|
القاهرة 13 أكتوبر 2026 الساعة 10:26 ص

بقلم: إيناس محمد عتمان
حين نفتح صفحات الرواية الإقليمية لتأمل ملاحم الصمود وصناعة الوعي الفطري في المحافظات والقرى، تقف رواية "الأرض" للأديب عبد الرحمن الشرقاوي كواحد من أعمق السجلات الأدبية التي لم تنقل جغرافيًّا الريف كديكور صامت، بل جعلت من طين الأرض ونبض الحقول شريكاً أساسياً في صياغة مصير الإنسان.
ويتجلى ذلك بعبقرية من خلال تفكيك شخصية الشيخ "محمد أبو سويلم" الذي لم يكتبه السرد ليكون مجرد فلاح يزرع ويحصد، بل صِيغ كرمز حي وجدار صلب يجسد كبرياء المواطن وعلاقته المقدسة بأرضه وجذوره في مواجهة محاولات الاقتلاع والسيطرة والاستغلال الإداري والمادي التي تحاول سلب البسطاء لقمة عيشهم الشريفة وتهميش حقوقهم المشروعة.
تكتسب شخصية أبو سويلم قيمتها الفكرية والنقدية من كونه يرى في الأرض عرضاً ووجوداً لا يقبل المساومة؛ إذ يجد نفسه محاصراً بقرارات جائرة تحاول تقليص حصة القرية من مياه الري وتحويل مسار الطرق لخدمة نفوذ الإقطاع على حساب عرق الفلاحين، لكنه يختار المقاومة والوقوف في صدارة المشهد لحماية لقمة عيش جيرانه وأبناء قريته وسط عالم تموج فيه البيوت بالاضطرابات ويميل إلى تحويل الطموح الإنساني إلى صراع مادي شرس لا يرحم الضعفاء.
وحيث يتبدى هذا التلاحم الوجودي الشديد بوضوح في نص الرواية حين يصرخ الشيخ في رجال القرية لحثهم على الدفاع عن حقهم في مياه الري التي هي عصب حياتهم قائلاً:
«يا رجالة.. المية هي الروح، والزرع اللي في الغيط ده ولادنا.. الأرض دي شرفنا، والراجل اللي يفرط في ميته يبقى بيفرط في عرضه».
وهي كلمات تفتت نسيج الاستسلام وتضع اليد على الوعي الفكري الأصيل والمحفوظ في صدور أهل الأقاليم والقرى، أولئك الذين يصنعون من انتمائهم للأرض درعاً لحماية هويتهم وكرامتهم البشرية ضد أي تغريب أو تهميش.
إن إسقاط واقع محمد أبو سويلم على عصرنا الراهن يضعنا في مواجهة مباشرة مع قضايا العطاء والإنتاج وتحديات العصر المعاصر؛ فالصلابة والتشبث اللذان دافع بهما الشيخ عن أرضه هما ذاتهما الترياق الذي يحتاجه المجتمع اليوم لمواجهة ضغوط الماديات المتسارعة وأزمات الغلاء التي تدفع بالناس نحو القلق والتباعد.
فالعودة للاعتزاز بقيمة العمل والإنتاج والترابط والتكافل الاجتماعي في الأقاليم والمحافظات هو الضامن الأساسي للحفاظ على الدفء الإنساني وحماية البيوت من التفكك وتأمين المستقبل الفكري والاجتماعي للأجيال القادمة بعيداً عن حسابات المكسب السريع.
وتصل الرواية إلى ذروة مأساتها الفلسفية الشامخة حين يُسحل الشيخ أبو سويلم وتتخضب الأرض بدمائه وهو لا يزال متشبثاً بأعواد القطن، ليتحول هذا المشهد إلى بيان ختامي يثبت أن الجسد قد يفنى لكن الأثر الباقي يظل حياً يطهر وعي الأجيال، وهو ما تلخصه الرواية برصدها الحرفي لمدى تجذر هذا العشق للأرض في نفوس الفلاحين حتى في أحلك لحظات القمع؛ حيث يصف السرد هذا الثبات والامتداد بقوله:
«إن طين هذه الأرض قد جُبل بدماء الآباء وعرق الأبناء، والذين يظنون أنهم يقتلعون الفلاح من أرضه بالسلاسل والخيول، لا يعرفون أن جذوره تمتد في القاع أعمق مما تصل إليه حوافر جيادهم».
لتصبح هذه الصياغة الفخمة برهاناً عملياً جديداً على أن جودة أدب الأقاليم تكمن في انحيازه التام لقضايا الناس ونبشها في قاع الواقع المعيش لتصنع وعياً حراً نابذاً للزيف ومنتصراً للحياة الحرة الشريفة التي لا تمحوها الأيام.
|