|
القاهرة 13 أكتوبر 2026 الساعة 11:18 ص

كتبت: أميرة عز الدين
إن تطور المسرح الأوروبي فيما بعد عصر النهضة لم يقف عند إعادة الاهتمام بالإنسان؛ وفتح المجال للتعبير عن الصراع والرغبة والطموح والسلطة، بل ظل يعيد النظر في أدوات المسرح وحقيقة وظيفته وعلاقته بالجمهور، وفي هذا المسار ظهر "ويليام شكسبير" بوصفه نموذجًا بارزًا للمسرح في ذلك العصر ، ثم جاء بعده بقرون "برتلوت بريخت" بوصفه نموذجًا آخر من المسرحيين الذين أعادوا التفكير في وظيفة المسرح وعلاقة المتفرج بالعرض.
عاش "ويليام شكسبير" (1564–1616) في عصر ازدهار المسرح الإنجليزي، ولم يلتزم بقالب مسرحي واحد؛ بل قدم أعمالًا متنوعة بين التراجيديا والكوميديا والمسرحيات التاريخية، كما تميز أسلوبه بتعدد مستويات الصراع والتنقل بين الصراع الخارجي والعالم الداخلي للشخصية، واستخدام الحوار الشعري والمونولوج للكشف عن الدوافع والأفكار والهواجس، واعتمد كذلك على تعدد الخطوط الدرامية وتداخلها، وعلى المفارقة وسوء الفهم والتنكر في الكوميديا، بينما اتسمت تراجيدياته بعمق الصراع النفسي والأخلاقي. ونلاحظ مواصلته تقديم التراجيديا القائمة على إثارة الخوف والشفقة وتحقيق الأثر العاطفي في المتفرج على الطريقة الأرسطية وفلسفة التطهير، لكنه قدم العالم النفسي للشخصيات وصراعاتها الإنسانية المعقدة بعمق وواقعية أكبر، فصار التأثير الوجداني جزءًا من تجربة مسرحية أكثر ثراءً وتنوعًا.
يظهر ذلك في "هاملت"، حيث كان الصراع الداخلي للشخصية جزءًا أساسيًا من تطور الحدث، وفي "ماكبث"، حيث تناول علاقة الطموح بالسلطة والجريمة والانحرافات النفسية، بينما يتداخل الصراع العائلي مع أسئلة السلطة والعدالة والخيانة في "الملك لير"، كذلك في الكوميديا قدم تداخلًا بين علاقات الحب وعالم الجنيات والحرفيين في "حلم ليلة صيف"، فتولدت الكوميديا من المفارقات وسوء الفهم والتنكر وتداخل الحكايات.
وهكذا وسع "شكسبير" إمكانات المسرح في تقديم التجربة الإنسانية من خلال الجمع بين الحدث الخارجي والعالم الداخلي للشخصية، وإتاحة مساحة واسعة للتناقضات النفسية والأخلاقية والسياسية داخل البناء الدرامي.
لكن بعد "شكسبير" بقرون؛ وفي ظل تحولات اجتماعية وفكرية وفنية كبرى، ظهرت أسئلة جديدة حول وظيفة المسرح وعلاقته بالمتفرج. وكان "برتلوت بريخت" واحدًا من أبرز من أثروا في الفعل المسرحي برؤى مختلفة امتد تأثيرها إلى المسرح حتى يومنا هذا.
ولد "بريخت" عام 1898 وتوفي عام 1956، وارتبط اسمه بالمسرح الملحمي ومفهوم التغريب؛ حيث يقوم المسرح الملحمي على تقديم الحكاية بوصفها سلسلة من الأحداث والمواقف التي يمكن للمتفرج أن يتأملها ويناقشها بدلًا من أن يعيشها بوصفها واقعًا مغلقًا أمامه، فالهدف الاساسي من الفعل المسرحي لدى "بريخت" لم يكن دفع المتفرج إلى الاندماج الكامل مع الشخصية وانتظار مصيرها، وإنما إبقاؤه واعيًا بما يشاهده وقادرًا على اتخاذ موقف منه، لذلك لجأ بريخت إلى السرد والتعليق، وتقسيم العرض إلى مشاهد أو لوحات مستقلة نسبيًا، واستخدام العناوين والأغاني التي قد تعلق على الحدث بدلًا من أن تكتفي بعرضه.
أما التغريب، فيعني تقديم الموقف المألوف بطريقة عير مألوفة أو معتادة ليبدو جديدًا وغير بديهي، فيتوقف المتفرج عن تقبله باعتباره أمرًا طبيعيًا ويبدأ في التفكير فيه، أي أن "بريخت" كان يهدف دائمًأ إلى أن يذكر المتفرج طوال الوقت أن ما يراه هو مجرد بناء مسرحي يمكن النظر إليه وتحليله، ومن هنا يرتبط التغريب بمفهوم كسر الإيهام، فلا يسعى العرض إلى إخفاء الحدود المسرحية وإقناع المتفرج بأنه أمام واقع حقيقي، بل قد يكشف أدواته وعملياته، ويمكن أن يحدث ذلك من خلال مخاطبة الجمهور مباشرة، أو استخدام السرد، أو ظهور الممثل بوصفه راويًا إلى جانب كونه شخصية، أو استخدام الأغنية والتعليق، أو الانتقال بين المشاهد بطريقة تكشف البناء المسرحي، وبهذه الأدوات يصبح المتفرج أمام الحدث وليس بداخله، ومطالب أيضًا بالتفكير في أسبابه والظروف الاجتماعية والتاريخية التي أدت إليه، وفي إمكانية أن يكون الواقع على نحو آخر.
ويظهر ذلك في "الأم شجاعة وأبناؤها" التي كتبها "بريخت"عام 1939، حيث لم تكن الحرب مجرد خلفية للأحداث؛ بل كانت نظامًا اجتماعيًا واقتصاديًا يؤثر في مصائر الشخصيات. وفي "دائرة الطباشير القوقازية" حيث يطرح "بريخت" من خلال قصة جروشا والطفل أسئلة حول العدالة والملكية والأمومة والحق، أي أنه استخدم الفعل الدرامي كوسيلةً لطرح أسئلة تتجاوز مصير الشخصيات إلى المجتمع والواقع خارج خشبة المسرح.
هنا يمكن فهم التحول في علاقة المسرح بالمتفرج. فلم يكن "شكسبير" صاحب مفهوم التطهير الذي كان "أرسطو" أول من نظر إليه، لكنه ورث تقاليد التراجيديا وطورها، فجعل المتفرج يعيش أزمات الشخصيات ويتفاعل وجدانيًا مع مصائرها، وهو ما يظهر بوضوح في تراجيدياته، حيث تتكامل الحكاية والشخصية والصراع لتكوين تجربة مسرحية عاطفية وفكرية، أما "بريخت" فيعيد تشكيل هذه العلاقة من خلال المسرح الملحمي والتغريب وكسر الإيهام، فيحول دون الاندماج الكامل، ويجعل المتفرج أكثر وعيًا بطريقة تقديم الحدث وبالظروف التي تحيط بالشخصيات. ومن هنا يتحول المسرح من التركيز على الأثر التطهيري والانفعال بمصير الشخصية إلى تحفيز المتفرج على رد الفعل والتفكير في أسباب الحدث وإمكان تغييره.
من "شكسبير" إلى "بريخت"، لم يتوقف المسرح عند إعادة اكتشاف إمكاناته وأدواته وبناء شخصياته، بل تغيرت نظرته إلى كيفية تقديم الحدث وعلاقته بالمتفرج. وانتقل الاهتمام من التأثير في المتفرج إلى مساءلة هذا التأثير نفسه، لذلك ظل المسرح فنًا متغيرًا، يعيد صياغة علاقته بالإنسان كلما تغيرت الأسئلة التي يطرحها الإنسان عن نفسه وعن العالم.
|