|
القاهرة 01 أكتوبر 2026 الساعة 11:49 ص

بقلم: عبد الله سعيد الحبسي ـ الإمارات
ليست كل معرفة موجودة في كتاب أو ملف أو قاعدة بيانات. هناك معرفة تعيش في ذاكرة الإنسان: كيف يبدأ العمل، ومن يعرف التفاصيل الصغيرة، ولماذا جرى اختيار طريقة دون أخرى، وما الذي لا تقوله التعليمات المكتوبة.
حين يخرج صاحب الخبرة من المكان، لا نفقد موظفًا أو حرفيًا أو معلمًا فقط؛ قد نفقد معه طبقة كاملة من ذاكرة المؤسسة أو المهنة. ولهذا تضيع المعرفة مرتين: مرة عندما لا نكتبها، ومرة عندما نكتشف متأخرين أننا كنا نحتاجها.
في مصر والإمارات أمثلة كثيرة على هذا النوع من المعرفة. في الحرفة القديمة يعرف الصانع من ملمس المادة ما لا تقوله المواصفات. وفي البيت تعرف الجدة توقيتًا ومقدارًا لا يظهر في الوصفة. وفي المهنة يعرف الموظف القديم طريقًا مختصرًا لفهم المشكلة لا لأنه يتجاوز النظام، بل لأنه عاش تطوره وعرف لماذا وُضعت قواعده.
المشكلة أن العصر الرقمي يجعلنا نعتقد أحيانًا أن ما لم يدخل النظام لا قيمة له. والحقيقة أن الأنظمة تحفظ ما نقرر إدخاله إليها، أما الخبرة الصامتة فتظل خارجها ما لم نسأل عنها.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدنا في تنظيم الأرشيف والبحث في النصوص وتسجيل الروايات، لكنه لا يستطيع استعادة سؤال لم نسأله لشخص رحل، ولا تفصيلًا لم نرَ أهميته إلا بعد اختفائه.
لهذا أرى أن حفظ الذاكرة المهنية والثقافية يجب أن يبدأ قبل لحظة الفقد. لا ننتظر تقاعد الخبير أو اختفاء الحرفة أو هدم البيت القديم ثم نسأل ماذا كان هنا.
الأمر لا يحتاج دائمًا إلى مشروع ضخم. مقابلة مسجلة، دفتر مصطلحات، قصة طريقة العمل، صور الأدوات مع أسمائها، أو جلسة بين جيلين قد تحفظ ما لا تحفظه التقارير الرسمية.
الأجمل أن هذا النوع من الحفظ لا يجمد الماضي. على العكس، يسمح للجيل الجديد أن يفهمه ثم يطوره. من يعرف لماذا كانت الطريقة القديمة ناجحة يستطيع أن يقرر بوعي ما الذي يحتفظ به وما الذي يغيره.
في الثقافة العربية، كانت المعرفة تنتقل طويلًا بالمجالسة والمشاهدة والتكرار. ومع تغير شكل الأسرة والعمل والمدينة، ضعفت بعض هذه المسارات الطبيعية. لذلك أصبح علينا أن نصنع مسارات جديدة بدل أن نفترض أن الذاكرة ستنتقل وحدها.
ربما تكون أكبر خسارة ثقافية ليست اختفاء الشيء نفسه، بل اختفاء تفسيره. قد يبقى المبنى ولا نعرف كيف عاش الناس فيه، وتبقى الأداة ولا نعرف من استخدمها، وتبقى الكلمة ولا نعرف الموقف الذي كانت تقال فيه.
لهذا فإن سؤال الحفظ ليس: ماذا نضع في الأرشيف؟ بل: من الذي ينبغي أن نجلس معه اليوم قبل أن تصبح معرفته سؤالًا بلا جواب؟
حين نحفظ الخبرة الإنسانية، لا نحفظ الماضي فقط. نحن نمنح المستقبل مادة أصلية يفهم بها نفسه.
|