستمد وعيه من تمسكه بأخلاقه الرفيعة التي ترفض الاندثار والذوبان.
إن إسقاط واقع هذه التجربة الملحمية لمدن القناة على عصرنا الراهن يجدد الوعي بأهمية التراحم الإنساني العابر للمصالح المادية الضيقة ونشر قيم التسامح والعدالة الثقافية والاجتماعية للفئات الكادحة؛ فالشتات النفسي والاجتماعي الذي عاشه أبطال قاسم مسعد عليوة في منافيهم هو ذاته ناقوس الخطر الفكري الذي يدفعنا اليوم للاهتمام بنشر التنوير وزيادة الدعم المتبادل لمواجهة ضغوط العصر الرقمي والمادي التي تدفع بالأفراد نحو الأنانية والتباعد، فالاعتراف بقيمة الجذور وحمايتها في الأقاليم هو الحصن الأخير لحفظ كرامة الإنسان وحفظ الكرامة الإنسانية الفطرية.
وتصل الرواية إلى ذروة مكاشفتها الفلسفية الشامخة حين تضع الحرب أوزارها ويعود الأهالي ليرفعوا الأنقاض ويبنوا مدينتهم من جديد بكبرياء لا يلين، ليعرف القارئ أن الأثر الباقي للإنسان لا تصنعه جغرافيا المكان وحدها بل تصنعه إرادة البقاء ونزاهة المبدع الذي يرفض الزيف وينتصر للحرية وللحياة الكريمة.
إن أدب القناة يبرهن في ختامه على أن الجذور الممتدة على شاطئ البحر لا يمكن للحروب اقتلاعها، وأن الوعي الحر الذي يتولد من رحم المقاومة يظل علامة ناصعة ترشد الأجيال القادمة.
لتكون هذه العودة الملحمية إلى شاطئ بورسعيد هي الانتصار الفعلي لقيم الصمود والتشبث بالأصول البكر، وتؤكد أن السرد الذي يخرج من وجدان مدن المقاومة يظل قادراً على منحنا البصيرة والقدرة لترميم شروخ الحاضر بقلم بشري مخلص لا تغير الأيام نقاء تعبيره الأصيل.
|