|
القاهرة 06 أكتوبر 2026 الساعة 10:03 ص

حاورها: مصطفى علي عمار
في زمن طغت فيه المادة على المعنى، وتراجعت فيه الكلمة أمام الصورة، تقف الكاتبة والإعلامية المغربية غادة الصنهاجي كشاهدة ومقاومة.
هي قانونية تحلم، وإعلامية تصرخ، وكاتبة تكتب.
اسم مغربي ارتبط بالجرأة الثقافية. من "الهاربة" إلى "كيليطو وأشباحه"، ومن "نساء غير مشهورات" إلى "ما أنت بقارئ".. رسمت طريقها بين القصة والشعر والزجل والنقد.
بين الصحافة والقانون والأدب، وبين برامج "كتب ممنوعة" و"ثقافة بلا حدود"، تبحث غادة دائماً عن ذلك "الحجر الصغير" الذي يحرك الماء الراكد.
من فصل الدراسة إلى غرفة الأخبار، ومن شاشة "تيلي ماروك" إلى صفحات "هسبريس" و"العربي الجديد"، ومن المغرب إلى إيطاليا، قطعت غادة الصنهاجي رحلة امتدت لأكثر من عشرين عاماً بين الكلمة والصورة.
خريجة الصحافة السمعية البصرية والانفوغرافيا، وطالبة ماستر في الصحافة الاستقصائية. مرّت بالقانون والتاريخ قبل أن تستقر في بيت الصحافة. قدمت على مدى سنوات برامج تركت بصمة: "ثقافة بلا حدود" بـ 120 حواراً مع أدباء ومفكرين، و"كتاب اليوم" بـ 180 حلقة، و"كتب ممنوعة" و"شاعر في خلوته" و"لقاء خاص".
وفي الوقت نفسه كتبت مقالها الأسبوعي "ممنوع على الرجال"، ونشرت مقالاتها الفكرية والنقدية، وقدمت حفلات جوائز ابن بطوطة لأدب الرحلة والجائزة الوطنية للقراءة.
لها ستة إصدارات على الرف: من "الهاربة" 2014 إلى "كيليطو وأشباحه" 2025. وتستعد الآن لإصدار مجموعتين قصصيتين جديدتين. لها صداقات تمتد من الرباط إلى القاهرة، وعلى رأسهم الأديب الراحل فؤاد نصر الدين.
مقيمة اليوم في إيطاليا، تغوص في البحر هرباً من ضجيج العالم، لكنها لم تغادر سؤال الوطن واللغة والقراءة.
في هذا الحوار المطول نتحدث معها عن انهيار القيم، وعن السفر كعوض، وعن سر صمود البرامج الثقافية في زمن التيك توك، وعن الخط الفاصل بين الحقيقة والتفاعل في الصحافة الإلكترونية، وعن جرأة الكتابة عن المرأة في 2026، وعن لماذا ما زلنا نخاف من الكتب.
وتجيب عن السؤال الأصعب: لماذا لا يزال هناك من يختار "الكلمة" في زمن "المال"؟
-
أنتِ خريجة صحافة سمعية بصرية، وإنفوغرافيا، وقانون، ووسائط متعددة، والآن تتابعين ماجستير الصحافة الاستقصائية. مع كل هذا التنوع، لماذا كانت "الكلمة" هي التي انتصرت في النهاية؟
أعتقد أن انتصار الكلمة حتمي حتى لو لم يدرسها المرء، فهي حليفه الوحيد في هذه الدنيا. الكلمة تعبير وتواصل وتفريغ شحنات للنفس، وبدونها نتحول إلى كائن أخرس يتحرك بلا هدف. وبالنسبة لي كانت الكلمة رفيقة في كل الطرق والظروف والأحوال، وكلما تعلمت شيئاً جديداً كنت أمنحها القوة والجهد لتقول وتصرخ وتختار وتواجه وترسم الخطوط في كل الاتجاهات.
-
عملتِ في القناة الثانية، وفي "تيلي ماروك"، وفي الإنتاج، والآن مقيمة في إيطاليا. كيف غيّرت الغربة نظرتك للإعلام المغربي والعربي؟
أعتبر القناة الثانية المغربية جزءاً من مرحلة البداية في المجال الإعلامي، ولقد منحتني فترة التدريب في برنامج جائزة الإبداع الأدبي الفرصة لاكتشاف عوالم التلفزيون والراديو من الداخل. تواصلت خلالها مع مذيعين ومخرجين ومنتجين وأخذت فكرة واضحة عن مختلف البرامج التي كانت تُسجل وتُبث آنذاك، وأنجزت خلال هذه التجربة بحث التخرج لنيل شهادة الإجازة الجامعية في الصحافة السمعية البصرية. أما بالنسبة للقناة الفضائية المغربية فأعتبرها بيتي الإعلامي الحقي، فلقد مكنتني من الجمع بين ما أعشقه: الصحافة والثقافة، ولقد أعددت البرامج وقدمتها على شاشتها بكل حب وشغف.
وإجابة عن سؤال تغيير الغربة لنظرتي للإعلام المغربي والعربي، وهو سؤال مقرون بـ "كيف؟" أتساءل بدوري: ماذا عن "هل"؟ وإذا فرضنا أنها فعلاً غيّرت نظرتي له، فهل يسهل عليّ معرفة كيفية ذلك؟ ربما أكتفي بدور المشاهد لبرامجهم. فهل يمكن الجزم بأن إعلامهم مغاير؟ هناك دائماً نسبية في تحديد ما هو الأفضل وما هو الأسوأ. وطبعاً ليسا على خط واحد، لا تحريرياً ولا إبداعياً ولا إنتاجياً، لكنني أرفض المقارنات، أو بالأحرى أتجنبها، ربما حفاظاً على صحتي النفسية.
-
بعد أكثر من عشرين عاماً في الصحافة والأدب، هل ندمتِ يوماً لأنكِ اخترتِ "الكلمة" في زمن "المال"؟ ولو عاد بكِ الزمن، هل ستختارين الطريق نفسه؟
قد يكون من حسن حظي أنني سلكت في دراستي مساراً أدبياً وهذا جنبني مشاق الرياضيات وآفة الإحصاء والعد. لذلك يصعب أن أندم على ما تعلق بالأعداد والحسابات، سواء كانت سنوات أو أموالاً أو حتى اختيارات. ولو عاد بي الزمن سأكون فقط ذلك الاختيار الذي تفعله الطريق. وإذا كان النهر يعرف مجراه ويتبعه، فبالضرورة يكون ذلك بإيعاز من المجرى الضارب لمنحاه في الأرض.
-
"ثقافة بلا حدود" تخطى 120 حلقة، و"كتاب اليوم" وصل 180 حلقة. ما سر هذا الاستمرار في زمن التيك توك؟ وكيف تقنعين القناة والمشاهد أن هناك من يريد الاستماع لـ "كتاب ممنوع"؟
ربما يكمن سر الاستمرار في كوني أنتمي لجيل ما قبل التيك توك، أي ممن فاجأهم هذا التطبيق على حين غرة. في أول الأمر تجاهلته تماماً، ثم بدافع الفضول تابعت فصول غزوه فصلاً فصلاً. ولأننا الجيل الذي غالباً يكمل ما بدأه، واصلت عملي رويداً رويداً، محتفظة بجمهوري النخبوي القليل، تاركة للتيك توك جمهوره الواسع المكتسح لجميع الفئات وطبقات المجتمع. أما عمن يريد الاستماع لبرنامج "كتاب ممنوع" فلم أكن أحتاج لإقناع القناة به، لأن صاحبها أديب واهتمامه بالبرامج الثقافية يؤكد أنه نفسه يرغب الاستماع إليها. أما المشاهد فإذا لم يكن قوياً فكرياً بما يكفي ليقنع نفسه بها فسيجد التيك توك لإرادته الحرة بالمرصاد.
-
تختارين ضيوفك من المثقفين بعناية فائقة. ما هو معيارك في الاختيار؟ وهل هناك مثقف رفضتِ استضافته رغم شهرته؟
اختيار الضيف في البرنامج الثقافي يتوقف على معايير متعددة، أهمها أن يكون متمكناً من مجاله ولديه إصدار جديد، أو فاز حديثاً بجائزة، أو خلقت إحدى أفكاره جدلاً ما، أو توافق تخصصه مع مناسبة أو فعالية ننتهز من خلالها فرصة الاحتفاء به والحديث عن أعماله. وفيما يتعلق برفض ضيف رغم شهرته، فلا يُسمى ذلك رفضاً، لأن تحديد الضيف يتوقف على ما ذكرته من معايير وهي أساسية عندي وعند إدارة القناة. علماً أن الرفض قد يكون أحياناً من جهة الضيف، إما لعدم ملاءمة وقت ومكان التصوير بالنسبة له، أو لأسباب قد يذكرها أو لا يفعل. فمثلاً لدينا في المغرب قاص كبير يرفض قطعاً الظهور على الشاشات وقد رفض دعوتي مع الاعتذار، فقبلت واحترمت رغبته. وبالمقابل لبى دعوتي استثناءً مفكر مهم وشاعر مشهور، وكانت أول مرة يظهران فيها على شاشة التلفزيون حصراً في برنامجي بعد أن رفضا لسنوات البرامج المصورة.
-
قدمتِ حفلات جوائز كجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة والجائزة الوطنية للقراءة. هل لا يزال أدب الرحلة قادراً على شرح العالم لنا في 2026؟
أعتز أيما اعتزاز بتقديمي لحفل كل من جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة والجائزة الوطنية لشبكة القراءة بالمغرب، لأنه تربطني بالأولى علاقات صداقة واعتزاز وتقدير لمدير مركزها الشاعر نوري الجراح وهيئة تحكيمها، خصوصاً الشاعر عبد الرحمن بسيسو، ولقد سبق أن استضفتهما في مناسبتين مختلفتين في برنامجي "ثقافة بلا حدود" وتُعد حلقتاهما من أنجح الحلقات. أما شبكة القراءة بالمغرب فإضافة إلى تقديم جائزتها فأنا عضوة لجنة التحكيم في المرحلة النهائية، عدا أنني رفيقة الشبكة في مختلف المناسبات. وأقدّر رئيستها السابقة نجية المختاري والحالية رشيدة رقي، وجميع أعضائها أصدقاء مقربون جداً وتجمعنا محبة الكتاب. ولقد كرمتني شبكة القراءة بالمغرب بجائزة تقديرية في أحد احتفالاتها السنوية بالمعرض الدولي للكتاب.
بالنسبة للشق الثاني من السؤال أستحضر كتابين فازا سابقاً بجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة: عنوان الأول "رحلة حول غرفتي" للفرنسي كزافييه دو ميستر ومن ترجمة التونسي أيمن حسن، وعنوان الكتاب الثاني "ألف نافذة لغرفة واحدة" للمصري عمار علي حسن. والكتابان استطاع صاحبهما أن يعيشا متعة الرحلة دون أن يبرح كل منهما غرفته. من هنا يمكن أن نستنتج أن هذا الأدب المرتبط بالرحلة قد لا يحتاج هو نفسه إلى الترحال، ولكي يشرح لنا العالم قد يحتاج رمزياً إلى المكان، فبالأحرى إلى الزمان.
-
كعضوة في هيئة تحرير جريدة إلكترونية، برأيك: هل الصحافة الإلكترونية العربية اليوم تنقل الحقيقة أم "ما يجلب التفاعل"؟ وأين الخط الفاصل بينهما؟
أكتب في بعض الجرائد الإلكترونية بعيداً عن أي منصب تحريري أو إداري، وهذا اختيار ذاتي وحر: الاستقلال عن جميع الخطوط. وفي رأي هذا النوع من الصحافة القائم على السرعة لا يعترف كثيراً بقوانين الطرق، لذلك تكثر فيه الحوادث. وعربياً قد يكون الأمر أسوأ، لأن النشر في المواقع الإخبارية لا يقتصر على المهنيين فقط، بل صار الجميع يمارس الصحافة وهو جاهل بقدسية الخبر. والحقيقة ما لبثت تتجرد من معناها وتلبس قناع الباطل على وجه الحق. المصيبة أن المواقع الإلكترونية الموثوقة - نوعاً ما - تتعرض بدورها إلى سرقة هويتها الرقمية واستعمال شعاراتها لنشر الأخبار الزائفة من قبل لصوص المشاهدات وأصحاب التريندات والتفاعلات، وذلك لحصد الأموال على حساب الشائعات والأكاذيب والاختلافات. لهذا لا يوجد بينها خط واضح، ما دام وضع الضوابط والحدود لما هو إلكتروني ما زال بدائياً ولا يساير سرعة الفوضى والتسيب.
-
درستِ الإعلاميات وعملتِ أستاذة لها. هل ترين أن الإعلام اليوم قد فشل في دوره المجتمعي وتحول إلى سلعة؟
ربما الرؤية تقل مع تقدمنا في العمر، وقد يحصل ذلك لغير البصر أيضاً. فما كنت أراه قبلاً واضحاً عندما زاد فهمي وتطورت معرفتي صار ضبابياً. فنحن جيل نشأنا نؤمن بالقيم والمبادئ والأخلاق، وكانت أحلامنا أن نخدم المجتمع كل من تخصصه ومن قدرته. اليوم تغيرت أشياء كثيرة وضاعت أحلام أكثر، وغالباً لم يعد الإعلام وحده سلعة، بل أصبح الطب سلعة والعلم سلعة والإنسان نفسه سلعة.
-
تكتبين في "ممنوع على الرجال" وفي مواقع فكرية ونقدية. هل ما زالت الكتابة عن المرأة في المغرب والعالم العربي تعتبر "جريئة" في 2026؟
حسناً، إذا اعتبرنا الكتابة "جريئة" فماذا عن الصورة في 2026؟ هل كنا نعتقد يوماً أننا سواء في المغرب أو في العالم العربي قد نعيش وقتاً أجرأ وأفضح من هذا؟ ألم تفقد المرأة حياءها وهي مستلقية شبه عارية في غرفة نومها والملايين يشاهدونها عبر هواتفهم في بث مباشر؟ أليست تلك المرأة نفسها بكل وقاحة تصور أسرتها وحياتها وأغراضها وأكثر لحظاتها حميمية وخصوصية؟ فأي جرأة أكثر من هذا قد تمتلكها الكتابة؟ الكتابة التي ستبقى فاضلة ووفية لما استعملته من رموز لتحفظ قدرها وقيمتها وسط "حفلة التفاهة" هذه، على قول كونديرا.
-
القانون يقول، والأدب يحلم، والإعلام يصرخ. عندما يختلف هؤلاء الثلاثة داخلكِ، من الذي ينتصر؟
إذا افترضنا أن هناك أحياناً اختلافاً بينهم داخلي فغالباً ينتصر المنطق، ومرات تفوز العاطفة، وأخرى يكون الصمت حلاً مناسباً للخلاف. مؤخراً توصل الغرب إلى فكرة التعليم باستعمال الفلسفة في كل المجالات. ربما حين تتعارض الأفكار في رؤوسنا علينا الاستعانة بالفلسفة. فحسب شوبنهاور فإن عقولنا هي التي تصور لنا العالم، والإرادة الكامنة فينا على شكل رغبة هي التي تجعل هذا العالم رقعة حرب وصراع. وللتخلص منها إما نقتلها بقمع كل ما نرغب فيه أو نتحرر منها قليلاً بالفن والجمال.
-
صدر لكِ 6 كتب من "الهاربة" 2014 إلى "كيليطو وأشباحه" 2025. لو رسمنا خطاً بين أول كتاب وآخر كتاب، بماذا تغيرت غادة الصنهاجي؟
من ناحية الكتابة يستحيل أن يشبه كتاب سابقه أو لاحقه، لكل مؤلف حيثياته وظروفه الخاصة. وقبل نشر أول عمل كتبت الكثير ثم أخفيته كمن ارتكب جريمة. لطالما اعتبرت الكتابة صرخة مكتومة، أحياناً لا يكفي الكلام المنطوق، نريد أن نسمع صوتنا على الورق كما عشناه أو رأيناه أو سمعناه، كهدنة مع الحياة. أول كتاب ربما كان تجربة متسرعة، تحت الطلب. ثم بعده أدركت أن الأدب مسؤولية وأنه ينبغي التعامل مع النشر بحذر أكبر. فأن تكتب لنفسك ليس هو الكتابة إلى قارئ، والقارئ "عدو" على قول عبد الفتاح كيليطو، أي أنه يتربص بك ويفضح زلاتك. لذلك تغيرت من أجل هذا القارئ، خوفاً منه صرت حريصة أكثر، وفي كل مرة أتردد ألف مرة قبل أن أرسل العمل إلى دار النشر. واليوم أجدني أنظر إلى الخلف بثقة، لأن كل كتاب جديد يبدو أنضج ويشعرني أنني أخطو أدبياً إلى الأمام.
-
"نساء غير مشهورات" و"هي وهو" و"ما أنت بقارئ". لماذا يبدو أن سؤال "القراءة" و"المرأة" حاضرين بقوة في مشروعك؟
تلعب النشأة دوراً مهماً في حياة الكاتبة، وقطعاً تساهم البيئة الاجتماعية في تشكيل تفكيرها. لا يمكن الإنكار أنني نشأت في مجتمع ذكوري إلى حد كبير، تمنح فيه للرجل صلاحيات أكبر، ويتمتع بحرية وحقوق أكثر، أما المرأة فهي كائن ضعيف تحت سلطة هذا المجتمع وتحت حكم الأب والزوج والأخ ورب العمل. ورغم أنني ترعرعت في وسط مثقف، إلا أن التقاليد تقف للمرأة بالمرصاد وتمنعها من أبسط مساواة مع الرجل.
في طفولتي منعت من الخروج مع أصدقائي كما كان يفعل أخي، ومن ارتياد ناد رياضي، ومن دخول معهد موسيقي، ومن أشياء أخرى بدعوى التأثير على سمعتي كفتاة من عائلة محافظة. ولقد كان عزائي هو القراءة. وحين اكتشفت في مراهقتي مؤلفات نوال السعداوي، عرفت أن ما كنت أشعر به هو شيء مشترك بيني وبين الكثيرات. وبعد قراءة أعمال أدبية عالمية تأكدت أن المرأة عانت في كل العصور وفي كل أقطار الأرض.
وحين كتبت قصصاً عن النساء، كان نوعاً من المؤازرة المعلنة. لكنني قبل أن أصنف في خانة الكاتبات النسويات تداركت الأمر وتأملت وضع الرجل قليلاً. عندها تعاطفت معه، ليس كمن أصابته متلازمة ستوكهولم، لكن عن تقدير واعتراف بمسؤولياته ووظائفه وضرورة أن يحتفظ بدوره الذي يستحيل أن يقوم به سواه.
-
تكتبين القصة القصيرة جداً، والومضة، والشعر، والزجل، وعمود الرأي، والنقد. كيف تتنقلين بين كل هذه الأجناس؟ وأيها يمثل "غادة الحقيقية"؟
ضحكت حين قرأت هذا السؤال، لأنني أجبت عنه بيني وبين نفسي، وقلت لا بأس في أن أشاركك هذا الجواب. إن ما يمثل غادة الحقيقية هو الخيال، فلماذا لا يوجد جنس أدبي اسمه "الخيال"، غير ذاك المسمى تخييلاً في الأدب؟
فالخيال هو المسؤول عن كل الأجناس التي ذكرتها، والكاتب يشتقها منه. وحتى القص الحقيقية لا يكتبها دون أن يتخيلها أولاً. الأمر أشبه برسم هندسي ينتقل صاحبه بعده إلى البناء.
-
لديكِ مجموعتان قصصيتان قيد الطبع. عماذا تتحدثان؟ ولماذا اخترتِ القصة تحديداً لتقولي ما لا تستطيعين قوله في عمود الرأي أو في البرنامج؟
لدي عملان في طور الكتابة: الأول يوميات عن رحلاتي في بلاد الرومان، والثاني "رسائل الغياب" وهو عبارة عن رسائل أدبية توجهها امرأة إلى رجل غائب.
أما عن اختيار القصة لقول ما لا أستطيع قوله في عمود الرأي أو البرنامج، فالأمر فيه نظر، لأن لكل مقام مقال، وربما لأن السياق مختلف، وأيضاً لأن القصة أحياناً أريح وهي المساحة الحرة التي لا تفرض علي قيوداً أو ضوابط.
-
شاركتِ في 2013 في "القصة النسائية القصيرة جداً" تحت إشراف الأديب المصري الراحل فؤاد نصر الدين. وكان لكِ بعدها صداقات مع أدباء مصريين كثر. ما الذي أضافته لكِ مصر الثقافية؟ وماذا تعلمتِ من مدرسة فؤاد نصر الدين؟
تريد معرفة ماذا أضافته لي مصر الثقافية؟ حسناً، لقد وقعت في حب الكاتب المصري يوسف السباعي وأنا في بدايات مراهقتي. في كل رواية من رواياته كنت أتخيل نفسي فاتن حمامة وأتخيله عمر الشريف. كل قراءاتي كانت بالأبيض والأسود، كالأفلام الكلاسيكية المصرية التي أدمنتها وقتها. وإلى يومنا هذا أحتفظ في مكتبتي بجميع روايات يوسف السباعي وكنت أرفض أن أعيرها وكأنها أغلى ما أملكه. عدا أن والدي كانت لديه أسطوانات أم كلثوم، ومن كثر ما سمعتها في بيتنا حفظتها عن ظهر قلب. غير هذا فلقد قرأت لجل أدباء مصر: يوسف إدريس ونجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس وطه حسين وتوفيق الحكيم وأنيس منصور ونوال السعداوي وأحمد خالد توفيق ونبيل فاروق وغيرهم. وما زلت إلى يومنا هذا أعتقد أن الأقلام المصرية عربياً هي الأجمل في بساطتها وانسيابها وروحها الأدبية الحلوة.
لذلك أعتز بصداقاتي مع العديد من الكتّاب المصريين وأعتبر تواصلي ولقائي ببعضهم من أجمل الحظوظ.
أما فيما يتعلق بالأديب الراحل فؤاد نصر الدين، كان صديقاً عزيزاً يشبه في صورته على الفيسبوك وإلى حد كبير الفنان فؤاد المهندس، أو هكذا كنت أراه في بشاشته. وكانت مجموعة القصة القصيرة في مختبر السرديات على الفيسبوك مسرحنا الافتراضي الذي نمضي فيه أسعد الأوقات. ولقد اختار رحمه الله مجموعة من قصصي لتكون ضمن قصص "القصة النسائية القصيرة جداً"، كما اقترح علي نشر قصصي في مجموعة "الهاربة" وتفضل بكتابة تقديم مميز لها.
-
شاركتِ في كتب جماعية عن محمود عبد الغني ومصطفى يعلى وكيليطو. لماذا يهمك توثيق تجارب الكتاب الراحلين أو المهمشين؟
شاركت في هذه الكتب الجماعية بعد اهتمام واطلاع على معظم مؤلفات كتّابها، حفظهم الله وأمد في أعمارهم وزاد في عطائهم الأدبي والفكري. إن القصد من توثيق تجارب الكتّاب الأحياء منهم أو الراحلين جسدياً، هو رد صغير للجميل ونوع من الوفاء والاعتراف بما بذلوه من أجل الثقافة والإنسانية.
-
من خلال "كتب ممنوعة"، ما هو أكثر كتاب حورب في المغرب وكان يستحق أن يُقرأ؟ ولماذا ما زلنا نخاف من الكتب؟
تحدثت في حلقة من حلقات برنامج "كتب ممنوعة" عن رواية "الخبز الحافي" للكاتب المغربي محمد شكري. وأعتقد أن محاربة هذا الكتاب أو غيره ليست سوى طريقة للتعبير عن رفض أفكار معينة من طرف فئة محدودة. ولحسن الحظ يكون هذا في خدمة الكتاب، إذ أن الممنوع مرغوب بالضرورة. وبالتالي يضاعف المنع والحظر انتشاره ويزيد مبيعاته ويحظى كاتبه بشهرة كبيرة، وأحياناً كثيرة يتجاوز ما آل إليه استحقاقه وقيمته المعرفية.
-
تشاركين في الملتقيات الأدبية وسفرك دائم. ماذا علمتكِ المدن المختلفة عن مفهوم "القيم" في زمن انهيارها وثقافة المادة؟
علمتني المدن رؤية الجمال، في الطبيعة وفي الإنسان، ثم جعلتني أقارن بين مكان ومكان وبين إنسان وإنسان. وربما فهمت أنه كلما تحسنت ظروف العيش كلما ارتقى البشر وكان أكثر إنسانية وإيماناً بالقيم. إن الحضارة والتحضر هما مفتاح العيش السعيد وأساسه في أي مجتمع. وللأسف تقدمت بعض المدن في عالمنا العربي مثلاً، لكنها فعلت من حيث التمدن فقط، وغاب عنها التحضر وغابت معه الأخلاق.
-
من هواياتك الرسم والغوص. هل هو هروب من ضجيج الأخبار إلى هدوء ما تحت الماء؟
متعة الماء لا يعرفها إلا من خبرها جيداً. في الماء يهرب المرء حتى من وزنه، يتخلص من جاذبيته الأرضية، يشعر بنفسه كطائر محلّق. الماء يغمر الجسد بحنان ويضمه بلطف ويخلصه من التوتر والقلق. أما الأعماق فهي خلوة خالية من الضوء والصوت والهواء. في الغوص تشعر بأنك تتخلص من وجودك، وفي صعودك كأنك تولد من جديد.
-
تعملين أستاذة للإعلاميات، وتتابعين ماجستير استقصائي. ما الرسالة التي توجهينها للصحفيات والكاتبات الشابات في المغرب والعالم العربي الآن؟
أفضّل عدم توجيه أي رسالة من أي نوع، لا للصحفيات ولا للكاتبات، لا الآن ولا بعد الآن. لي صديقة ألمانية قالت لي يوماً: "غادة أنت تمنحين الآخرين نصائح بالمجان". وعرفت مع الوقت بأنها محقة، فالنصيحة تنبع عن تجربة والتجربة مكلفة وشاقة. وعندما تعطي الآخر شيئاً بلا مقابل فهو يجهل قيمته وبالتالي يضيع مجهود نصحك له هباء.
-
من هي الشخصية العربية أو العالمية التي أثرت فيكِ بشكل جذري؟
بل شخصيات وليس شخصية واحدة. في كل مرحلة من حياتنا نصادف شخصاً بإمكانه أن يغير أفكارنا أو يحول اتجاهنا حتى. ليس بالضرورة أن يكون معروفاً. فمؤخراً أخذت درساً لا يُنسى من صديقة عرفتها مدة عشرين عاماً دون أن أعرفها حقاً. كان تأثيراً سلبياً ما زالت مرارته في حلقي. لكن بالمقابل مثلاً تأثرت إيجابياً بشخصيات أدبية وفكرية عظيمة: نوال السعداوي ويوسف السباعي، كافكا وكونديرا، شوبنهاور وإيريك فروم، دانتي وكالفينو، وغيرهم. ولعل الأهم من بينهم كان الكاتب عبد الفتاح كيليطو، الذي بدأت قراءة كتبه قبل عقدين وعرفته شخصياً قبل عقد واحد. لقد غيّر رؤيتي للأدب وعرّفني على أهم كتاب العالم وعلمني كيف أقرأ لهم، كما كشف لي أسرار الكتابة. وقال لي: "أنت حرفتك الأدب". وأستطيع الجزم أن تأثيره على المستوى الإبداعي كان جذرياً.
-
بعد كل هذه الرحلة بين الورق والشاشة والمنفى الاختياري في إيطاليا، هل أنتِ راضية عن حصادك؟ وما الكتاب أو البرنامج الذي تحلمين به ولم تفعليه بعد؟
تستمر رحلة الحرف ما دمت على قيد الحياة، وحصادي هو جزء مني أتقبله بكل جماله وقبحه. وليس كل ما تمنيته قد أدركته، حققت جزءاً من الأحلام والباقي أتركه للزمن. كنت أطمح تقديم برنامج أندلسي مغربي عن أعظم شخصيات الأندلس بين المغرب وإسبانيا، وما زالت الفكرة قائمة إلى أن يكتمل ما أحتاجه لإنجازها معرفياً وإنتاجياً.
وختاماً لحوارنا، لقد عشت سنوات طويلة أبحث عن نفسي إلى أن وجدتها هنا في الشمال الإيطالي. أتأمل الحياة من وراء النافذة كما فعل الشاعر الإيطالي العظيم جياكومو ليوباردي وأردد قصيدته _L’infinito_ بترجمتي إلى العربية:
الأبدية
أحببتُ دائِماً هذا التلَّ الوحيدَ الثابِتَ
وهذا الوَشيعَ الذي يحجُبُ رُؤيةَ الأُفُقِ الأخيرِ
أجلِسُ وأحدِّقُ بلا نهايةٍ
فيمَا وراءَ المسافاتِ صَمتٌ يتخَطَّى قُدرةَ البشَر
سُكوتٌ عميقٌ يدعُو إلى التفكيرِ
في لحظةٍ يتوقَّفُ القلبُ فيها عنِ الخوفِ
مثلَ ريحٍ أسمَعُ حَفيفَ الغَرسِ
أنا ذلكَ الصمتُ اللاّمُتنَاهِي
لذلكَ الصَّوتِ أقارِنُ
يُراوِدُني الأبَدُ
والفُصولُ المَيِّتةُ تحضُرُ حيَّةً بصوتِها
هكذا عمِيقاً تغوصُ أفكارِي
وغَرقِي يَحْلُو في هذا البَحر.

|