|
القاهرة 06 أكتوبر 2026 الساعة 09:40

كتب: د. جمال الفيشاوي
ضمن فعاليات الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي عام 2026م، قدمت فرقة أنايبيس للإنتاج العرض المسرحي لا موضي (Show Off) على مسرح الهناجر، من تأليف وإخراج وسينوغرافيا الطاهر عيسى بن العربي.
وقد فاز العرض بجائزة أفضل مخرج، كما فاز بطل العرض الفنان أمير الدريدي بجائزة أفضل ممثل مناصفة مع أليكسي تيتكوف عن عرض ليزا المسكينة من روسيا الاتحادية، وقد تم تقديم العرض في الدورة العشرين من مهرجان المسرح الحر بالأردن وفاز بثلاث جوائز وهي: جائزة ذهبية المسرح الحر لأفضل عرض مسرحي متكامل، وجائزة أفضل سينوغرافيا، وجائزة ذهبية الفنان سمير خوالدة/ المسرح الحر لأفضل إخراج مسرحي.
تعنى كلمة لا موضى في اللهجة التونسية الموضة، أو اللباس، والأسلوب الدارج في الزي والتصميم، وهذه الكلمة في الأصل اللغوي مشتقة من الكلمة الفرنسية (La mode)، وتستخدم لوصف ما هو حديث أو رائج في أسلوب اللباس، أو المظهر العام.
تدور الفكرة الرئيسية للعرض حول مواجهة مباشرة للنظام الرأسمالي الذي يصنع الذوق المتمثل في الموضة حيث الجمال والأناقة والذوق والاستعراض، وبالتالي يصنع الرغبة الدائمة عند الإنسان المغرم بالموضة في أن يصبح مستهلكاً لتلك الموضة، ويعتمد صانعي الموضة على التسويق الرقمي مما يجعل الجديد في عالم الموضة مهما كان شكلة أو إمكاناته مسيطر على الرغبة الإنسانية التي تلهث وراء كل منتج جديد حتي تملكه، حيث ترسخ في عقل ووجدان الأشخاص المستهلكين للموضة، أن قيمة الإنسان أصبحت مقترنة بحسن المظهر وارتداء كل ما هو حديث، فقد أصبح الإنسان يعيش في عالم يعتبر سوقاً للذوق (العالم الاستهلاكي)، مما يحقق الربح الوفير لصاحب رأس المال صانعي تلك الموضة.
تدور الأحداث حول العالم المتوحش الذي نعيشه الآن وانهيار الأخلاق وأن حقوق الإنسان التي يتشدق بها الغرب أصبحت أكذوبة، فقد أصبحت القوة في امتلاك المال، والسيطرة بالاقتصاد على مقدرات الشعوب.
ظهر العرض في فضاء مغلق (استديو) حيث يتم تصوير مجموعة من الأشخاص دون توقف، حيث قاموا بالتوقيع على عقد يلزمهم بذلك، فكل شخص قابل لأن يصبح صورة، وكل صورة قابلة للعرض بأن تصبح سلعة، حيث تتراجع الحدود بين الأصل والصورة، فنجد أن الفنان أصبح أسير لسلطة التكنولوجيا وهيمنة رأس المال عليه، فقد تحول الإنسان في هذا العصر الاستهلاكي إلى مجرد سلعة؛ لكن يوجد صوت خفي ذو قوة وقدرة عالية على السيطرة يتحدث مع كل الشخصيات ويوجهها ويدفعها دفعاً في الاتجاه الذي يريده، حسب ما يتناسب مع منطق الربح المادي.
اعتمد المخرج في تجربته على تداخل الفنون، وصنع العرض بطريقة بسيطة ومتنوعة، فقدم لنا عرضاً مسرحياً بلغة تجمع بين الحوار المسرحي، والأداء الحركي، وبعض الاستعراضات خاصة الاستعراضات الأكروباتيه التي تقدم في السيرك، والموسيقى، وسرعة الإيقاع، ورسم صورة بصرية، وكأنه عرض أزياء، وأجاد في توظيف الممثلين بالتنوع في الأداء والتناغم ببينهم، حيث إن عروض الأزياء تعتمد على الجمال، والأناقة، والاستعراض، لتشكل الإبهار في الصورة العامة للمتلقي.
لكن هذا الإبهار ما هو إلا خدعة، أو ستار يخفي ما يريد تقديمه للمتلقي الطاهر عيسى بن العربي، ليكشف للمتلقي تدريجياً عن منظومة أكثر تعقيداً، وهي محاولة سيطرة أصحاب رؤوس الأموال على العالم، عن طريق الموضة من خلال الإبهار والتسويق الرقمي فضلاً عن هيمنة الإعلام وتأثير الصورة على سلوك قطاع عريض من الجماهير؛ لتصبح أدوات للهيمنة الربحية ، وجعل العالم خاصة العالم الثالث مستهلك دائما ولا ينتج شيئاً، ويقوموا بتضليل الشعوب بنشر الجهل بينهم، بإعادة تشكيل الرغبات، والتأثير في وعي الإنسان وسلوكه، حتى يفقد هويته ويتم بث ذلك في نفوسهم مستخدمين سياسة الإلهاء، عن طريق وسائل الدعاية والإعلانات المتعددة؛ والإغراء بأن كل ما ينتج حديثا هو الأفضل دائماً، حيث التطور باستخدام التكنولوجيا الحديثة المتقدمة، على الرغم من أنه من الممكن أن يكون بضاعة رديئة وأسوأ مما أنتج سابقاً، فليس كل ما نراه هو الحقيقة الكاملة، وليس كل ما نختاره هو الأجود، وليس كل ما تم اختياره تم بإرادتنا المطلقة.
جسد فضاء خشبة المسرح استديو تصوير كبير ليخدم فكرة العرض، فوضع فيه بعض قطع ديكور، فنجد في العمق ثلاث شاشات من القماش، ليطبق تقنية الفيديو مابينج (Video mapping)، حيث تكون الشاشة الوسطى أعلى وأطول من كلٍ من الشاشتين على اليمين أو اليسار، لكنها أقصر من أسفل، ويعرض عليهم من خلال البروجيكتور مجموعة من الصور والفيديوهات كمادة فلمية، لتخلق حالة تشكيلية تكمل المنظر المسرحي، كما توجد ماكينة خياطة وضعت في منطقة وسط اليمين للمتلقي، تمثل مصنع الملابس الذي ينتج كل ما هو جديد في عالم الموضة، وفي وسط اليسار للمتلقي يوجد كرسي، وبجواره جهة اليمين يتدلى من السوفيتا طوق يشبه الموجود بالسيرك، مع نزول حبل معلق به موتور من السوفيتا ليحرك لاعب السيرك ويصعد بهما في حركات بهلوانية، كما يتدلى أيضاً من السوفيتا كمية من أنصاف مانيكان، ليعبر عن كم المعروض من الملابس المصممة على أحدث صيحات التي تعرض على المستهلك الذي يلهث وراء الموضة، وفي منتصف المسرح يوجد ممشى (سجادة) لونه أبيض يمر عليه عارضو الأزياء.
تميزت الملابس بتصميمات، وأنواع من الأقمشة، وألون متعددة ومختلفة لاستكمال الشكل الجمالي، والصورة البصرية والإبهار في العرض.
كانت معظم الإضاءة إضاءة خلفية (Backlighting) فظهرت الشخصيات بملامح غير واضحة (كسلويت) في إشارة لتحويل الإنسان لمجرد سلعة، مع بعض الإضاءات الأمامية لإبراز وجه الممثلين، كما استخدمت الإضاءة لإظهار الشكل الجمالي والمبهر، وسلطت الإضاءة في بعض الأحيان على المتلقي لجعله متورطا ومشاركا فيما يشاهده من أحداث هذه اللعبة المسرحية، ويؤكد المخرج بالإضاءة على ما قدمة منذ بداية العرض بوجود أحداث تشير إلى قوة غامضة مسيطرة ومهيمنة في صالة العرض تتحرك بين مقاعد الجمهور دون كلمة واحدة، وتدور أحداث أخرى على خشبة المسرح ليدمج الجميع في بوتقة واحدة.
قدم المخرج في العرض بعض الأغنيات الأجنبية، والغناء الحي، واستخدم الموسيقى العالمية، ومنها موسيقى الهارد روك (نوع فرعي صاخب وقوي مشتق من موسيقى الروك أند رول، بدأ ظهوره في منتصف ستينيات القرن الماضي.) كموسيقي مستفزة وصاخبة ، تثير التوتر والانفعال، لتوقظ المتلقي وتحفزه حتى يفكر فيما يراه على خشبة المسرح، كما مزج بين الموسيقى التراثية التونسية والموسيقى الحديثة مما ساهم في الحفاظ على إيقاع العرض.
بلد العرض: تونس
تأليف وسينوغرافيا وإخراج: الطاهر عيسى بن العربي
مكان العرض: مسرح الهناجر ضمن فاعليات الدورة 33 من مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبي.
طاقم التمثيل والأداء:
البطولة: أمير الدريدي، مريم ريزا
الأداء التمثيلي والحركي:
عبير الصميدي، أمان الله التوكابري، منار طنقور، شيماء فتحي الخميري.
فريق السيرك والاستعراض:
سارة الركباني (سيرك)، محمد عثموني (سيرك)، غادة بلقاسم (راقصة)، فارس قايدة (عارض أزياء) .
الفريق الفني:
الإضاءة (عادل الشعباني)، صوت (عزيز بلحاج)، ملابس (دلندة الطرخاني)، الألحان الموسيقية (علي الجزيري)، كوريغرافيا (غادة بلقاسم)، إدارة الإنتاج (مريم ريزا، أمير الدريدي).
كل الشكر والتحية والتقدير لكل من ساهم في ظهور هذا العرض للنور، والشكر موصول لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي.








|