|
القاهرة 01 أكتوبر 2026 الساعة 11:39 م

حاورتها: نهاد إسماعيل المدني
في قلب مساحة ضيقة لا تتعدى أمتاراً معدودة داخل عربة مترو، ينفتح عالم كامل يعبر عن التضامن الإنساني، والتحديات المستترة.
لم تكن "عربة السيدات" في العرض المسرحي "للسيدات فقط" لفرقة "شخلعة" مجرد سينوغرافيا مكانية أو خلفية لأحداث عابرة، بل كانت مختبراً إنسانياً يُفكك المفاهيم السائدة حول دور المرأة، ويسلط الضوء على مفهوم "العمل الرعائي" الذي تنهض به النساء والرجال على حد سواء دون تقدير كافٍ.
عبر 80 دقيقة من التكثيف الدرامي، والمزج بين الواقعية السحرية، والأداء الحركي الراقص، تحول المكان المغلق إلى مساحة للبوح والتكشف، تعيد صياغة العلاقات والهموم اليومية لكتلة صلبة من مجتمعنا.
وفي هذا الحوار الخاص لـ "مصر المحروسة"، نلتقي بالكاتبة والمخرجة "مي عامر" نبحر معها في أعماق هذا المنجز المسرحي، ولتكشف عن الفلسفة الإخراجية والدرامية التي تقف خلف العرض، والتحديات الجمالية التي واجهت صُناعه، وما تُخبئه النسخة النهائية للعمل مستقبلاً.
* ما الذي دفعكِ لاختيار "عربة المترو" كمساحة أحداث مغلقة لتكثيف الصراع الدرامي وتلاقي الشخصيات؟
نحن في فرقة "شخلعة" نتبنى رؤية مسرحية نسوية تهتم باستكشاف فضاءات النساء الخاصة التي لا يُكتب عنها كثيراً في الدراما التقليدية؛ فبعد تجربتنا الأولى التي سلطنا فيها الضوء على المساحات الحميمية اليومية للمرأة -كصالون التجميل (الكوافير)، والمطبخ، وحمام الثلاثاء- نواصل في هذا العرض رحلة البحث والاشتباك مع تلك المساحات التي تتيح للنساء فرصة البوح والتعبير التلقائي عن أنفسهن.
نحن نؤمن بأن النساء في مثل هذه الأماكن يكتشفن وجوهاً مختلفة لبعضهن البعض، وأن هذه الفضاءات ينبغي أن تتشكل كبيئة للدعم والتكاتف الإنساني بدلاً من أن تساق في سياق التنافس.
ومن هنا جاء اختيار "عربة المترو"، فهي بالنسبة لنا مساحة ملهمة للغاية لأنها تصنع التقاءً يومياً حياً بين مختلف أطياف الطبقة الوسطى، بل وحتى نساء ينتمين لطبقات اجتماعية أعلى دفعهن الواقع والتحولات الاقتصادية لاستخدام المترو، مما يجعل العربة تجمع حكايات وخلفيات متباينة في مكان واحد.
وقد ظلت فكرة "ما الذي تقوله النساء داخل عربة المترو؟" تشغلنا على مدار عام كامل، حتى تبلورت وتطورت خلال عملنا في حاضنة مسرح "نهاد صليحة" التي ركزت على موضوع "الرعاية".
من هنا انطلقنا في طرح تساؤل درامي: ماذا يحدث لو احتُجزت هؤلاء النساء داخل المترو وغبن لفترة أطول من المعتاد؟ وما حجم الخطر الذي قد يهدد ذويهن جراء هذا الغياب المفاجئ؟
أردنا من خلال ذلك إبراز مفهوم "العمل الرعائي" الذي تقوم به النساء بشكل يومي -من العناية بالأطفال، والوالدين، والبيوت، وحتى الحيوانات الأليفة- وهو جهد جبار لا يُدفع عنه أجر ولا يُقدَّر بالشكل الكافي مجتمعياً.
ورغم أن المرأة تقدم هذه الرعاية بمنتهى الحب ودون تذمر، إلا أن هذا الجهد هو العصب الذي يحمل البيوت ويحفظ توازنها، وغيابها لدقائق معدودة -كتأخرها عن استلام طفلها من الحضانة- يضع كل من تحت رعايتها في خطر حقيقي.
* العربة جمعت بين تسع نساء ورجل وطفلين؛ كيف عملتِ على إدارة هذا العدد داخل المساحة الضيقة دون تشتيت انتباه الجمهور؟
تعمدنا من البداية وضع جميع الشخصيات داخل هذه المساحة الضيقة المغلقة؛ حيث أردنا من خلال السينوغرافيا إظهار عربة المترو مغلقة تماماً من الأمام لتأكيد حالة الفصل، وللتعبير عن أن فضاءات النساء وعوالمهن الخاصة كثيراً ما تكون بعيدة عن أعين المجتمع ولا يراها بوضوح.
فالمجتمع في الأغلب لا يشاهد حكايات النساء الحقيقية، ولا يلمس حجم الهموم التي يحملنها أو طبيعة "العمل الرعائي" الشاق الذي يقمن به يومياً.
أما فيما يتعلق بإدارة حركة الشخصيات ومنع تشتت الجمهور وسط هذا العدد وتعدد الحكايات، فهذا يعود بالأساس إلى طريقة البناء الدرامي.
حيث عملنا في البداية على بناء تاريخ مفصل ودقيق لكل شخصية، ثم بحثنا عن نقاط التقاطع والتماس بينهن. وبناءً على ذلك، حينما تنشأ أي مواجهة أو حوار بين شخصية وأخرى، يتولد بينهما قدر من التلاقي أو التناقض الدرامي الذي يجذب انتباه المتفرج، ويساعده على متابعة تطور الأحداث ورؤيتها من زوايا مختلفة دون تشتيت.

* ما أصعب التحديات الإخراجية التي واجهتكِ في تقديم عمل تدور أحداثه بالكامل داخل مكان محدد طوال 80 دقيقة؟
تمثلت أكبر التحديات الإخراجية في حرصنا على إظهار عربة المترو معزولة تماماً، للتعبير عن العزلة التي تعيشها النساء وعن الجدار الفاصل بينهن وبين المجتمع وقضاياهن.
وفي الوقت نفسه، كان يراودنا القلق من ألا يشعر الجمهور بالارتياح التام تجاه هذه الرؤية البصرية التي تعمدنا جعلها عسرة وشاقة بعض الشيء.
هذا الخيار الجمالي فرض علينا رسم خطوط الحركة في مساحة ضيقة للغاية، مما ألمّ بحرية الممثلين في التنقل.
ولأننا فرقة تعتمد بالأساس على التعبير الحركي والرقص، واجهنا تحدياً كبيراً في كيفية دمج الرقص داخل هذا الفضاء الضيق.
ولأن العرض ينتمي لتيار "الواقعية السحرية"، نجحنا في حل هذه المعادلة عبر الفصل بين الواقع والحلم؛ فكل ما هو واقعي دار داخل عربة المترو، بينما تجسدت المشاهد السحرية واللوحات الراقصة التي تخرج عن نطاق الزمان والمكان خارج حدود العربة وفي مقدمة خشبة المسرح.
وقد ظهر ذلك جلياً في مشهدين أساسيين: الأول حين تسرح "منال" في أحلام اليقظة وتستحضر والدها في خيالها نتيجة قلقها عليه (وهو الاستعراض الأول مع الكرسي)، والثاني في استعراض "حنان" وهي تحلم بنساء المترو بعد عودتها للمنزل.
أتصور أنها كانت تجربة مختلفة وجديدة على الجمهور الذي اعتاد المسرح المفتوح؛ فنحن لم نكتفِ بنقل الحكاية للناس، بل أردنا أن نضعهم أمام معايشة حقيقية لمدى صعوبة أن تسرد النساء حكاياتهن من داخل تلك الفضاءات المغلقة وفي مواجهة المجتمع.
* العرض يسلط الضوء على التضامن واختبار التوقعات الاجتماعية؛ ما الرسالة الأبرز التي أردتِ تقديمها من خلال مواجهة الشخصيات لبعضها ولأنفسهم؟
الرسالة الأهم والأبرز في هذا العرض هي أن الأنشطة والأعمال الرعائية لم نعد ننظر إليها باعتبارها أمراً في غاية الأهمية، في حين أن شبكة الرعاية هذه هي الخيط الأساسي الذي يحمل المجتمع بأكمله. فلتتخيلي لو قرر كل فرد منا -نساءً ورجالاً ممن يتحملون مسؤوليات رعائية- الانسحاب فجأة من هذا الدور، لانهار البناء الاجتماعي بالكامل.
نحن نرى أن الرعاية مساحة واسعة للغاية، وهي الركيزة التي تسند المجتمع كي يستمر، رغم أنه لا أحد يراها، ولا أحد يلتفت إلى مشكلات القائمين عليها أو الهموم التي يحملونها.
كانت غايتنا الأساسية من هذا العرض هي الدعوة للاستماع إلى حكايات الرعاة ومعايشة همومهم، مع تسليط الضوء على كيف تتنسى النساء أنفسهن في غمار ذلك.
وقد ظهر ذلك بوضوح حين توقف المترو؛ فبالرغم من حالة التوتر والغضب والرغبة الطبيعية في الخروج، كان التفكير الأول والأكبر لمعظم النساء داخل العربة ينصب على الآخرين المنتظرين في الخارج، إذ تجاوز قلقهن على من يرعونهم خوفهن الشخصي على أنفسهن.

* العرض يحمل اسم "للسيدات فقط"، لكنه يضم رجلًا وطفلين داخل العربة؛ كيف يخدم وجودهم السياق الدرامي والقضية التي يطرحها العمل؟
يحمل العرض عنوان "للسيدات فقط"، لكننا أردنا في جوهر الأمر القول إن هذه العربة هي "عربة الرعاة"؛ فالعمل الرعائي لا يقتصر على النساء وحدهن، بل يوجد أيضاً رجال محترمون يدركون مسؤولياتهم الرعائية ويقومون بأدوارهم الكاملة كآباء.
درامياً، تتأسس الفكرة على وجود رجل مطلق يلتقي بابنته لمدة ساعتين فقط في الأسبوع. ولأن الطفلة اعتادت الركوب مع والدتها في هذه العربة تحديداً لكونها أكثر متسعاً وتحوي مقاعد شاغرة، قامت بسحبه دون إدراك منها لدلالة لافتة "للسيدات فقط" أو لحظر دخوله.
وبحكم كونه شخصاً مهذباً، يبادر باعتذار فور دخوله مؤكداً أنه سينزل في المحطة التالية، إلا أن المترو يتعطل فجأة قبل الوصول إليها، ليجد نفسه محتجزاً وسط كل هؤلاء النساء.
أما فكرياً، فوجوده يعكس فكرة أساسية وهي أنه يمارس دوراً رعائياً لا يختلف عما تقوم به النساء داخل العربة.
كان من المهم بالنسبة لنا تسليط الضوء على هذا النموذج الإيجابي من الرجال الذين يلتزمون بدورهم الأبوي؛ فهو حريص رغم أزمة الطلاق على أن تراه طفلته، فيقضي معها وقتاً يخرجها فيه ويشتري لها الألعاب، في صورة تتحدى النمط الشائع عن المكتفين بترك كافة المسؤوليات للأمهات بعد الانفصال.
إن هذا النموذج واقعي للغاية، وقد التقيته بشخصي خلال كتابة النص، وكان يحدوني الشغف لتقديمه للجمهور على خشبة المسرح.
* اعتمدتِ على الجمع بين التمثيل والحكي والحركة الراقصة؛ كيف ساهم هذا التنوع في إثراء الحركة على المسرح وكسر رتابة المكان المغلق؟
لم نكن نهدف إلى تقديم العرض بوصفه مجرد حكايات واقعية تقليدية تدور في اللحظة الراهنة فحسب؛ بل تعمدنا المزج بين الحكي واللغة الحركية لنفتح أفقاً لتيار "الواقعية السحرية".
وتجلى ذلك بشكل أساسي في مشاهد الأحلام الخاصة بشخصيتي "منال" و"حنان"، والتي سمحت لنا برؤية الشخصيات خارج نطاق المترو والغوص في أعماق عوالمها الداخلية.
ففي المشهد الاستعراضي والحركي لـ "منال"، نشاهد بلغة الجسد ودون كلام تفاصيل علاقتها الدافئة بوالدها؛ فنراها تستحضر طفولتها وعلاقتها بكرسي مكتبه، وتذوقها للحلوى ومحاولتها كتم أنفاسها لتجربة "بايب" والدها والضحك معه، ثم تفوقها الدراسي والتحاقها بكلية الطب.
وعلى الرغم من ظهور رمزية الطائرة التي تعكس حصولها على منحة دراسية بالخارج وتطلعها للسفر، إلا أنها تتنازل عن حلمها حين يتكشف الواقع ويمسي الكرسي كرسياً متحركاً، إثر إصابة الوالد بمرض "الروماتويد" وحاجته لمتابعة دقيقة ومستمرة، فتختار هي تحمل مسؤولية رعايته ومراحل علاجه.
عقب ذلك، يظهر باقي أبطال العرض على خشبة المسرح وكل منهم يحمل أداة تعبر عن طبيعة الرعاية التي يقدمها؛ فبين عكاز، وأشعة طبية، وصندوق لقطة تنال الرعاية، وحقيبة تمرين سباحة لأم تتابع دراسة ابنها وتدريبه، وبوكيه ورد لعروس ترافق صديقتها وتدعمها في ترتيبات زفافها.
لقد أردنا وضع كل هذه الأدوات في مقدمة خشبة المسرح لنؤكد أن المساحة الأوسع للعرض هي "فضاء الرعاية"؛ فهي ليست مجرد عربة للسيدات فقط، بل هي "عربة الرعاة" التي تجمع كل هؤلاء.
أما في مشهد الحلم الثاني لـ "حنان" -وهي بائعة المتجولة في المترو تتميز بأسلوب حركي وتفاؤل شديد- فتستعرض كيف تستمد طاقتها من حكايات النساء.
ورغم أن الواقع داخل العربة مليء بالغضب والضيق جراء الازدحام، إلا أنها تتخيل في أحلامها حين تعود للمنزل أن أروقة المترو تمنحهن مساحة أصفى وأكثر طمأنينة بين صديقاتهن، فيرقصن ببهجة وحرية.
ولتجسيد هذا الحلم حركياً، ارتدينا جميعاً زياً موحداً خارج حدود زمن الواقع المتردي، لنقدم لوحة راقصة مبهجة تعبر عن التضامن والأمل، وتمنح رؤية عميقة لما تتمناه أو تتخيله كل واحدة منا لحياتها قبل العودة إلى مشاغل واقعها.

* العرض يخرج للجمهور في مرحلة "قيد التطوير"؛ هل هناك أفكار أو تعديلات جديدة تنوين إضافتها للنسخة النهائية للعرض مستقبلاً؟
العرض حالياً في مرحلة التطوير والتقييم الذاتي؛ حيث أعمل ككاتبة ومخرجة للعرض إلى جانب زميلتيّ "آسيا علي" مصممة الاستعراضات (الكوريجرافر)، و"شيماء محمد فوزي" المخرجة المساعدة. نحن نعمل معاً كفريق على إعادة مشاهدة التوثيق البصري للعمل كاملاً، للوقوف على النقاط التي تتطلب إعادة تدقيق، وتحديد مواقع الإسهاب أو الثغرات الدرامية والحركية للعمل على معالجتها وتطويرها.
كما نولي اهتماماً كبيراً بالملاحظات القيمة والتوجيهات التي قدمها لنا أساتذتنا الكبار في حاضنة مسرح نهاد صليحة: الأستاذة عبير علي، والأستاذة عبير لطفي، والأستاذة رشا عبد المنعم. نحن نجمع كافة هذه الآراء لندرس كيفية تقديم الرؤية ذاتها التي شاهدها الجمهور، ولكن بأسلوب أكثر جودة وعمقاً.
إلى جانب ذلك، وبحكم أن فرقتنا ممتدة ومستمرة منذ ثلاث سنوات ولديها جمهورها المتابع، فإننا نهتم بشدة باستقبال آراء وتغذية الجمهور عبر صفحاتنا؛ لنعرف منهم ما الذي أثر فيهم، وما الذي يحتاج إلى تطوير أو إضافة أو حذف.
سنخصص هذا الشهر بالكامل للتفكير وتحليل كافة وجهات النظر والملاحظات، ثم سنجلس معاً لإعادة صياغة العرض وتعميق تفاصيله ليكون أكثر غنى وتأثيراً في نسخته المقبلة.

|