|
القاهرة 13 أكتوبر 2026 الساعة 10:37 ص

بقلم: د. هويدا صالح
ليس التاريخ مرآةً محايدة تعكس الماضي بأمانة، بل نصٌّ مثقوب تتساقط من فجواته أسماء نساءٍ شَيَّدن المعنى حين احتكر الرجال مداد التدوين. إن الوثوق بالسجل البشري ضربٌ من السذاجة المعرفية؛ فالأرشيف لم يكن يوماً مخزناً بريئاً للحقائق، بل سلطةً انتقائية تحدد مَن يُخلَّد ومَن يُطوى في غياهب النسيان. وخلف كل سردية رسمية كُتب لها البقاء، أُجهضت آلاف الحكايات الهامشية التي قد تفوق الرواية المعتمدة صدقاً وأصالة.
-
الانتقاء الصامت وجريمة الكتابة بيدٍ واحدة
من هنا، تتجلى المأساة التاريخية الكبرى في «الانتقاء الصامت»؛ إذ لم تكن الجريمة دوماً تزويراً فجاً للوقائع، بل انحيازاً بنيوياً أسقط سرديات المرأة وعزل أثرها في غياهب السكوت.
كُتب التاريخ برؤية أحادية—ذكورية، ونخبوية، ومركزية—تملك ترف الصدق فيما ترويه، وتضمر أقصى درجات العنف الرمزي فيما تغض الطرف عنه. تواطؤٌ غير معلن حوّل التاريخ الرسمي إلى أداة هيمنة، يُتقن التعتيم لا بالمحو الصريح وحده، بل بتنظيم الغياب وصناعة الصمت الممنهج.
بين كل سطرٍ دُوِّن وسطرٍ جرى محوه، تلاشت أصوات نساءٍ أدرن عجلة الإنتاج، وشيدن أركان المدن، ورسمن ملامح العلوم، دون أن يحظين بموطئ قدم على متن الصفحات الكبرى. إن الفجوة في المتن التاريخي ليست "غياباً طبيعياً" يشبه نسيان غرضٍ عابر على منضدة، بل هي حضورٌ مسلوب عن عمد، وإقصاءٌ مؤسسي تراكم عبر قرون من الهيمنة الأبوية لترسيخ مركزية الصوت الواحد.
-
الحداثة وإضفاء الطابع المؤسسي على المحو
يتجلى هذا التناقض الصارخ بأجلى صوره في القرن التاسع عشر؛ ذلك العصر الذي رفع لواء العقلانية ودشّن الحداثة المؤسسية عبر الأرشيفات الوطنية، والموسوعات، ومطابع الجماهير. ففي اللحظة ذاتها التي كانت فيها المرأة تدير الصالونات الفكرية التي بلورت كبرى المدارس الفلسفية الأوروبية، وتترجم وتكتب الروايات متواريةً خلف أسماء ذكورية مستعارة التماساً لـ"مشروعية النشر"، على غرار ما خاضته أوليف شراينر حين وقّعت روايتها الرائدة "قصة مزرعة إفريقية" باسم مستعار لتناقش أسئلة النسوية والوجودية وما بعد الاستعمار. كانت المؤسسة الرسمية تكرّس آليات الحجب، وترغم الكاتبات على التنكر كشرطٍ قسري لعبور أصواتهن إلى العلن.
لقد شهد ذلك القرن ولادة الحركات النسوية المطالبة بحق الاقتراع والتعليم والعمل، غير أن استجابة النسق الأبوي لم تكن الحوار، بل كانت مضاعفة المحو وأرشفة الإسقاط. لم تكن ثقوب الأرشيف في عصر التنوير والثورة الصناعية مجرد عثرات عفوية، بل كانت سياسة ممنهجة تهدف إلى تثبيت إقصاء المرأة داخل البنية الإبستمولوجية للحضارة الحديثة ذاتها.
-
شواهد التعتيم ورحلة الإقصاء :
تتعدد الشواهد التي توثق هذا التغييب على مر العصور، مؤكدة أن مصادرة المنجز المعرفي للمرأة لم تكن حادثة معزولة بل نسقاً متكرراً:
ـ هيباتيا السكندرية (القرن الرابع الميلادي): لم يكتفِ التعصب بسحق جسدها، بل جرى تهميش مشروعها الرياضي والفلسفي الثوري. فلو حازت موقعاً ذكورياً في زمنها، لتحولت أطروحاتها إلى مدرسة فكرية قائمة بذاتها تُدرّس جنباً إلى جنب مع كبار فلاسفة العصر القديم.
ـ الأخوات برونتي (منتصف القرن التاسع عشر): اضطرارهن لنشر أعمالهن الأدبية تحت أسماء رجالية مستعارة (كيورير، وإليس، وأكتون بيل)، كشف عن عطب مؤسسة النشر والنقد التي كانت ترهن "عمق الأدب" وجدّيته بجنس كاتبه، مما استلزم عقوداً طويلة لإنصاف نصوصهن وتطهيرها من الانحياز الجنسي.
ـ روزاليند فرانكلين (القرن العشرين): التقطت "الصورة 51" التي حلت لغز الحلزون المزدوج للحمض النووي (DNA)، ثم سُلب جهدها العلمي ليُمنح كشف القرن جائزةً لواتسون وكريك عام 1962، بينما أُلقي باسمها خارج المتن الاحتفالي لسجل العلوم الصارم.
ـ نشرت الكاتبة الجنوب أفريقية أوليف شراينر (Olive Schreiner) روايتها الرائدة "قصة مزرعة أفريقية» (The Story of an African Farm) عام 1883 تحت الاسم المستعار المذكر "رالف آيرون" (Ralph Iron).
ولم يكن هذا التخفي مجرد تفضيل شخصي أو رغبة في العزلة، بل كان مناورة ذكية وضرورة أملتها شروط عصرها الفكري والاجتماعي، من أجل الإفلات من وصاية وسلطة "عالم النشر الفيكتوري"، ففي القرن التاسع عشر، كان قطاع النشر والمؤسسة النقدية في بريطانيا ينظران بريبة شديدة لأي عمل أدبي جاد يحمل توقيع امرأة. كانت الكاتبات يُحصرن غالباً في إطار "الروايات الرومانسية العاطفية الخفيفة"، وتُحرم أعمالهن من التناول النقدي الرصين. فاختيار اسم مذكر رنّان مثل "رالف آيرون" منح الرواية فرصة متكافئة لتُقرأ وتُقيَّم بجدية وفق قيمتها الأدبية والفلسفية، وليس عبر عدسة الانحياز الجندري.
-
أركيولوجيا الترميم ومسؤولية البصيرة
إن مفهوم "القلم الذي يمسكه غيرهن" لا يحيل إلى فردٍ بعينه، بل يشخص بنية طبقية واجتماعية ومؤسسية كاملة؛ تضافرت فيها أروقة الجامعات المغلقة، ودور النشر التجارية، والمؤسسات الدينية، والأعراف السائدة، لتقليص مساحة المرأة في المجال العام ومصادرة منجزها الفكري.
من هنا، لا تعني استعادة النص ترقيعاً تلفيقياً، ولا اختلاق بطولات وهمية، بل تقتضي عملاً أثرياً (أركيولوجياً) نقدياً:
ـ النبش في الهوامش والمخطوطات المنسية والمراسلات الخاصة والشهادات الشفاهية المهملة.
ـ تفكيك المنهج التاريخي ذاته ومساءلة صمته، بدلاً من مجرد إضافة أسماء جديدة لقوائم لم تتغير معاييرها الأبوية.
ـ التوقف أمام كل رواية تاريخية تبدو مكتملة بسلاسة خادعة، ورفع الوثيقة في مواجهة الضوء لرصد الفراغات وتسمية المساحات المحذوفة عمداً.
إن التاريخ الحقيقي ليس ذلك الذي يكتفي بحفظ ما أرادت السلطة بقاءه، بل هو ذلك الوعي المتيقظ الذي يعترف بثقوبه ويسعى إلى ردم فجواته؛ إنصافاً للذاكرة البشرية المغدورة، وتأسيساً لزمنٍ تمسك فيه الإنسانية جمعاء القلم دون مصادرة أو صمت.
|