|
القاهرة 29 سبتمبر 2026 الساعة 10:01 ص

حاورته: نهاد إسماعيل المدني
-
العمل الذي يظل يرافقك وتواصل التفكير فيه بعد انتهائه، هو العمل الذي يستحق التوقف عنده.
-
السينما ليست مضطرة لتقديم حلول ورسالتها تكمن في خلق مساحة للحوار.
-
التحدي الذي أضعه أمامي في الكتابة هو كيف أروي حكاية بسيطة ظاهريا، لكنها تطرح أسئلة عميقة وتدفع للتأمل.
-
أساليب السرد تتطور لكن الإنسانية بمشاعرها وصراعاتها تظل هي جوهر أي قصة خالدة.
-
تستهويني فكرة الجمع بين الكتابة والتمثيل في العمل نفسه، وهو ما يتحقق فعلياً في مشروعي القادم مع المخرج رامي إمام.
تتعدد الرؤى وتختلف الزوايا حينما ينظر الفنان إلى العمل الإبداعي بعيني الكاتب والممثل في آنٍ واحد؛ حيث يتداخل التقييم النقدي مع الحس التمثيلي المرهف لإنتاج رؤية الفنية شاملة..
وفي دورة هذا العام من مهرجان «ميدفست مصر»، يخوض الفنان والكاتب أحمد عبد الوهاب تجربة جديدة ومتميزة عبر مشاركته الأولى في عضوية لجنة تحكيم المهرجان، ليكون أقرب إلى النبض الإنساني والنفسي الذي تطرحه الأفلام القصيرة المشاركة.
في هذا الحوار الخاص، يتحدث أحمد عبد الوهاب عن معاييره في تقييم الأفلام، وكيفية صياغة الصراع النفسي المتكامل في دقائق معدودة، ودور الفن في تفكيك التابوهات المجتمعية حول الصحة النفسية، فضلاً عن رؤيته لسر التوازن بين الكتابة والتمثيل ومستقبل مشروعاته القادمة..
-
بصفتك كاتباً وممثلاً، ما المعيار الأول الذي تفتش عنه في الأفلام القصيرة المشاركة؟ وهل المنتصر لديك هو جودة النص والسيناريو أم الأداء التمثيلي؟
أعتقد أنه لا يوجد معيار واحد يمكنني تفضيله على بقية العناصر؛ فالفيلم القصير في أساسه تجربة متكاملة يخدم فيها كل عنصر الآخر. لكن أول ما يجذبني ككاتب وممثل هو أن يمتلك الفيلم فكرة حقيقية يسعى لتقديمها، أو سؤالاً يطرحه، وأن تصل الفكرة للمشاهد بصداقة وتأثير.
السيناريو بطبيعة الحال محوري للغاية، لا سيما أن الفيلم القصير محكوم بزمن محدود جداً، مما يفرض أن تكون لكل مشهد ولكل جملة قيمة مضافة. ورغم ذلك، قد تجد فيلماً بلمسات نصية بسيطة للغاية، لكن أسلوب تنفيذه والأداء والروح العامة فيه تجعله عالقاً في الذاكرة. والعكس صحيح؛ إذ قد نجد سيناريو مكتوباً بجودة عالية، لكن التنفيذ يعجز عن إيصال إحساسه.
لذلك، ومن موقعي كعضو في لجنة تحكيم «ميدفست»، أحاول ألا أدخل دار العرض بحثاً عن عنصر منفرد، بل أنظر إلى التجربة بكليتها: الفكرة، الكتابة، الإخراج، والأداء، وكيف تضافرت هذه العناصر لتقديم عمل يمتلك شخصيته وصوته الخاص. وبالنسبة لي، فالعمل الذي يظل يرافقك وتواصل التفكير فيه بعد انتهائه، هو العمل الذي يستحق التوقف عنده.
-
كيف تقيم قدرة صناع الأفلام على صياغة صراع إنساني ونفسي متكامل في دقائق معدودة دون الوقوع في فخ المباشرة؟
أعتقد أن هذا من أصعب التحديات في صناعة الفيلم القصير؛ فأنت محكوم بحدود زمنية ضيقة، ومع ذلك يُطلب منك وضع المشاهد في قلب الشخصية وإحساسها بصراعها دون اللجوء إلى الشرح المباشر. النجاح هنا يكمن في مدى ثقة صانع الفيلم بوعي المشاهد، وعدم تلقينه المباشر لما ينبغي أن يشعر به أو يفهمه.
أحياناً تكون نظرة واحدة أو تصرف بسيط من الشخصية أبلغ وأقوى من مشهد كامل مليء بالحوار الشارح للمشاعر. وأنا كممثل أنحاز كثيراً لهذه النوعية من الأعمال؛ لأنها تضعك أمام تحدي بناء شخصية وصراع مكتملين من خلال تفاصيل مكثفة ودقيقة، وهو ما يتطلب كتابة واعية وأداءً صادقاً.
إن الفيلم القصير الناجح في نظري هو قدرته على إدماجي مع الشخصية وفهم صراعها دون الشعور بأن المخرج أو الكاتب يشرحان لي القصة. وعندما يسدَل الستار وتظل الأسئلة والمشاعر تتفاعلان في داخلك دون تصريح مباشر، يكون صانع الفيلم قد حقق نجاحه الفعلي.
-
يركز مهرجان «ميدفست» بشكل أساسي على التمازج بين السينما وقضايا الصحة النفسية؛ كيف ترى دور الفن في تفكيك التابوهات النفسية داخل المجتمع؟
يمتلك الفن قدرة استثنائية على فتح ملفات وموضوعات نتردد أحياناً في طرحها بشكل مباشر، خاصة تلك المرتبطة بالصحة النفسية. فقد يرى المشاهد من خلال فيلم أو شخصية سينمائية مرآة لنفسه أو لشخص قريب منه في موقف لم يكن يقوى على الحديث عنه، وهذا بدوره يشكل بداية لتغيير نمط التفكير.
السينما في تقديري ليست مضطرة لتقديم حلول طبية أو تشخيصات جازمة، بل إن رسالتها الأسمى تكمن في خلق مساحة للحوار وجعل الطرح أمراً طبيعياً ومتقبلاً. فعندما نشاهد على الشاشة إنساناً يواجه أزمة نفسية أو مخاوف أو وصماً مجتمعياً، ونتعاطى مع تجربته ببعدها الإنساني المجرد قبل وضع التصنيفات، فإننا نساهم بفعالية في تفكيك هذه التابوهات.
وهذا تحديداً ما يمنح «ميدفست» أهميته، فهو يمزج الفن بالوعي، ويتخذ من السينما وسيلة لإطلاق نقاشات حقيقية حول قضايا يحتاج مجتمعنا لتناولها بجرأة وإنسانية أكبر.
-
هل تعتقد أن البعد النفسي للشخصية يُكتب أولاً في السيناريو، أم يولد لحظة تجسيد الممثل لها أمام الكاميرا؟
أعتقد أن المراحل تتكامل؛ إذ يجب أن يتوفر البعد النفسي في النص منذ البداية حتى وإن جاء بشكل غير مباشر، فالكاتب هو من يضع دوافع الشخصية وخلفيتها وصراعاتها الداخلية. لكن في الوقت نفسه، لا تكتمل الشخصية بصورتها النهائية إلا عندما يبدأ الممثل في معايشتها وتجسيدها.
كممثل، قد أقرأ المشهد وأستوعب منه بُعداً معيناً، لكن أثناء العمل والاقتراب من الشخصية تتبدى لي تفاصيل ومشاعر لم تكن جليّة في البداية. أحياناً تكون هناك حركة عابرة، أو طريقة صمت، أو نظرة، أو حتى نبرة خاصة لنطق الجملة، تمنح الشخصية أبعاداً نفسية جديدة.
لذا، أتعامل مع السيناريو باعتباره نقطة الانطلاق لا السقف؛ الكاتب يبني العالم والدوافع، والممثل يستكشف الشخصية من الداخل ويضيف إليها من خبرته وحسه، ليأتي المخرج في النهاية ويوحد هذه العناصر. وحينما تتضافر الجهود الثلاثة، تصبح الشخصية أقرب إلى الحقيقة وأبعد ما تكون عن مجرد كلمات مدونة على الورق.
-
التواجد في لجنة تحكيم مهرجان سينمائي لأول مرة؛ ما الذي يضيفه هذا المقعد لأحمد عبد الوهاب كصانع في خطواته القادمة؟
الحقيقة أن تجربة عضوية لجنة التحكيم تختلف تماماً عن المشاهدة العادية. عندما تكون عضواً في لجنة، فأنت مطالب بمشاهدة الفيلم بعين ناقدة وفاحصة لتفكر في خيارات صناعه، ولا تكتفي فقط بمجرد الشعور بالإعجاب من عدمه. وقد جعلني هذا أكتشف مدى تأثير التفاصيل الدقيقة في بناء العمل السينمائي المتكامل.
ككاتب وممثل، وسّعت هذه التجربة مداركي ورؤيتي كثيراً؛ فقد اطلعت على تجارب وأفكار متنوعة ورؤى مختلفة في أساليب الحكي، وهو ما سينعكس حتماً على أعمالي القادمة كتابةً وتمثيلاً. كما أن النقاشات التي دارت مع زملائي في اللجنة كانت غنية للغاية، كون كل عضو ينظر للعمل من زاوية خاصة، مما يدفعك أحياناً لإعادة تقييم أفكارك وانطباعاتك الأولى.
وأعتقد أن أهم درس استقيته من هذه التجربة هو أن التقييم لا يتوقف عند حد الذوق الشخصي، بل هو محاولة حقيقية لفهم الرحلة التي خاضها صانع الفيلم وما استطاع إيصاله للمشاهد، وهو درس بالغ الأهمية بالنسبة لي في خطاي القادمة.
-
بعد النجاحات الأخيرة في عالم الكتابة، ما الفكرة أو القضية التي تشغل بالك حالياً وتعمل على تطويرها في نصك القادم؟
أحاول دائماً أن تكون كل تجربة جديدة أكتبها مختلفة عما قدمته سابقاً، سواء في موضوعها أو طريقة طرحها. تشغلني حالياً فكرة ترتبط بالإنسان وتناقضاته، وبكيفية إطلاقنا للأحكام السطحية على الآخرين بناءً على المظهر الخارجي، دون إدراك لما مروا به أو ما يدور في أعماقهم.
أفضل عدم الخوض في تفاصيل المشروع قبل اكتماله، لكن ما يمكنني إعلانه هو اهتمامي في المرحلة القادمة بالشخصيات المركبة؛ تلك التي لا يمكن وضعها بسهولة في خانتي "الخير" أو "الشر"، بل تمتلك دوافع وأسباباً تجعلك تختلف معها لكنك تفهمها في الوقت ذاته.
هذا هو التحدي الذي أضعه أمامي في الكتابة حالياً: كيف أروي حكاية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تطرح أسئلة عميقة وتدفع المشاهد للتفكير والتأمل حتى بعد نهاية العمل. هذا هو نمط الحكايا الذي أطمح لتقديمه مستقبلاً.
-
كيف توازن بين صياغة سيناريو بأسلوب عصري يواكب تطلعات المنصات الرقمية الحديثة، وبين الحفاظ على الهوية والعمق الإنساني للقصة؟
لا أرى أن العصرنة في الكتابة تعني التخلي عن روح الحكاية أو هويتها. إن طبيعة المنصات تتغير، وسلوك الجمهور في المشاهدة يتطور، ومن الطبيعي أن تتطور معها أساليب السرد، لكن الإنسانية بمشاعرها وصراعاتها تظل هي جوهر أي قصة خالدة.
أحاول أثناء الكتابة أن أكون واعياً بالإيقاع السريع للمنصات وطبيعة الجمهور الحالي، لا سيما أن المشاهد بات يملك خيارات لا حصر لها، مما يتطلب منك تقديم سبب قوي يدفعه للمتابعة منذ اللحظات الأولى. لكنني في المقابل أرفض أن تكون السرعة أو عناصر الجذب على حساب عمق الشخصية أو القصة.
يمكن استخدام كافة أدوات السرد الحديثة شريطة الحفاظ على الصدق الإنساني؛ فإذا كانت الشخصية واقعية ودوافعها مفهومة وصراعها يلامس المشاهد، ستصل الحكاية وتترك أثرها سواء عُرضت في السينما، التلفزيون، أو عبر المنصات الرقمية. التكنولوجيا ووسائل العرض تتغير، لكن المشاعر الصادقة تظل ثابتة في قيمتها.
-
هل هناك مشروع سينمائي أو درامي مرتقب تشارك فيه ككاتب وممثل في الوقت نفسه، أم تفضل الفصل بينهما في الفترة القادمة؟
على العكس تماماً، تستهويني فكرة الجمع بين الكتابة والتمثيل في العمل نفسه، وهو ما يتحقق فعلياً في مشروعي القادم مع المخرج رامي إمام، حيث أشارك في كتابة النص وفي البطولة أيضاً. إنها تجربة ممتعة ومختلفة، تجعلني متماساً مع الشخصية والحكاية منذ مراحلهما الأولى على الورق، وأتتبع كيفية تحولهما إلى تجسيد حي أمام الكاميرا.
غير أن الجمع بين الدورين يحمل مسؤولية كبيرة؛ فكل مرحلة تتطلب تركيزاً كاملاً. أحياناً وأنا أكتب أرى الشخصية بزاوية معينة، وعندما أشرع في أداء دورها أكتشف جوانب جديدة تدفعني لعديل أسلوبي في التعامل معها.
بالنسبة لي، يجب أن يكون للجمع بين الدورين ضرورة فنية حقيقية تخدم المشروع، وليست مجرد رغبة ذاتية. مشروعي مع المخرج رامي إمام تجربة حماسية للغاية، وسنعلن عن تفاصيلها في الوقت المناسب، بينما قد أكتفي في مشروعات أخرى بالتمثيل فقط أو الكتابة فقط، وفقاً لطبيعة ومتطلبات كل عمل.
|