|
القاهرة 29 سبتمبر 2026 الساعة 10:20 ص

بقلم: هاني بكري
في الآونة الأخيرة تنامت ظاهرة صعود اليمين المتطرف في الغرب، وباتت مسيطرة على دوائر صنع القرار هناك، ما أصبح يشكل عبئا على المدافعين عن القيم الجوهرية للحضارة الغربية.
الغريب أن هذا الخطاب أصبح له قاعدة شعبية لا يستهان بها، بعدما كان محاصرا شعبويا وأكاديميا.
هذه الظاهرة لم تنبت من فراغ، وليست وليدة اللحظة الراهنة، إنها سليلة جهد استشراقي ضخم، اقتات من الدراسات الاستشراقية التقليدية، وتغذى على كتابات وأطروحات حداثية تخفّت في الثوب الأكاديمي.
هذه الكتابات سواء التاريخية منها، أو الآنية المعاصرة، كانت وقودا لتأجيج حالة العدائية بين الغرب والشرق بمعناه الأوسع، سواء في حقبة الصراع الشيوعي الغربي أو ما بعده، التي شهدت تحالفا مع الإسلام الراديكالي الجهادي، لاستخدامه في استنزاف الخصم الروسي في أفغانستان وبعض الجيوب في دول البلقان، تحت مسوغات عقائدية من جانب الإسلاميين، ودعاوى تهديد القيم الحضارية من جانب الغرب، وهي المسوغات نفسها التي استخدمها الطرفان الحليفان بعد ذلك في مواجهة بعضهم بعضا، حين اسْتُبدل العدو الأحمر، بالعدو الأخضر.
كان من الممكن أن نغض الطرف عن هذه الأطروحات المخاتلة، لو أن صُناع القرار والحكام في الغرب لا يتعاملون مع الكتّاب والمفكرين بجدية، كما يحدث في المستنقعات العربية خاصتنا، لكن للأسف الشديد هذه الكتابات تحرك الدوائر الحاكمة هناك، وتعتمد بشكل أساسي في روزنامة تعاملها مع الإسلام والمسلمين على أدبياتها، خصوصا سرديات ثلاثي الشر العنصري؛ برنار لويس؛ وصمويل هنتنغتون؛ وفرانسيس فوكوياما، باعتبارهم أبرز منظري هذا التيار.
لكن أخطرهم بالتأكيد هو برنار لويس، الرجل الذي عاش قرنا كاملا، قضى ثلاثة أرباعه في تأجيج هذا الصراع بكل الحيل الأكاديمية الممكنة، ما جعل مفكرا كإدوارد سعيد يصفه بالجهل الأكاديمي والحقد الاستشراقي، لأنه على حد تعبيره، يُنَظِّر عن منطقة جغرافية، لم تطأها قدماه منذ أربعين عاما.
في مقال دال بعنوان (جذور الغضب الإسلامي، لماذا يكره عدد كبير من المسلمين الغرب؟) ترجمة (عبد الباسط إدريس) يمارس لويس هوايته في تزييف الحقائق، بما يخدم وجهة نظره تلك.. يقول في ثنايا المقال، إن أوروبا فصلت ما بين الكنيسة والسلطة الزمانية بسهولة شديدة، ويُعزى ذلك إلى الجذور الدينية الكامنة في النص المسيحي المؤسس (ما لقيصر لقيصر، وما لله لله) وهذا الفصل -حسب مقالة برنار- لم يتوافر في الإسلام، حيث السلطتان ممتزجتان، ولا إمكانية لفصل زماني بينهما.
وهي مقولة تعكس الخلل في الطرح. فصحيح أن مبدأ ما لقيصر لقيصر، وما لله لله هي مقولة وردت في الإنجيل، لكن الشواهد التاريخية تؤكد أنها لم تعتمد بشكل حرفي أبدا في قراءة النص التأسيسي المسيحي الأول، على العكس، تم التعامل مع هذا النص وفي المراحل الأولى تاريخانيا. لأن قيصر نفسه اعتنق المسيحية، فصار ما لله، هو ما لقيصر، وأنشئت سلطة كُنسية شديدة التراتبية والصرامة، لم تعزل نفسها قط عن العمل السياسي طيلة التاريخ الكُنسي الأوروبي، كما أن دورها في إحكام قبضتها وهيمنتها على الشعوب طيلة قرون باسم الدين لا ينكر، فصارت تلك الشعوب محكومة بسلطة الكنيسة كسلطة روحية، وسلطة الحكم باسم الحق الإلهي المقدس كسلطة زمانيا.
سلطتان تداخلت علاقاتهما بشكل سافر، وعانت أوروبا جراء ذلك الويلات، مما تضج الشواهد التاريخية بذكره، ولم يُفْصَل بينهما إلا بسبب تيار الرشدية التأويلية، الذي اجتاح أوروبا في العصور الوسطى، وإليه وحده ينسب الفضل في هذا الفصل، وليس لشيء سواه، وهو ما لم يذكره لويس في مقالته، لا من قريب، ولا من بعيد.
يقول مستطردا في هذا السياق، إن الإسلام لم يعرف هذا الفصل بين الزماني والروحي، وإن السلطتين مندمجتان بشكل جذري ومؤسسي في ثنايا وتضاعيف النص المقدس الإسلامي، وهو قول غريب من أكاديمي يتقن اللغة العربية، لأنه لا نص واضح، ولا ملزم بدمج السلطتين الزمنية والروحية في الديانة الإسلامية، كما أن الخلافة، أو المؤسسة الحاكمة، ليست شرطا في صحة إيمان المسلم من عدمها، وإذا كانت التاريخانية وحدها هي المعيار والفيصل هنا، فإن الفصل بين الزمني والتاريخي كان واضحا منذ البدايات التأسيسية، - عكسا للمسيحية الأولى - فثاني الخلفاء عمر بن الخطاب تجاوز النص -أكثر من مرة- تأويليا حين تغير الراهن التاريخي، وهي علامة دالة لم ينتبه لها المفكرون للأسف في عصور تأسيس العلوم الإسلامية الأولى.
كما أن العالم الإسلامي لم يعرف سلطة دينية شديدة التراتبية كالمؤسسة الكُنسية، وبالتالي لا يوجد مأسسة داخل بنية الدين الإسلامي، ما أدى إلى وجود فواصل بينية بين الدوائر الحاكمة، ورجال الدين.
صحيح أن هناك محاولات جرت من جانب بعض الحكام والفقهاء لدمج السلطتين، لكنها ظلت دعاوى فردية. دعاوى استعان بها الحكام لتمرير ما يرونه من قرارات وقتية، ولم تتخذ أبدا شكل سلطة دينية مؤسساتية ملزمة.
كما أنه وعبر التاريخ الإسلامي -وبشكل عملي وليس نظريا- لم يكن هناك دمج بين الدين والدولة، وظل يُنْظَر -في المخيال الفقهي والشعبي على السواء- إلى الخلافات الحاكمة على أنها ملك جبري، وحكم عضوض، وأصبحت هناك حالة من الحنين الدائم ليوتوبيا مفقودة، تندمج فيها الدولة مع الدين لتحقيق فردوس أرضي مُتَخيل طبعا.
صحيح أن هذه الحالة الطوباوية الخيالية في الميراث الإبستمولوجي الإسلامي -والتي استخدمتها التيارات الإسلاموية اللاحقة كإيديولوجيا- حالت دون إنتاج نماذج لمؤسسات حكم تراعي السياقات التاريخانية والاجتماعية والنُسق الثقافية والمعرفية المتغيرة، وسعت إلى محاولات إعادة إنتاج النماذج الإسلامية الحاكمة الأولى، بوصفها حكومات راشدة، عابرة للأنساق السسيولوجية والأنثربولوجية، وقابلة دوما للاستنساخ بالشروط والآليات القديمة نفسها، وكأنها زمن سكوني مقدس، لا يمكن المضى إلى الأمام إلا من خلاله، ما حال أيضا دون إنتاج أي خطاب فكري سياسي داخل نسق البنية المعرفية الإسلامية، يُفْصَل فيها بين الجماهير والحكام بحقوق وواجبات ملزمة، ويضع تصورا واضحا لآليات حكم عادلة، بوصف الدولة ولوازمها من حكومات ومؤسسات وشعوب مسألة دنيوية بحتة، لا علاقة لها لا بالدين ولا بالميتافيزيقا ككل، وأنه لم يكن هناك أزمنة بشرية مقدسة تتنزل فيها مسائل السياسة بشكل حرفي ومباشر من السماء.
لكن حتى هذه الحالة الطوباوية السكونية، ورغما عن ما بها من عوار، فإن من المحاسن غير المقصودة لها هي أنها صنعت في حالة اللاوعي الإسلامي تفريقا ما بين السلطة الروحية، التي بدت مستحيلة ومستعصية، والسلطة الزمانية، التي لم يكن مرضيا عنها بشكل عام عبر التاريخ الإسلامي، ولم تكن بحال من الأحوال دولة دينية، ما يعني ببساطة أنه على الأرض والواقع الفعلي لم تكن هناك دولة دينية عبر التاريخ الإسلامي، وأن كل المحاولات التي جرت لدمج الدين أو استخدامه في السياسة باءت بالفشل، وحتى في بواكير التاريخ الإسلامي، وبدءا من واقعة التحكيم الشهيرة والتي رفضها علي ابن أبي طالب بوصف القرآن حمال أوجه ينطق به الرجال، أي أنه نص قابل للتأويل ليس فقط عبر المساقات التاريخية كما فعل من قبله عمر بن الخطاب، وإنما أيضا خاضع للتأويل عبر الذائقة الفردية للرجال والأشخاص، ليصبح الدين بهذا الطرح الجريء المبكر مسألة شخصية بحتة لا علاقة له بالسياسة ولا صراعات الحكم.
وهو ما يكفكف أطروحة برنار في هذا المضمار ويضعها على المحك في مناقشة هذه النقطة المفصلية تحديدا والتي ينطلق منها دائما في بيان خطورة الإسلام والمسلمين على الغرب، ليدلف بعدها إلى نقاط فرعية أخرى لا تقل عنها خطورة يلوي فيها عنق الموضوعية لياً؛ منها مثلا؛ بيان حال حرية الفكر عند المسلمين الأوائل، ووضع المرأة في التاريخ الإسلامي، ومقارنته بوضعها في العصور الوسطى الغربية، التي يقول بكل بجاحة أنها كانت أفضل حالا من وضع المرأة في المجتمعات الإسلامية آنذاك، وهو ما يحتاج إلى جهد تفكيكي لا يتسع المجال هنا لتفنيده.
لكن وبشكل عام؛ تظل هذه المغالطات صورة دالة ومعبرة عن الدجل المعرفي الذي يمارسه رجل شكّل عصب تفكير السياسات ودوائر الحكم في الغرب لعقود في تعاملهم مع العالمين الإسلامي والعربي، وهو ما يستعاد دائما في السرديات الإعلامية والسياسية، ليصنع حالة من سوء الفهم الأبدي، تجعلنا في حالة استنفار واستنزاف فكري دائم، يحول دون التفرغ لمثاقفات حقيقية فاعلة.
|