|
القاهرة 03 أكتوبر 2026 الساعة 11:51 ص

كتبت: د. إنجي عبدالمنعم
* دورة سناء جميل تفتح خشباتها لأسئلة الهوية والعنف والفقد والانتماء
اختتم مهرجان إيزيس الدولي لمسرح المرأة دورته الرابعة، التي حملت اسم الفنانة الراحلة سناء جميل، برئاسة المخرجة عبير لطفي، وإدارة المخرجة عبير علي حزين، بعد ثمانية أيام من العروض والورش والندوات والفعاليات الفكرية، بمشاركة 13 عرضًا من مصر وعدد من الدول العربية والأجنبية.
وبدأ المهرجان هذا العام أكثر انشغالًا بالأسئلة الإنسانية المرتبطة بتجارب النساء، وناقش قضايا السلطة والهوية والعلاقات والفقد والانتماء من خلال تجارب مسرحية متنوعة.
في «فرصة أخرى»، الذي قدمه المعهد العالي للفنون المسرحية، تحولت العلاقة الزوجية إلى ساحة لفحص القهر والاحتياج والرعاية. ومن خلال صراع زوج وزوجة، يطرح العرض سؤالًا عن الحدود الفاصلة بين الضحية والجلاد، وإمكانية أن يشارك الإنسان، بصورة أو بأخرى، في استمرار دائرة القهر.
أما «غرفة تخصها وحدها» لرانيا زهرة، فاستعاد حكايات ثلاث نساء من أجيال مختلفة داخل فضاء واحد، مستخدمًا الحركة والحكي والمسرح الجسدي للكشف عن الذاكرة والخسارة والرغبة في التواصل. وتتحول الغرفة إلى فضاء تتقاطع فيه تجارب النساء وذكرياتهن وما تركته السنوات في حيواتهن.

وفي «المدعوة»، أحد مشروعات حاضنة نهاد صليحة، وصلت قضية السلطة الأبوية إلى أكثر صورها قسوة؛ امرأة تُجبر منذ طفولتها على العيش بهوية رجل، ثم تبدأ رحلة طويلة لاستعادة ذاتها. العرض، المأخوذ عن «ليلة القدر» للطاهر بنجلون، يضع الهوية والجسد والحرية في مواجهة مباشرة مع سلطة المجتمع والأسرة.
ومن الخاص إلى العام، جاء «جامد موت» ليحمل قضية الحرب واللجوء إلى خشبة المهرجان. امرأتان فقدت كل منهما ابنها في معسكر الطرف الآخر، تلتقيان في بلد للجوء، في حكاية تستخدم الشكل البريختي لتفكيك المأساة ووضع الجمهور أمام عبثية الحروب وثمنها الإنساني.
وفي «Underdogs»، اتخذ الجسد مكان الكلمة. العرض غير الناطق، الذي يمزج الرقص والأكروبات والتمثيل، تناول عزلة المهمشين ومحاولتهم بناء روابط مشتركة، بينما قدم العرض الاسكتلندي «Chunky Jewellery» قراءة أكثر حميمية لتجارب الصداقة والأمومة والفقد، عبر مزيج من المسرح والرقص والكوميديا والأغاني.
وبين هذه التجارب، ظهر تنوع واضح في أدوات التعبير: نصوص واقعية، مسرح جسدي، سرد بريختي، رقص وأكروبات، وحكايات تتراوح بين الخاص والعام. وأتاح هذا التنوع للمهرجان تقديم تجارب مختلفة في تناول قضايا النساء وربطها بأسئلة إنسانية أوسع.

* من العرض إلى صناعة المستقبل:
اهتم مهرجان «إيزيس» بتطوير التجارب الجديدة من خلال حاضنة نهاد صليحة، إلى جانب الورش والندوات والشهادات الفنية، لتصبح فعاليات المهرجان مساحة للعرض والتعلم وتطوير المشاريع المسرحية.
وفي ختام الدورة، أعلن المهرجان نتائج مسابقة فتحية العسال للنصوص المسرحية، بالتعاون مع دار ريشة للنشر، بعد مشاركة 54 نصًا.
حيث فاز في مسار المحترفين كل من «حفرة» لإسلام فرغلي، و«هي وما جرى لها» لمجدي مصطفى القوصي، و«نساء القمر» لداليا بسيوني، بينما فازت في مسار المبتدئات نصوص «خضاب روح» لسمر المليجي، و«القشة» لنور الهدى طاهر محمد الصغير، و«كانيلوني» لسارة قاسم.
ومن المقرر جمع النصوص الفائزة في كتاب يصدر عن دار ريشة، بما يمنح الكتابات الجديدة فرصة للوصول إلى جمهور أوسع.

* سناء جميل.. حضور يتجاوز التكريم:
كان اختيار اسم سناء جميل للدورة الرابعة أكثر من مجرد احتفاء بفنانة تركت أثرًا واضحًا في المسرح والسينما والتلفزيون؛ فقد بدا حضورها الرمزي متسقًا مع دورة تبحث عن الشخصيات النسائية المركبة، وعن الأداء الذي يمنح الشخصية الإنسانية عمقها بعيدًا عن الصور النمطية.
* في ميزان الفن:
في محصلته، نجح «إيزيس» في دورته الرابعة في توسيع مفهوم «مسرح المرأة»، من خلال عروض تضع قضايا السلطة والهوية والحب والفقد والعزلة والرغبة في التحرر في قلب التجربة المسرحية.
كما منح تنوع الأشكال، من الواقعي إلى الجسدي والبريختي والراقص، الدورة قدرًا من الثراء، مع تفاوت مستويات التجارب وعدم وصول جميع العروض إلى الدرجة نفسها من النضج الجمالي.
وتبرز أهمية الدورة أيضًا في المساحات التي فتحها المهرجان للتجريب والتطوير، عبر حاضنة نهاد صليحة ومسابقة فتحية العسال والورش المصاحبة، بما يعزز دوره في دعم المواهب والمشروعات الجديدة إلى جانب تقديم العروض.
وبين عروض امتلك بعضها أدواته بوضوح، وتجارب أخرى ما زالت في طور البحث عن لغتها، قدمت الدورة الرابعة صورة لمسرح يتعامل مع تجارب النساء باعتبارها مادة فنية قابلة للتعدد والتأويل، ويفتح منها أسئلة تتجاوز حدود التجربة الفردية إلى المجال الإنساني الأوسع.
وهنا تكمن أهم مكاسب دورة سناء جميل: أنها دفعت تجارب النساء إلى الخشبة بوصفها حكايات وأسئلة وصراعات إنسانية، وراوحت بين المباشرة والتجريب، وبين قوة الفكرة ومستويات متفاوتة من المعالجة الفنية.
وهو ما منح الدورة حضورًا واضحًا، حتى مع الحاجة إلى مزيد من الصرامة في اختيار بعض التجارب وصقل أدواتها الجمالية.

|