|
القاهرة 29 سبتمبر 2026 الساعة 10:32 ص

د. هويدا صالح
تفتتح رواية "الحياة في الأبراج الرملية" لعمرو البطا عالمها بمقتبسٍ مأساوي مأخوذ من تراجيديا "هيبوليتوس» ليوريبيديس:
"إن هذا اللوح – رغم أنه لا يحتوي على نبوءة – يؤكد الاتهام الموجه إليك، أما طيور العرافة التي تحلق فوق الرؤوس فقد ودعتها منذ أمد بعيد".
إن اختيار هذه العتبة بالذات ليس مجرد زينة أسلوبية، بل يضع القارئ رأساً أمام جوهر النص: التورط الحتمي، وسقوط الإنسان في فخاخ الاتهامات الوجودية والمادية دونما حاجة إلى نبوءات كبرى أو غيبية متعالية؛ فالواقع الكافكاوي المشوه كفيلٌ بصنع مأساة شخوصه وإدانتهم سلفاً.
"الحياة في الأبراج الرملية" عنوان يحمل مفارقة تهكمية تنطوي على شحنة ترميزية بالغة الكثافة، فالأبراج تدل في المخيال الجمعي على العلو، والمنعة، والسطوة الرأسمالية أو السلطوية، غير أن نعتها بـ "الرملية" ينسف استقرارها ويحيلها إلى هشاشة مطلقة، تنهار وتتلاشى أمام أول موجة أو ريح. إنه تمثيل رمزي للحداثة المشوهة، والأحلام المغشوشة بالترقي، والاستثمار العقاري الزائف الذي يقوم على رمال متحركة يبتلع في جوفه أرواح المطحونين ومصائرهم.
يفتتح السرد أحداثه بمشهد صادم ومركب بصرياً وبالغ القسوة: جسد عارٍ مجهول الهوية، متكوم فوق بركة دماء تتشعب كأذرع الأخطبوط، برأس منفجر تماماً إثر سقوطه من الطابق الأخير لبناية مهجورة، تطفو عينه اليسرى في بركة دماء وفتات مخ ونفايات ومياه مجاري طافحة تبتلع الملامح، بينما تنقذف عينه الأخرى لتستقر سليمةً تماماً على الزجاج الأمامي لسيارة موظف بائس تائه.
تتأسس هذه البداية على تقنية "المفارقة الغرائبية"، فالعين المقذوفة لا تموت فيزيولوجياً وشعورياً مع موت الجسد، بل تتحول إلى بؤرة الرؤية والشهادة، محفزاً للوعي الجمعي والفردي:
"العين الأولى" تغرق وتضيع في قاع المجاري والنفايات، دلالة على تلاشي الحقيقة وانطمارها في مستنقع القاع الاجتماعي.
"العين الثانية" تتحول إلى "عين حور" حارسة ومخلِّصة، تلتقطها يدا شخص مأزوم ومستلب ليحملها كمن يحمل سر الوجود.
هذا التنافر التشكيلي الحاد بين الدماء والمخ المتفتت والبالوعات الطافحة من جهة، ونظرة الألم الفلسفية الصافية المنبعثة من العين الرمادية المفردة من جهة أخرى، يدشن عقد الرواية الوجودي: البحث ليس عن "من قتل؟" (السؤال البوليسي التقليدي)، بل عن "من هو القتيل؟ وما كنه هذه الحياة المهدورة؟".
تمثل بعض شخصيات الرواية نموذجا للإنسان المعاصر الذي حولته قسوة الحياة والالتزامات الاقتصادية إلى "آلة صماء" خالية من الروح، فتدور مأساته في حلقة مفرغة: دوامة العمل، أقساط الجمعيات لشراء شقة حلم تلتهمها موجات التضخم، ومحاولات الإنجاب المستميتة مع زوجته المنكفئة في الفراش لحفظ الجنين الرابع بعد ثلاث سقطات.
المفارقة أنه حين تسقط العين على زجاج سيارته، تمثل نقطة انعطاف صوفية ووجودية تقطع الروتين الآلي؛ العين تجبره على طرح الأسئلة الكبرى وتذكره بحريته وأحلامه الثورية القديمة حين كان يواجه الصقيع بذراعين مفتوحتين.
لكن المفارقة الكافكاوية تكتمل بالقبض عليه، وبدلاً من أن يدافع عن براءته، ينهار ويعترف بجريمة قتل لم يرتكبها ويفبرك تفاصيلها، لا طلباً للعقاب، بل هرباً من العودة إلى عالم الآلة، وتكفيراً عن ذنب غامض يشعر به تجاه القتيل وتجاه ذاته المهدورة. ينتهي به المطاف إلى تفضيل راحة السجن على جحيم الحرية الزائفة.
وتأتي شخصية يوسف هو وريث طبقة المقاولات الطفيلية لتمث امتداد لوالده (سليمان البنا) كان مهندس شبكات الفساد والترسية بالأمر المباشر في عهد ما قبل يناير. وحين يعجز يوسف عن التكيف مع المعطيات الجديدة ويتهاوى تحت وطأة التضخم والديون، يهرع إلى التحالف مع "الكومندان" (الضابط المتقاعد الداخل في بيزنس المقاولات).
لقد أراد البطا أن يصور يوسف، ليس مجرد رجل أعمال يبحث عن النجاة المالية عبر الصعود للبرلمان، بل ككائن ممسوس بهاجس "الألوهة المعمارية" عبر فكرة البرج المقلوب.
الأبعاد الفلسفية والرمزية في العمل
يتبدى الرمز الأبرز في الرواية عبر تصميم المبنى الذي تركه الأب المعماري ويحاول الابن استكماله في العاصمة الجديدة: مبنى يبدأ بقاعدة ضيقة ويتسع صعوداً حتى سبعة أضعاف، ليتوج بقاعة تخلو من القواطع وقبة زجاجية كروية تشبه عيناً تحدق في السماء. هذا التصميم ليس إلا محاكاة معكوسة لـ "برج بابل" التوراتي في محاولة بشرية للترقي والوصول إلى مصاف الآلهة والتحكم في مصائر الخلق.
الرواية توازي بين اكتمال البرج، وعين نفرتيتي الناقصة، وتمثال بيجماليون؛ الاكتمال المطلق يعني الفناء والهلاك، ومحاولة الإنسان القفز فوق شروطه الوجودية تنتهي دائماً بالسقوط وارتطام الرأس بالأسفلت.
كما تأتي رمزية ثنائية (العين / الرأس المنفجر)؛ لتعبر عن الرؤية مقابل الإدراك:
ـ تهشم الرأس في مشهد البداية يحيل إلى انفجار مركز التفكير والمنطق وعجز العقل البشري عن استيعاب العبث المحيط أو تقديم إجابات شافيه.
ـ في المقابل، تنجو "العين" وتبقى حية لأيام تومض وتتكلم بلا لسان؛ العين هنا هي النفاذ إلى الجوهر، والذاكرة النقية غير الملوثة بالتبريرات العقلية. لقد اختزنت ملايين الصور ولحظة الموت الشفيفة، مما جعلها "عين حور" التي تبصر الفساد والتيه وتمنح صاحبها هبة الانتباه المؤقت قبل أن تتعفن هي الأخرى وتندثر.
ويبلغ النص ذروته الفلسفية والسياسية في مشهد لقاء يوسف بـ "الباشا الكبير" في القصر الأثري المشوه بديكورات هجينة تجمع بين العثماني والحديث واللوحات المسروقة.
ـ الباشا يمتلك وجهاً يشبه وجه القتيل، وعينين رماديتين، ولوحة ذهبية مرصعة بالألماس تحاكي وجهه تعلوها عين فضية والأخرى فارغة كمحجر جمجمة.
هذه الرؤية الشائهة تُسقط صفات الألوهة على السلطة السياسية؛ فالسلطة لا تستمد وجودها من العدالة أو المنطق، بل من حاجتها الحيوية إلى سحق الرعية واستدامة إذلالهم ليتحقق لها معنى "القهر".
ثم يقطع الكاتب انسياب الحاضر بـ "الملحق (1) المعنون: "الفرخ الغريب ينجو أحياناً"، والذي يمثل وثيقة تحليل نفسي وسيرة اعترافية للراوي المتكلم. هذا الملحق يقدم التفسير الجيني والنفسي لتشوه البطل:
ـ الصدمة المؤسسة: مشهد تلصص الطفل على أبيه السكير وهو يعري أمه ويربطها بحبل الغسيل وينهال عليها ضرباً بالخيزرانة، ثم الاعتداء الجسدي عليه وفتق رأسه ليترك ندبة تشبه العضو المنكمش للأب. هذه الندبة تحولت إلى وشم الخصاء الرمزي الذي رافقه طيلة حياته.
عقدة أوديب المعكوسة والصراع مع الأب: يتحول الأب إلى غول يبتلع كل شيء؛ يسرق نقوده، ويجبره على دراسة الهندسة المكروهة، ويمنعه من الزواج بمن يحب. وتصل الذروة الهذيانية حين يتوهم الراوي أن زوجته (نرجس) تتواطأ مع والده، وتمارس السحر لإضعاف فحولته، بل وتشاركه الفراش أثناء غيابه.
ـ تكرار العنف: يعيد الراوي إنتاج عنف الأب ذاته عبر علاقاته المازوخية-السادية، تارة مع ابنة عمته (ياسمين) وتارة مع العاهرة (رحمة) في باريس التي يطلب منها ضربه بالعصا، حتى يبلغ ذروة التكرار بقتل والده ودفنه، ليكتشف أنه لم يقتل الأب إلا ليتحول هو ذاته إلى مسخ جديد ينتظر سقوطه المحتوم.
ويتميز السرد في الرواية بلغة تمتاز بالاقتصاد اللفظي، والميل نحو الواقعية القاتمة المطعمة بتأملات فلسفية عميقة. الجمل قصيرة، مشحونة بالأفعال المتلاحقة التي تشيع توتراً تصاعدياً في المتن.
كما أن الواقعية السحرية في الرواية تمنح الكاتب فرصة أن يمزج النص بين فجاجة الواقع المحلي (طفح المجاري، مأساة الحفاضات لكبار السن، دهون اللغد المتدلية، روتين أقسام الشرطة) وبين الغرائبية الفنتازية (العين المفردة النابضة بالحياة، زيارة القتيل لجيرانه بعد وفاته وإطعامه أم مطيعة ومصادقته لجميلة وإرعابه لشحاتة). هذه الغرائبية لا تفسد الواقعية بل تفضح لا معقوليتها؛ فالواقع ذاته بات من القبح واللامنطق بحيث لا يمكن مقاربته إلا عبر كوابيس سريالية.
أما الزمن في النص، فهو زمن دائري يفارق الزمن الخطي، فيأتي الزمن في بنية دائرية متكررة تسلم فيها كل دوامة إلى أختها؛ فالموظف يخرج من سجن الحياة ليدخل سجن القسم ثم يطمح للوصول إلى السجن المركزي الأوسع، والقتيل يتكرر في ملامح الباشا الكبير وفي ملامح زائر جميلة وفي خيال أم مطيعة، مما يمحو الحدود بين الحي والميت، الجلاد والضحية.
إنها رواية تتجاوز حبكة الرواية البوليسية إلى سبر أغوار التشوه المجتمعي والنفسي للإنسان المعاصر في مصر ما بعد التحولات الكبرى. إنها مرثية لجيل كامل سُحقت أحلامه بين مطرقة الواقع الاقتصادي المتردي وسندان السلطوية الفاشية المغلفة بالرأسمالية الطفيلية.
وقد استطاع عمرو البطا، عبر تقنية "العين المتشظية" وهندسة "البرج الرملي"، أن يقدم بياناً سردياً بالغ القتامة والعمق حول عبثية الوجود وهشاشة التحقق الإنساني؛ حيث لا أحد ينجو من السقوط، وحيث تغدو الحياة برمتها مجرد إقامة هشة ومؤقتة في أبراجٍ مشيدةٍ من رمال، ما تلبث أن تنهار فوق رؤوس ساكنيها مخلفةً وراءها بركة من الدماء وعيناً تحدق في فراغ العدم.
|