|
القاهرة 29 سبتمبر 2026 الساعة 10:10 ص

قصة: حاتم عبد الهادي السيد
سلوى... صديقه الفراشات، وحبيبة النهر، وسيدة القصر...
رسامة، وشاعرة، وسيدة أعمال...
- كيف تدبرين أمورك كلها يا سلوى؟!
تسأل نفسها وتبتسم ...
منذ أن سافر زوجها "ممدوح " - منذ عامين - في بعثة عمل إلى مدينة "أمستردام"، وهي هكذا ...
تصفف الأزهار، وتكلم الفراشات عن زوجها الذي طالت غيبته...
- إلى متى ستظلين صامتة يا سلوى ؟!
عامان مرا، وأنت تتلهين بمرأى الجمال، حتى لكأنك رسمت بالفرشاة كل أجزاء القصر والحديقة،عدا غرفتك؟!
هذا العطر الفرنسي الذي أهداه لها زوجها في سفره السابق، لا زال يعبق الأرجاء...
تستلقي على الوسادة، وتحدق في السقف، وتفزع في الليل على صوت حفيف الأشجار ...
تفتح شرفتها المطلة على المروج الممتدة ...
-لا بدَّ أن تفعلي أي شيء يا سلوى !
أدارت قرص الهاتف.. رد زوجها :
- كم أحبك كثيرا يا مروة!
انزعجت من كلامه، هل نسى - حقًّا - اسمها ؟! أم أنه كان يخاطب امرأة أخرى بجانبه ؟!
أغلقت الهاتف بسرعة، وبغضب شديد...
ظلت تروح في الغرفة جيئة وذهابا ... تكلم نفسها :
- ممدوح نسي اسمي، تزوج ... يخاطب امرأة أخرى، يناديني بمروة،
لا بدَّ أنه اسم زوجته الأخرى، حتى أنه لم يتصل بي، حين أغلقت الهاتف ... هل كان هو ؟! أم أنها أخطأت في رقمه؟!
ركبت سيارتها، وذهبت ناحيه المطار... ستسافر إليه...
أغمضت عينيها، ولم تلحظ السيارة التي ظهرت أمامها فجأة، لتصدم سيارتها بقوة، فتتدحرج، وتسقط من فوق الجسر!!
استيقظت من سباتها العميق، فقد كانت تحلم...
أمسكت برأسها، والألم كان يعصف بكل أجزاء جسدها المتهالك...
كل يوم تفيق على كابوس..
-لم غبت يا ممدوح كل هذه الأيام الممتدة ؟!
حاولت النوم مرة أخرى... أغلقت المصباح، وهدأت قليلا ...
انطفأ النور، وعمّ الظلام الغرفة، فارتعدت من جديد...
خطوات بطيئة تسير بهدوء، وتتقدم نحو حجرتها .. لم تتمالك أعصابها... الظلام، وصوت الرعد يخترق الأفق ... قفزت من السرير، واختبأت تحته وكتمت أنفاسها بشدة ... تعالت نبضاتها، وكاد قلبها يتوقف!!
لقد كان الباب مواربًا، وصوت من يسير -برفق شديد نحوها- فارتعدت من جديد...
صوتٌ ما، هدّأ من روعها:
- مياو ... مياو ...!!
كانت قطتها خائفة، بسبب الرعد، والبرق الذي يأتي زاعقا من السماء الممتدة.. خرجت من مخبئها.. أضاءت المصباح، واحتضنت القطة الخائفة بحرارة تختلط بطلع وخوف وذعر.
شعرت بالدفء يسري في كامل جسدها، بينما كانت القطة تداعب صدرها الثلجي، وكأنها أحست بشوقها المريع.
انطلقت سلوى خارج الباب، والحديقة والقصر الشاهق الممتد...
ظل المطر والبرق يطاردها، بينما كانت قد أسلمت ساقيها للرياح...
لا تدري إلى أي اتجاه تذهب، ولكنها كانت تجري، ودقات قلبها الصغير تلاحق أنفاسها المتقطعة.
كان غضب السماء يتعالى، والبرق يضيء الطريق، ويقذفه بكتل الصراخ... توقفت قليلا لتلتقط أنفاسها، وسقطت القطة الصغيرة من بين يديها، في هدوء.
ماتت القطة...
ازداد هطول المطر، وزمجر الرعد، وتعالى البرق بينما كانت سلوى تحفر حفرة عميقة لتوسد القطة إلى مثواها الأخير.
كانت ثيابها مبللة، وقلبها يدق بشدة، والظلام يتكاثر وراءها، وأمامها...
ظلت تجرى دون اتجاه، وسقطت على الأرض.
استيقظت لتجديد نفسها في كوخ، وحولها عجوز متهالك كان يخفف رهبتها، لكنها بدأت في الصراخ...
تعالى صوت الرعد، وبرقت السماء، فاختلط الصراخ مع صوت العجوز، وغابت عن الوعي من جديد.
خرج العجوز مع الفجر ليعد طعام الفطور...
بدأت تفيق من جديد، تتذكر المطر والبرق، وصوت القطة التي بدا صوتها يصيح من حولها في كل اتجاه : مياو ... مياو ... مياو ...
قامت في هلع، لتنظر إلى الشمس والجبل والعجوز، وهو يبتسم ويقدم لها الطعام بيديه...
ارتعش جسدها ، وظلت تهذي:
القطة، البرق، القبر، الظلام، سامحك الله يا ممدوح.
سقطت على الأرض، بينما كان العجوز يقف مذهولا، أمام المشهد المهيب.
طلعت الشمس، وعاد ممدوح ليجد زوجته مغشيًا عليها، وهي تصرخ في هلع:
القطة، الظلام، العجوز، البرق، ممدوح...
ذرفت عينا ممدوح، واحتضنها، وهو يؤكد لها بأنه لن يتركها وحيدة بعد الآن.
لكن سلوى قد سقطت من بين ذراعيه، بعد أن فقدت أنفاسها إلى الأبد.
كل مساء يتعالى في المنزل صوت القطة الصغيرة:
مياو..
مياو....
|