|
القاهرة 06 أكتوبر 2026 الساعة 09:51 ص

أجرى الحوار: هاني عبد العزيز عجيبة
ولدت بورسعيد ولادة متعثرة، من رحم المعاناة خلال سنوات حفر القناة، وطرحتها الأمواج على الشاطئ فى ليلة مد عنيف، وشكلت آلام المخاض العمق الحقيقي لحب الوطن والتفاني من أجله.
ارتبطت نشأة بورسعيد بحفر قناة السويس، وتوافد على تلك المدينة الوليدة قوى بشرية هائلة، أتوا إليها من كل البقاع، بعد أن جذبت إليها الأنظار بشدة، وشكلت ظروف العمل الصعبة علاقة فريدة بين الإنسان والمكان، فاتخذوا منها موطنا، وانصهروا جميعاً في بوتقتها، وشكل هذا التفاعل بين الثقافات المختلفة، ملامح الشخصية البورسعيدية الفريدة.
ولأنها مدينة ذات طابع Cosmopolitan)) متعددة الثقافات والأديان، فقد تميزت عن غيرها من المدن المصرية، بسمات خاصة فرضها المجتمع المحلى الذي أعطى بخصوصيته الاجتماعية والثقافية مظهرا فريدا للتعايش مع الآخر دون أن يفقد روحه.
وهكذا تشكلت هوية بورسعيد في مساحة مشتركة بين التنوع والانتماء، وبين الانفتاح على الآخر والحفاظ على الخصوصية المحلية.
وسعيًا إلى الوقوف على أبرز ملامح الشخصية البورسعيدية وما تنفرد به عن غيرها، التقينا الكاتب والمفكر البورسعيدي سيد كراوية، فكان هذا الحوار..
-
ما هو سر تعصب أبناء بورسعيد الشديد لمدينتهم؟
يقول "سيد كراوية": إن التعصب الشديد الذي يبديه أبناء بورسعيد لمدينتهم، يرجع إلى الرغبة في الانصهار والذوبان داخل مجتمع المدينة الوليدة، وإن بورسعيد كانت بحاجة ماسة إليه، لتكوين شخصيتها وهويتها المستقلة وترسيخ الشعور بالانتماء في مواجهة تنامي الجاليات الأجنبية التي استقرت في المدينة منذ نشأتها، والتي كانت تهيمن عليها بثقافتها ولغتها وسطوتها الاقتصادية.
-
وعن دور المقاهي في تشكيل الشخصية البورسعيدية
يقول سيد كراوية: المقاهي في بورسعيد لم تكن يوماً مجرد أماكن لتقديم المشروبات لروادها، بل كانت مساحات اجتماعية تعكس نبض الحياة العامة بصورها المختلفة. ومثلت هذه المقاهي نقاط تلاقي تجمعت فيها شتى طوائف الحرف والمهن وجماعات الوافدين من الأقطار المختلفة، وعلى طاولاتها انصهر الجميع في بوتقة المدينة الوليدة، وبين جدرانها تشكلت ملامح الشخصية البورسعيدية المتفردة.
-
واستشهد سيد كراوية بالنادي المصري البورسعيدي رمزا للانتماء وتجسيدا لحالة الانصهار
يقول كراوية: جاء تأسيس النادي المصري ليتوج هذه الحالة الفريدة ويجسد تلك الروح التي تشكلت من هذا النسيج الاجتماعي المتنوع؛ فلم يكن النادي مجرد مؤسسة رياضية تقتصر على ممارسة كرة القدم، وإنما تحول إلى مظلة جامعة انصهرت تحتها قلوب المصريين الذين اتخذوا من بورسعيد موطناً لهم، وبذلك أصبح النادي المصري رمزاً للوحدة الوطنية والانصهار الاجتماعي، وانعكاساً للرغبة العارمة في الاندماج داخل كيان جامع، والتوحد تحت الراية الخضراء التي تحمل اسم مصر عالياً. وهذا ما يفسر الشعبية الجارفة والتعصب الشديد للنادي المصري البورسعيدي.
-
أنا من دِينها".. وسام الانتماء الأبدي"
ويضيف سيد كراوية: أصدق تعبير عن هذه الحالة الوجدانية الفريدة هو ما كان يحدث بمجرد أن تطأ قدم الوافد أرض المدينة وقد أراد أن ينتسب لها؛ فحين يُسأل عن أصله، لا يتردد أبداً في القول بفخر عارم: "أنا من دِينها"، أي من أصلها وجوهرها، ولم يمنعه هذا من اعتزازه بأصوله وجذوره، وقد تجلى ذلك بوضوح في تسمية شوارع حي العرب بأسماء المحافظات المصرية المختلفة، نسبة إلى أبناء تلك المناطق الذين جذبتهم بورسعيد إليها واتخذوا منها موطنا.
-
ملحمة الصمود: من حرب القنال إلى ألم التهجير:
وبعد تشكل ملامح الشخصية البورسعيدية، أثبت أبناء المدينة الباسلة أن هذا العشق لم يكن مجرد تعصب أجوف، بل كان عقيدة راسخة؛ فقد تبارى الذين هاموا بها عشقاً في الدفاع عنها والتفاني من أجلها. وتجلى ذلك ساطعاً في بطولات حرب القنال (عام 1951)، التي برز فيها اسم الشهيد البطل "نبيل منصور"، ثم ملحمة الصمود والمقاومة أمام العدوان الثلاثي (عام 1956) حيث سطر أبطالها ملاحم البطولة في وجه الغزاة مثل: "سيد عسران، وعلي زنجير، ومحمد حمد الله، وأحمد هلال، وجواد حسني" وغيرهم.
وعندما تجرع أبناؤها ألم التهجير الإجباري عنها عام 1969، لم ينسَ "البلاطوة" معشوقتهم بورسعيد، بل حملوها معهم في ترحالهم، ولقب "البلاطوة" أطلقه أهل المناطق القريبة من بورسعيد اختصاراً لاسم "بورت سعيد" (Port Said) الذي استعصى على ألسنة البعض في نطقه، فتحولت "بورت" إلى "بلط" وجمعها "بلاطوة" نسبة إلى أبناء بورسعيد. وبقي اللقب وسام شرف يحكي قصة مدينة لا تموت، وحكاية وطن صغير يسكن في قلب كل من ينتمي إليه..
منذ نشأتها الأولى، امتلكت بورسعيد كاريزما بصرية خاصة؛ صاغتها خطوط العمارة الأوروبية الممزوجة بروح الشرق، والواجهات التي تحكي قصصاً عن التعدد والتعايش مع الآخر. وقد وثقت هذه الهوية عدسات المصورين الأجانب، وزوار المدينة التي كانت تمثل الواجهة السياحية الأولى في الشرق آنذاك، ومن خلال الصور الفوتوغرافية والبطاقات البريدية نقلوا إلى العالم روح هذه المدينة العالمية. ومن حسن طالع المدينة المدللة أنها امتلكت أرشيف صور متكامل وثق جميع مراحل نشأتها، ورصدت عدسات الكاميرات حجم الدمار الذي تعرضت له المدينة الباسلة جراء العدوان الأنجلو فرنسي عليها عام 1956، وتكامل هذا الأرشيف مع ما احتفظت به أدراج العائلات البورسعيدية من صور بالأبيض والأسود توثق فيه تفاصيل الحياة اليومية، وأزياء المارة، ولافتات المتاجر القديمة.
ولأنها المدينة الاستثناء، فقد تحولت بورسعيد في وجدان عشاقها إلى وطن مستقل بذاته؛ لا يقوى على هجرانه بورسعيدي أصيل. فبينما كان أبناء الأقاليم يشدون الرحال صوب القاهرة طلباً للتعليم وسعياً وراء الرزق، كان المشهد في بورسعيد مغايراً تماماً؛ إذ لا يكاد يُعرف بورسعيدي يقوى على مفارقة مدينته مهما تعددت الإغراءات، لأن مغادرة بورسعيد غربة لا يحتملها. وإن اضطرته ظروفه للسفر، حملها معه في وجدانه، وبقي حنينه إليها لا ينقطع.
-
قراءة في تحولات المدينة الحرة:
وإذا كان التعصب لبورسعيد مع بداية نشأتها ضرورة لتثبيت أركان الشخصية البورسعيدية في بداية تشكلها... فإن هذا التعصب قد اصطدم بتحولات جوهرية أصابت الشخصية البورسعيدية، وهزت بنيانها، وأضرت بها ضرراً بالغاً؛ لاسيما إثر تحويل بورسعيد إلى منطقة حرة عامة في سبعينيات القرن الماضي،
-
وعن تلك التحولات التي أصابات المجتمع البورسعيدي في العقدين الأخيرين، سألنا سيد كراوية عن أسبابها فأرجع ذلك إلى:
"تحول المزاج العام ليصبح مزاجاً تجارياً بحتاً تحكمه قواعد المصلحة وموازين الربح والخسارة".
وقد تزامن ذلك مع إهمال التعليم وتراجع دور الثقافة، وهو ما أدى إلى تآكل البنية الوجدانية للمدينة، فانفرط عقد المنظومة القيمية التي طالما حمَت بورسعيد وصانت هويتها طوال عقود المحن والحروب، ليحل محلها فراغ روحي وثقافي فسيح عجزت الفوائد المادية والمكاسب الاقتصادية للمنطقة الحرة عن تعويضه.
وقد زادت ظروف الحرب وما رافقها من تهجير واضطراب اجتماعي واقتصادي من حدة هذه التحولات،
ويضيف سيد كراوية: "من أهم نتائج هذه التحولات أنها أسهمت في ترسيخ مشاعر المظلومية والاضطهاد لدى قطاعات من أبناء المدينة. ومما زاد الأمر سوءاً أن تبنى قطاع كبير من أبناء بورسعيد، نظريات المؤامرة التي تحاك ضدهم، مثل الاعتقاد الشعبي السائد بأن الرئيس مبارك لم يكن يحب بورسعيد؛ وقد برزت هذه التصورات بصورة لافتة عقب واقعة اعتداء المواطن البورسعيدي المعروف بـ«أبو العربي» على الرئيس مبارك عام 1999، ثم تجسدت بصورة أكثر وضوحًا في بعض أشكال الاحتجاج الرمزي ضد السلطة السياسية، ومن أبرز هذه المظاهر قيام جماهير النادي المصري بتكسير صورة للرئيس مبارك كانت مثبتة بجوار استاد بورسعيد، وذلك عقب أحداث مباراة المصري والزمالك عام 2005. وقد ارتبط هذا السلوك، وفقًا للتصورات السائدة لدى بعض الجماهير، باعتقادهم بانتماء مبارك إلى نادي الزمالك، وربطوا بين ذلك الانتماء وما اعتبروه انحيازًا ضد ناديهم".
ومن مظاهر تلك التحولات أن ظهر اتجاه لدى الأجيال الجديدة في مغادرة المدينة التي فقدت رونقها بعد ندرة فرص العمل وتردي الأحوال الاقتصادية واختلاف التركيبة السكانية. وقد انعكست هذه المتغيرات على الشخصية البورسعيدية، فأخذت تتجاذبها تحولات اقتصادية واجتماعية ونفسية متباينة، تركت آثارًا عميقة في علاقتها بذاتها وبالآخرين.
وفي هذا السياق بدأ التعصب يتحول من معناه الوطني النبيل إلى شوفينية منفّرة. فبعد أن كانت المدينة تفتح ذراعيها للقادمين إليها، وتستوعب المختلفين عنها في إطار من التعايش والانتماء المشترك، أخذت بعض الأصوات تنظر إلى الوافدين نظرة استعلائية إقصائية، وشاع على ألسنة البعض وصفهم بـ«الأغراب»، فصار اللفظ وصمة جاهزة تُحمِّلهم مسؤولية ما آلت إليه أحوال مدينتهم، في محاولة لإلقاء تبعات التراجع على الآخر بدلًا من مواجهة الأسباب الحقيقية. وهكذا انقلب التعصب من آلية لحماية هوية المدينة إلى وسيلة لاستبعاد الآخر، وفقد الانتماء شيئًا من معناه الجامع، فتحول من مصدر للتكامل والاحتواء إلى أداة للفرز والإقصاء، وترك ذلك أثره في علاقة أبناء المدينة بأنفسهم وبالآخر، وفي طريقة التعبير عن الهوية البورسعيدية والدفاع عنها.
ومع تراجع دور المنطقة الحرة، تبدو بورسعيد في حاجة ماسة إلى المكاشفة والشجاعة في مواجهة ما طرأ عليها من تحولات، لاستعادة روحها الأولى، والبحث عن نقاط قوتها وأسباب تميزها التي فرضها المجتمع المحلي بخصوصيته، وعلاج مواطن الضعف، وإعادة اكتشاف الشخصية البورسعيدية التي توارت في زحام المنطقة الحرة.
فالمدينة التي انصهر فيها الجميع يومًا بحثًا عن انتماء جامع، قادرة على أن تجد نفسها من جديد.
|