|
القاهرة 06 أكتوبر 2026 الساعة 09:31 ص

بقلم: د. نبيل بهاء الدين
لم نكن نحتاج يومها إلى أن نسأل: ماذا سنفعل الليلة؟
كان الغد إجازة، وكانت السهرة تمتد قليلًا، وكان في البيت اتفاقٌ غير مكتوب على أن هذا المساء مختلف.
نجتمع أمام التلفزيون، لا لأن أحدًا أمرنا بذلك، ولا لأننا كنا نبحث عن شيء نقتل به الوقت، وإنما لأن التلفزيون نفسه كان يعرف كيف يصنع موعدًا.
كان جهازًا واحدًا في البيت، وشاشة واحدة تكفي لأن تجلس الأسرة حولها.
لم يكن لكل فرد عالمه الخاص، ولا كانت آلاف الخيارات تتدافع أمام أعيننا كل ثانية. كان هناك برنامج ننتظره، وموعد نعرفه، وسهرة نتهيأ لها، ووقتٌ نترك فيه ما بأيدينا لنرى شيئًا اختاره لنا أحد.
وربما لم نكن ندرك وقتها أننا كنا نعيش واحدة من أكثر تجارب الإعلام تأثيرًا في تشكيل الوعي والذائقة والذاكرة المصرية.
كان التلفزيون المصري، في عقود سابقة وفي التسعينيات على وجه الخصوص، أكثر من شاشة.
كان رفيقًا يوميًا للبيت المصري.
كان يقول لنا: «أين تذهب هذا المساء؟» فنبحث معه عن إجابة.
وكان يقدم لنا «اخترنا لك»، فيمنح المشاهد إحساسًا بأن هناك من جلس قبله، وفكر، وانتقى، وقال له: هذه هي الأشياء التي أظن أنك ستستمتع بها.
وفي «سينما الأطفال» لم تكن الحكاية مجرد رسوم متحركة أو فيلم يمر أمام عيون الصغار؛ كان الطفل يتعلم، دون أن يشعر، أن الشاشة يمكن أن تفتح له بابًا على عالم آخر.
ثم يأتي «نادي السينما«.
نشاهد الفيلم، ثم نسمع من يتحدث عنه، وعن مخرجه، وعن لغته البصرية، وعن الإنسان المختبئ خلف الشخصيات والحكايات.
لم تكن المشاهدة نهاية التجربة؛ كانت بدايتها.
وكان «العلم والإيمان» يأخذ المشاهد من غرفة الجلوس إلى أسئلة الكون والإنسان والحياة، فيقدم العلم في صياغة قريبة من الناس، ويجعل المعرفة شيئًا يمكن أن يقترب منه المشاهد دون رهبة.
ثم «عالم الحيوان،
و«عالم البحار«،
و«سر الأرض.«
برامج كانت تنقل إلينا عوالم لا تستطيع أعيننا الوصول إليها.
غابات لم نرها.
أعماق لم نعرفها.
كائنات لم نكن نتصور وجودها.
وأسرارًا تختبئ تحت أقدامنا وفوق رؤوسنا.
وكانت «بانوراما فرنسية» وغيرها من البرامج والمواد الأجنبية تفتح نوافذ إضافية على العالم؛ في زمن لم يكن العالم فيه متاحًا بضغطة إصبع.
كنا ننتظر العالم حتى يصل إلينا.
ولعلنا لم نكتشف إلا بعد سنوات أن الانتظار نفسه كان جزءًا من المتعة.
كنا نعرف أن البرنامج سيأتي في موعده، فننتظره.
وأن الفيلم سيعرض في ليلة محددة، فننتظره.
وأن العدد الجديد من الصحيفة سيصل في الصباح، فنبحث عنه.
وأن المجلة التي نحبها ستظهر في موعدها، فنذهب إلى بائع الصحف.
كان للزمن آنذاك إيقاعه.
وللأشياء مواعيدها.
وللمواعيد قيمة.
ثم يأتي رمضان، فتتسع الحكاية.
تزدحم البيوت بالأصوات، وتصبح الشاشة جزءًا من الطقس اليومي.
وفي الذاكرة يطل طارق علام وبرنامجه «كلام من دهب»، حيث كانت الأسئلة تنزل إلى الشارع، ويصبح المواطن العادي بطلًا للحظة، بإجابته أو ارتباكه أو ضحكته أو محاولته الوصول إلى الجائزة.
لم يكن المشاهد يتابع السؤال وحده.
كان يتابع الناس.
يرى المصريين كما هم: ببساطتهم، وخفة ظلهم، وذكائهم، وارتباكهم، وأحلامهم الصغيرة.
وهذه واحدة من أهم وظائف الإعلام التي نفتقدها حين يتحول الإنسان إلى مجرد رقم في إحصاءات المشاهدة.
كان التلفزيون يري الناس بعضهم بعضًا.
ثم كانت الصحافة الورقية تكمل ما بدأته الشاشة.
كان للصباح طقسه.
الجريدة على الطاولة.
فنجان الشاي أو القهوة.
صوت الورق وهو ينفتح.
العناوين.
الأخبار.
التحقيقات.
المقالات.
الكاريكاتير.
صفحات الثقافة والفن والرياضة.
ثم تلك التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو اليوم هامشية، لكنها كانت جزءًا من علاقة القارئ بالصحيفة: المسابقات، الألغاز، المعلومات العامة، والكلمات المتقاطعة.
لم تكن الكلمات المتقاطعة مجرد لعبة لتمضية الوقت.
كان القارئ يقف أمام مربع صغير عاجزًا عن تذكر اسم، أو عاصمة، أو مصطلح، ثم يبدأ في البحث داخل ذاكرته.
وإذا عجز، سأل أحدًا.
وإذا عرف، شعر بلذة الانتصار الصغيرة.
كانت الصحيفة تضع المعرفة في صورة لعبة، وتجعل القارئ شريكًا في الصفحة لا مستهلكًا لها.
وبين مربع وآخر، كانت الذاكرة تتسع.
وبين سؤال وآخر، كان شيء ما يتعلمه الإنسان.
كانت الثقافة تتسلل إلى الحياة اليومية دون أن ترتدي دائمًا ملابس المحاضرات.
وهذه ربما كانت إحدى أجمل خصائص ذلك الزمن:
أن المعرفة لم تكن منفصلة عن المتعة.
لم يكن الإعلام القديم كاملًا.
ولم تكن كل برامجه عظيمة، ولا كل صحفه خالية من العيوب، ولا كل ما كان يعرض على الشاشة يستحق البقاء في الذاكرة.
لكن القضية ليست في الكمال.
القضية في وظيفة الإعلام.
كان هناك تصور، بدرجات متفاوتة، أن الإعلام لا يكتفي بملء ساعات البث، وإنما يشارك في بناء الذائقة، وتكوين الوعي، وتوسيع الخيال، وصناعة الاهتمامات.
كان يمكن لبرنامج أن يضحكك ويعلمك.
ولفيلم أن يسليك ثم يترك في رأسك سؤالًا.
ولصحيفة أن تخبرك بما حدث في العالم، ثم تدفعك إلى قراءة مقال، ثم تضع أمامك لغزًا يجبرك على تشغيل ذاكرتك.
كانت الثقافة تدخل البيت من أبواب كثيرة.
ولم تكن دائمًا بحاجة إلى أن تعلن عن نفسها.
ثم تغير كل شيء.
لم يعد لدينا نقص في المحتوى.
لدينا فائض هائل منه.
كل شيء متاح.
الأفلام.
الكتب.
المحاضرات.
الوثائقيات.
المتاحف الافتراضية.
الموسوعات.
البرامج.
الصحف.
العالم كله تقريبًا صار مختصرًا داخل هاتف صغير.
لكن المفارقة أننا، رغم هذا الثراء غير المسبوق، أصبحنا أكثر فقرًا في شيء آخر:
الانتباه.
انتقلنا من زمن كان علينا فيه أن ننتظر المحتوى إلى زمن يتعين علينا فيه أن نقاومه.
لم تعد المشكلة أن نجد شيئًا نشاهده.
المشكلة أن نجد شيئًا يستحق أن نكمله.
نفتح مقطعًا.
ثم آخر.
نقرأ عنوانًا.
ثم تعليقًا.
ننتقل إلى صورة.
ثم خبر.
ثم مقطع قصير.
ثم نعود إلى البداية دون أن نتذكر في النهاية ماذا كنا نبحث عنه.
لقد تحولت الشاشة من نافذة على العالم إلى سوق ضخمة تتنافس فيها ملايين الأصوات على ثوانٍ قليلة من انتباهنا.
ولم يعد السؤال دائمًا:
ماذا يستحق أن تراه؟
بل أصبح السؤال في كثير من الأحيان:
ما الذي سيجعلك لا تغادر؟
وهنا تغيرت المعادلة.
أصبحت السرعة تنافس العمق.
والإثارة تنافس المعرفة.
والعنوان ينافس المقال.
والانتشار ينافس القيمة.
والصخب قادرًا أحيانًا على ابتلاع الصوت الهادئ.
ولذلك ربما لا نفتقد «أين تذهب هذا المساء؟» باعتباره برنامجًا بعينه.
نحن نفتقد فكرة أن يكون للمساء موعد.
ولا نفتقد «نادي السينما» لأنه كان برنامجًا تلفزيونيًا فحسب.
نحن نفتقد فكرة أن نشاهد شيئًا ثم نتحدث عنه.
ولا نفتقد «عالم الحيوان» و«عالم البحار» لأننا لم نعد نرى ما يكفي من العالم؛ على العكس، نحن نرى اليوم أكثر مما رأته أجيال كاملة.
لكننا نفتقد دهشة الاكتشاف.
ذلك الشعور الذي كان يجعل طفلًا يجلس أمام الشاشة ويرى للمرة الأولى كائنًا يعيش في أعماق البحر، فيظل المشهد عالقًا في ذاكرته سنوات.
اليوم يمكن للطفل أن يشاهد مئات المقاطع في الساعة.
لكن كم منها سيبقى معه؟
ربما لهذا بقيت صورة الأسرة المصرية حول التلفزيون حاضرة في ذاكرة جيل كامل.
لم تكن الشاشة وحدها هي التي تجمعهم.
كان ما على الشاشة هو الذي يجمعهم.
كان الأب يقول:
»البرنامج بدأ. «
فتسكت الأصوات.
ويترك أحدهم ما في يده.
وتتحرك الأسرة نحو الشاشة.
ثم ينتهي البرنامج، فيبدأ الكلام عنه.
وهنا كانت الشاشة تتحول إلى حديث.
والحديث يتحول إلى ذاكرة.
والذاكرة تتحول، بعد سنوات، إلى جزء من السيرة الشخصية لجيل كامل.
أما اليوم، فقد يجلس أربعة أشخاص في الغرفة نفسها، لكن كل واحد منهم يعيش أمام شاشة مختلفة.
أربعة هواتف.
أربع خوارزميات.
أربعة عوالم.
والغرفة واحدة.
ولذلك فإن السؤال ليس: هل كان الماضي أفضل؟
هذا سؤال سهل، وربما ظالم أيضًا.
ولا نحن بحاجة إلى إعادة التلفزيون القديم، ولا إلى إعادة الصحيفة الورقية إلى مكانها القديم، ولا إلى أن نعيش في التسعينيات مرة أخرى.
ما نحتاجه هو أن نستعيد الفكرة التي جعلت تلك الوسائط مؤثرة.
أن نفهم أن الإعلام ليس آلة لملء الفراغ.
وأن الثقافة ليست مادة ثقيلة نضعها في زاوية بعيدة.
وأن الترفيه لا يعني بالضرورة إفراغ العقل.
وأن المعرفة يمكن أن تكون ممتعة.
وأن البرنامج الجيد لا يسرق منك وقتك، وإنما يترك لك شيئًا بعد أن ينتهي.
نحتاج إلى إعلام لا يسأل فقط: كم شخصًا شاهد؟
بل يسأل أيضًا:
ماذا بقي في الإنسان بعد أن شاهد؟
ربما لهذا، حين أتذكر «يوم الخميس»، لا أتذكر برنامجًا بعينه.
أتذكر بيتًا هادئًا نسبيًا.
تلفزيونًا يعمل في ركن الغرفة.
صحيفة على الطاولة.
قلمًا يتحرك فوق مربعات الكلمات المتقاطعة.
وصوتًا يأتي من الشاشة ليخبرنا أن هناك شيئًا يستحق أن نراه.
أتذكر أننا كنا ننتظر.
وكان الانتظار، رغم بساطته، يمنح الأشياء قيمة.
أما الآن، فقد أصبح كل شيء يصل إلينا فورًا.
الخبر فورًا.
الصورة فورًا.
الفيلم فورًا.
المعلومة فورًا.
والإجابة فورًا.
حتى قبل أن نسأل.
لكن وسط هذه السرعة كلها، يبدو أننا فقدنا شيئًا لا يصل بالسرعة نفسها:
القدرة على أن نتوقف.
أن نجلس.
أن نشاهد.
أن نقرأ.
أن نصغي.
أن نفكر.
أن نترك شيئًا ما يعبر من الشاشة إلى داخلنا، بدل أن يعبر أمام أعيننا ثم يختفي.
وربما لم تكن أجمل ليالي الخميس هي تلك التي امتلأت بالبرامج.
ربما كانت أجملها تلك التي خرجنا منها بشيء.
معلومة جديدة.
فكرة.
مشهد.
ضحكة.
سؤال.
أو حتى رغبة صغيرة في أن نعرف أكثر.
كانت تلك هي الحفلة الحقيقية.
لم تكن حفلة التلفزيون.
كانت حفلة الوعي.
أما نحن اليوم، فقد صار لدينا من الشاشات ما يكفي لإضاءة العالم كله.
ويبقى السؤال:
هل ما زال لدينا ما يكفي من الضوء داخلنا لنراه؟
|