|
القاهرة 01 أكتوبر 2026 الساعة 11:57 ص

قصة: عبد العليم حريص
كثيراً ما تساءلتُ وأنا أفرك عينيّ عندما يتسلل الضوء ويزيح العتمة من حولي، حين أفزّ متثائباً، ومتكاسلاً أردد: أيّهما أسرع النور أم الظلمة؟ فالضوء هو أسرع ما يمكننا رؤيته - بحدّ قول العارفين والمستكشفين - أمّا الظلام فإلى الآن لم يجرؤ أحد على قياس سرعته!
ولكن عليّ قبل أن أستطرد في استكشافاتي السبّاقة لسنوات ضوئية، مثل دودة الأرض التي تحفر منذ الولادة وحتى الممات في باطن الأرض، أن أدرك جيداً أنه منذ البدء كانت الظُلمة تحتلّ كلّ شيء، ولا يعرّف الضوء نفسه إلا باستباحتها، ولمّا يمضي النور من حيث قدِم، يعود الظلام ليرتاح مرّة أخرى في عالمه السرمدي، فله كلّ شيء وهو أصل كلّ الأشياء.
فما بين ظلمة رحم الأم والتي يتمسك بها الجنين كي لا يغادرها، وحتى رحم الأرض حيث التمدد إلى ما لا نهاية بنفس مطمئنة، وجسد حنّ لأصله.. مساحة ضيقة من النور اسمها "حياة"، وأجمل في هذه الحياة.. تلك اللحظات التي نغلق فيها أجفاننا عن الضوء ونحن نحلم أو نتذكر وحين نبتسم وفي قمة الانتشاء نستدعي الظلام لتطمئن أروحنا المتعبة. فالظلمة وليف الراحة والضوء قرين الشقاء.
استيقظ كل صباح أشدّ هذه الملامح الباهتة، حتى أقضي يوماً آخر بصحبة كل المدججين بأقنعة الزيف والرياء والنفعية المتعفنة، والتفاهة المصطنعة.
لقد عييتُ من أولئك المتلصصين على ديدن من سبقهم من الاتكاليين والمرتزقة، إن وجودهم مثل "ثاني أكسيد الكربون" يكتم أنفاسك إن انفرد بك، ولكنه نافع لكائنات أخرى تتغذى عليه؛ لتنمو وتتسلق كل شيء، ولولا أمثال هذا الوسيط المتعفن، لما كتب لها البقاء والاستمرارية، إنهم متواجدون في المنزل والعمل والشارع وعند إشارات المرور، وفوق الأسطح، ودون الكباري، وعبر الطرقات والأزقة، فهم في كل مكان يمكن لعينكَ أن تراه، ستجدهم يرقبون عن كثب كل ما يجري، وما لا يجري من الأساس، فأخيلتهم اعتادت أن تكمل ما خفي عن الأعين.
إنه المتعفن "فهمي جودت" ذلك المتصابي الذي كسر حاجز الصوت والضوء بعمره الأرذل، يطلّ بوجهه المقيت وشاربه "الهتلري" وحذائه "اللمّيع" وبزّته الخضراء وقميصه البنفسجي واضعاً وردة حمراء في زرّ جاكته، الذي اختفى منذ أن كان "عماد حمدي" وقد بلغ من العمر أرذله، ينادي على أمه (يا نينا).
لقد مرّ من أمامي الآن عابراً الشارع، ليذهب إلى عمله، ولم ينسَ أثناء سيره أن يقوم بواجبه الصباحي المقيت، وهو أن يرسل صورة "وردة" ومعها عبارة متهالكة من قبل اختراع تطبيق "الواتس آب" (صباح الخير يا أحلى وردة) لكل امرأة مسجلة على هاتفه، فمن ضمن ابتلاءات بعض النساء أن تكون ضمن قائمة "فهمي" الهاتفية!
حكتْ لي ذلك غالب النسوة والجارات اللاتي يقطن في نفس الحيّ والأحياء المجاورة، بأنهن ضقن ذرعاً بهذه التفاهات التي يطبقها بلا وعي وبلا مناسبة "عندليب" الألفية الجديدة.
ناهيكَ عن يوم الجمعة فأول شيء قد يصلك هو رسالة من المتدين فهمي: (جمعة مباركة) لقد كان مبالغاً فيه في كل شيء حتى في مجاملاته، ولم يعد أحد يحتمل سخافاته التي لا تنقطع، فهو يعيش في عالم موازٍ، انفصل تماماً عن عالمنا المعاصر.
استوقفني "فهمي" ليسألني لماذا لا أردّ على رسائله الصباحية؟
رمقته بنظرة باهتة كملامحه المتلاشية خلف مساحيق الخزي والشحاذة، والتسول على كل ما يطاله، لقد بات مسخاً دميماً كروحه الكريهة.
وهممتُ أن أبصق في روحه؛ ليختفي للأبد من أمامي، هو وكل من على شاكلته في هذا الصباح، وباقي الصباحات المتعاقبة والباهتة مثلهم.
ولكني تذكرت فائدته التي خلق من أجلها أنه ممسحة جيدة للتخلص من قاذورات البعض، وشماعة ممتازة يعلق عليها المتسلقين أخطاءهم، وهو راضٍ كل الرضا عن هذا الدور الذي يجيده جيداً، لأنه لم يعرض عليه سواه، منذ أن عرف كيف يكسب رزقه بالمهانة والتطبيل، وسادة جيدة يتكئ عليها من أراد، ويركله برجله متى أراد..
وأجبته بكل بهدوء: لم أستقبل منك أيّة رسالة منذ أن عرفتك، فأنتَ ترسل للشخص الخطأ...!
|