|
القاهرة 29 سبتمبر 2026 الساعة 10:17 ص

بقلم: أحمد فاروق بيضون
تتناول المجموعة القصصية (طقوس نزع الزينة) الصادرة بعام 2025 عن هيئة قصور الثقافة للقاص كرم الصباغ وتحوي قصة (طلاسم) منحنى سردياً متجددا وجريئاً في بنيته التي تمتاز بفرادة وخصوصية، خاصة وبأنها تتعلق بتجربة إنسانية تقبع بين براثن طقوسٍ من طلاسم يصعب فك شيفرتها منذ الاستهلالية وحتى مشهد النهاية المؤلم.
عتبة العنونة ترتبط بذاك الايحاء أو الايهام النفسي من قلق اغتراب وجودي بين الواقع والمتخيَّل اقتاد هذه النفس (المعذَّبة) دونما إرادة ودونما هوادة إلى الهلكة؛ على إثر تراكمات لأفاعيل قميئة من خرافات الشعبذة والأسحار والأحقاد والغيرة القاتلة، أو ربّما ناجمة عن الاحتراق النفسي الداخلي Internal Implosion نتيجة الجفاف العاطفي وتلاشي أي معانٍ لحبِّ يبادله هذا المكلوم مع محيطه الذي يستكثر عليه فيض النعم، لقد استدعى القاص هذه التبادلية بين (الذاكرة والكابوس) في لواجه السردي المشوق كثيمة سائدة لنصه ليبرز ضبابية هذا العالم المصغر في قصة مشهدية من الطراز الأول.
هَب أنّ القاص يُمشهد ويمسرح الحدث في باكورة التعاظم بسينوغرافيا لقطات سينمائية لدهشة وذعر ينتابان البطل Protagonist على لسان سارد عليم يشارك القارئ ويستجديه لترسيم المرأة العجوز الممتلئة بالتجاعيد وذات الوجه المصفر تعيد ذاك الفتى الهزيل إلى وعيه باستخدام مُغلف المسك بحوزتها، ومن ثمَّ تبدأ طقوسا روحانية كالعرافات وأصحاب الكرامات والوسيلة بأن تبادر بإشعال الحطب واضافة ترياق يحوي السدر والنبق وحبة البركة، ليقيء المصروع على إثرها عدة مرات.
ثم تبدأ لقطة أولى لصراعه (ها هُم يمرون أمامه.. يمطون رقابهم.. يؤمئون رؤوسهم) فيتشنج جسده ويتكور على نفسه كدودة، لينتهِ المشهد الثاني بالعجوز تأمر الزائرين Antagonist المعادين بالانصراف على الفور في ترديد بصوت جَهور، ما تلبث حتى تقبض على عرقه النافر وتفركه ليتأجج ذعراً، كأنها تنضم إلى قائمة المتكالبين عليه.
في المشهد الثالث يستمل تيار (التصورات) أو هذا التخييل الذاتيّ في نكوص أو (فلاشباك) مقصود لاستدعاء الصورة الغائبة، فهذا الشاب كان قوياً عفياً عتياً كالجواد وفي الوقت نفسه هاشا باشاً طيب الخلق والسجايا، كان يعلم الأطفال بقريته الكتابة ويزرع الورد؛ فما خاب له زرع قط وما ذبلت بين يديه زهرة – على حد تعبير القاص، أثارت خصاله وشمائله حفيظة النساء والفتيات من المعجبات حتى ازدانت بخدرهنّ صوره؛ مما أثار غيرة وحنق الرجال والذكور، لتدفعهم أحقادهم من وشاية وغيبة بأن يلوكون سيرته ويشوهون سمعته؛ كأنها إيماءة عبقرية من القاص لفضح شرور وخبائث من يحرقون هذه الروح الطيبة عمداً بكل الأساليب الممكنة.
بالمشهد الرابع صار البراح الشاسع لعالمه المتراقص زهواً بمبالغ البهجة والرضا والاحترام ضيقاً كثقب الإبرة يبصرها، ارتبطت تلك اللحظة باندلاع المساء وهجوع ظلماء غير معتادة، باتت الملابس كالأشواك حتى تهيج جسده البض والتهب بالدوائر المحمرّة، وكأنَّ مساً أصابه فجأةً فأصبح يصرخ ثم يدوي ضحكات هستيرية متبلسة غير مبررة ثم إلى عويل.. ليتألب الكون من حوله مناهضاً لتصرفاته المشيطنة فتبرره أمه بأن عين الحسد أصابته وعجائز القرية يعيذونه إلى أن السحرة عقدن له أعمالاً سفلية.
باللقطة الخامسة يبلغ الصراع ذروته لما يدعوه ذاك التوجُس إلى هاجس نداء أو ندَّاهة تجرُّه خارج الدار حافياً عابساً على غير هدى مسلوب الإرادة، حتى يخترق الصحراء ويستلقي على الرمل ويغط في النوم ليلفه الظلام، (التجليات المكانية) المغايرة بعد زوال النهار حينما تبدأ النجوم في الاختفاء ويتبدر الهلال مختنقاً، وقتئذ ينبلج هؤلاء المتآمرون عندما تتوسد الاضواء الحمراء العتمة ويلتفون في دائرة حوله، ثمّ يجهشون بأصوات منكرة تشبه عواء الذئاب في صبيحة اليوم التالي، فتتدحرج رأساً تشبه رأسه صوبه تنضح بالدماء الهادرة، حتى يروعه تطابق الملامح.
ثم يقفز الراوي إلى المشهد الأول هاهنا لبطله الذي يحكي مؤولاً حكايته للعجوز التي استأنس وجودها وبدت سبباً في إنقاذه لما قال: (كان يحكي بانفعال...)؛ ليكتشف بعد أن يتحسس جسده بقايا عُنق مقطوع، فتتفرس عين النقادة التي باتت كالطلطميس الذي عجزت عن استدراك منطقية كيف لجسد مسجي مبتور الرأس أن يستدعي كل تلك المشاهد قبل رحيله كمغدور، كأنَّ الطلاسم تجذرت إلى يقين أريد به الحقيقة الدامغة.
وعند السطر الأخير لما عثروا عليه ميتاً إلى جوار منزل مهجور لعجوز بائدة، قيل بأنهم (ذبحوه بدم بارد وفصلوا رأسه عن جسده مثلما تفصل الوردة عن غصنها)، صدمة النهايات وفلسفة الاغتراب والتصحر والعبثية التي تحوي وعاء النفس السوية، لتطمرها في كانون من أحقاد وتراكمات ضغائن وشريعة غاب تسود عوالمها الآنية هي البرهان الأقرب إلى جادة الصواب، بلْ يطرح سؤالا كونياً يتماهى مع واقعنا الأليم: (هل نعيش الآن في عالم افتراضي لما فقدت الإنسانية معانيها السامية أو أن الأمر مازال طلسماً عصياً على الانكشاف، هل ستظل ذاكرة ماضينا حبيسة منسية عن قصد حتى لا ندرك حاضرنا ونستشرف مستقبلنا بعدما أصبحنا أمواتاً على قيد الحياة Dead-in-life؟!
امتاز النص السردي بعبقرية في بنيته وترابطه وسلاسة الأسلوب وخصوصية لغته وتبيانه، ونجح بأن يهال أحاسيسنا ويخاتل عاطفتنا ليستنهض الألباب في محاولة جادة لدرأ المخاوف والنجاة بالذات من عذابات الأوان، لمزيد من العطاء.
|