|
القاهرة 30 أكتوبر 2026 الساعة 11:02 م

كتبت: د. إنجي عبدالمنعم
تصوير: هبة عبدالوهاب
تتأسس النهضة الحقيقية للمجتمعات على جسور من التكامل الواعي بين الهيئات الثقافية والفنية والمؤسسات الخيرية غير الهادفة للربح؛ فالعمل التنموي عباءة الإبداع يكتسب قوة ناعمة قادرة على النفاذ إلى عمق الوجدان وتحريك المياه الراكدة تجاه القضايا الإنسانية الملحة..
من هنا يأتي ظهور الفيلم "فايزة" - من إنتاج مؤسسة «مصر الخير» وإخراج مهند دياب - ليجسد نموذجاً حياً لهذه الشراكة المثمرة، مدشناً مرحلة جديدة يثبت فيها الفن فكرياً، بل أداة فاعلة تضيء الطرق المجهولة، وتنتصر لقصص البساطة والصمود، ليعرض ضمن فعاليات مهرجان إيزيس الدولي لمسرح المرأة مؤكداً أن الثقافة والتنمية وجهان لعملة واحدة غايتها الأولى هي «نسان».
يتجاوز الفيلم سرد الحكاية المجردة ليطرح إشكالية بالغة الأهمية تخص علاقة صانع الفن بالواقع الخدمي والمؤسسي في الدولة، فكثير من الناس بفعل قسوة الظروف أو نقص الوعي يجهلون خريطة الخدمات الحكومية أو الأهلية المتاحة لهم، وهنا يأتي دور الفيلم ليكوّن نافذة نور تضيء هذه الطرق المجهولة.
والمثير في هذه التجربة هو ذلك الاشتباك الواعي بين الجانب الثقافي وبين مؤسسات المجتمع المدني غير الهادفة للربح، لتتجسد القيمة الكبرى في قدرة الفن الهادف على مد جسور حقيقية للمساعدة، كأن يشير بحرفية إلى خطوط ساخنة أو خدمات دعم قد تنقذ حياة إنسان.
تمحورت واحدة من أبرز المعارك الفكرية التي خاضها صناع العمل حول كيفية إبراز هوية الجهة المنتجة بمعزل عن شعور المشاهد بأن العمل مجرد دعاية فجة لمؤسسة خيرية، فدائمًا ما توجد حساسية بين صانعي الفن والمؤسسات التنموية حيث يخشى الفنان على مشروعه من الهيمنة الإعلانية وتسعى المؤسسة لترك بصمتها.
ورغم ذلك نجح الفيلم في ترويض هذه المعضلة بذكاء بصري ملحوظ، إذ تجنبت المؤسسة فرض نفسها بكلمات مباشرة، وتمثل حضورها عبر لمسات بصرية دقيقة مثل الشعار الخاص في مفاصل محددة تخدم السياق الدرامي وتتكامل معه.
تتألق جماليات الفيلم عبر لغة بصرية وإنسانية فريدة تلامس أعماق الوجدان، قادرة على تحريك المياه الراكدة وإثارة الوعي المجتمعي؛ فظهور هذه النوعية من الأعمال يكتسب أهمية بالغة لتكون عظة وعبرة، وتجسيداً حياً لدور الثقافة والفنون في تسليط الضوء على الفئات الهامشية ودعمها.
وقد تجلى أثر الفيلم العميق على الجمهور بفضل الرؤية الإخراجية البارعة للمخرج مهند دياب الذي وظف أدواته الفنية بذكاء، وبفضل الحضور الطاغي والصادق للبطلة "فايزة" التي قدمت نموذجاً حياً للصمود وتحويل الانكسار إلى طاقة أمل، ليؤكد الفيلم في النهاية -عبر عرضه ضمن فعاليات مهرجان إيزيس الدولي لمسرح المرأة- أن الفن والتنمية يرتكزان على غاية واحدة هي الإنسان.
تتوج هذه الرحلة الفنية والإنسانية بالدرس المستفاد من قصة "فايزة" ذاتها وما مرت به من أزمات ومحطات قاسية في رحلة حياتها، حيث يعرض العمل خلاصة معاناة فردية ملهمة ويطرح دروساً عميقة في الصمود الإنساني.
كما تتجسد العبرة في القدرة الرهيبة على تحويل الانكسار إلى طاقة صمود، وكيف أن الإنسان حين تشتد به وطأة الظروف وقسوة الحياة يجد في داخله وفي تفاصيل حياته البسيطة بصيص أمل يعينه على مواجهة القادم.
فالتجارب التي عبرت منها بطلة الفيلم تذكرنا بأن القصص الحقيقية للبشر تتحدد قيمتها بمدى عمق التحديات التي تم تجاوزها بإرادة صلبة، لتترك الشاشات تنطق بصدق نقي يلمس قلوب كل من يشاهده.


|