|
القاهرة 29 سبتمبر 2026 الساعة 09:58 ص

حوار: كارتر شيرمان وسوزان جابر
ترجمة: سماح ممدوح حسن
-
نكسة 1967.. اللحظة التي بدأت فيها أمريكا تنظر إلى العرب بعين الشك
في أوائل الألفينات نشأت "روزينا علي" الكاتبة والصحفية الأمريكية في كاليفورنيا، بعدما انتقلت أسرتها من باكستان إلى الولايات المتحدة وهي في الخامسة. وكانت تشعر بأنها اندمجت تمامًا في حياتها الجديدة وتؤمن بشدة بفكرة "الاستثنائية الأمريكية".
لكن بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، جلس والداها معها وإخوتها للحديث عن الهجمات، وكانت كلماتهم في تلك اللحظة تبدو لها غريبة ومخالفة لكل ما كانت تؤمن به. وعن هذا أجرت الجارديان حوارا معها.
"كنت دائما أقول لوالديّ إن هذه أمريكا وليست باكستان. لكنهما كانا يردان أن البلاد في حالة حرب والمسلمون هاجموه ولذلك سنصبح جميعًا موضع اشتباه".
وبعد سنوات وبينما تعمل كصحفية، على تأثير ما يسمي ب"الحرب على الإرهاب" على المسلمين الأمريكيين أدركت أن مخاوف والديها كانت في محلها. ومن هنا جاء كتابها "Seasons of Fury أو مواسم الغضب" الذي يتتبع تاريخ الإسلاموفوبيا في أمريكا منذ عقود قبل هجمات 11 سبتمبر.
ويتناول الكتاب قصص أربع عائلات من بينها قصة المحامي الأمريكي من أصل عربي عبدين جبارة، الذي كشف في السبعينيات واحدة من أكبر عمليات المراقبة الأمنية في تاريخ الولايات المتحدة، وأصبح معروفًا بوصفه أول مواطن أمريكي تراقبه وكالة الأمن القومي. كما يتناول الكتاب تجارب رجال مسلمين أُدينوا بالإرهاب بعد هجمات 11 سبتمبر.
بعد عشر سنوات من بدء أبحاثها، تقول روزينا إن الإسلاموفوبيا في أمريكا انتشر أكثر من أي وقت مضى.
وأظهر استطلاع لمركز بيو للأبحاث في مايو 2026 أن معظم المسلمين في الولايات المتحدة يشعرون بالتعرض للتمييز في حياتهم اليومية. كما تضاعفت نسبة الأمريكيين الذين يرون أن الإسلام أكثر ارتباطًا بالعنف من الأديان الأخرى خلال الـ25 عامًا منذ هجمات 11 سبتمبر.
ومع حلول الذكرى وقّع عشرات الآلاف عريضة تطالب عمدة نيويورك المسلم، زهران ممداني، بـ"الابتعاد" كما صنفت تكساس وفلوريدا منظمة CAIR، المدافعة عن الحقوق المدنية للمسلمين، كمنظمةً إرهابية.
تتذكر روزينا اليوم الذى وقعت فيه أحداث 11 سبتمبر وتقول" كنت مراهقة عندما وقعت هجمات 11 سبتمبر. كنت أعيش في بلدة صغيرة في كاليفورنيا، وكانت عائلتي واحدة من ثلاث أو أربع عائلات مسلمة فقط في البلدة. كنت أستعد للذهاب إلى المدرسة. وكل ما أتذكره هو والديّ جالسين في غرفة المعيشة وكأنهما عاجزان عن الحركة وهما يشاهدان الأخبار. لم أرهم بهذا الخوف من قبل"
-
كيف غيرت الأشهر التي أعقبت 11 سبتمبر علاقتك بالولايات المتحدة؟
كنت أؤمن حقًا بأن الحكومة الأمريكية ستحمي المبادئ والقيم التي تؤمن بها كحرية الدين والتسامح والتعددية وقبل كل شيء حرية التعبير. واستغرق مني الأمر وقتًا طويلًا لأفهم أن الأمور التي عاشها والداي في باكستان أو ما كان يحدث في أماكن أخرى من العالم، يمكن أن يحدث هنا أيضًا. ولا أعتقد أنني أدركت أن مخاوفهما لم تكن مبالغًا فيها إلا عندما بدأت بالفعل في تغطية هذه القصص صحفيًا.
-
بعد 11 سبتمبر، ماهى أبرز الطرق التى تعاملت بها الحكومة الأمريكية مع المجتمعات المسلمة؟
كانت هناك أجهزة إنفاذ القانون وعملاء من مكتب التحقيقات الفيدرالي وأقسام شرطة يعملون من خلال مخبرين سريين. ولم يقتصر الأمر على مراقبة الأحياء المسلمة فقط إنما كانوا يجلسون في المقاهي والمساجد ويتحدثون إلى الناس في محاولة لاستدراجهم إلى مخططات أو عمليات .ولم يكن مهمًا ما إذا كنت مذنبًا أم لا. ومن أكثر العبارات التي كنت أسمها تترد في مقابلاتي"الحيطان ليها ودان" وكان رد الكثير من المسلمين هو"كنا نشعر أن أحدا يراقبنا"
-
رغم أن 11 سبتمبر كان نقطة تحول لكن قبل ذلك كيف بدأ الإسلاموفوبيا يتحول لأداة سياسية في أمريكا؟ وما أبرز المحطات في هذا المسار؟
إحدى المحطات المهمة كانت حرب 1967 بين إسرائيل والدول العربية، التي سيطرت خلالها إسرائيل على مساحات كبيرة من الأراضي الفلسطينية. وأشعلت هذه الحرب نشاطًا سياسيًا واسعًا داخل الجالية العربية الأمريكية. خرجت احتجاجات إلى الشوارع ونُظمت حملات لجمع التبرعات لمساعدة اللاجئين الفلسطينيين. وكان مستوى النشاط السياسي لافتًا بالفعل.
وفي الوقت نفسه، كانت الجماعات الفلسطينية المسلحة تزداد عنفًا على المستوى العالمي ليس ضد إسرائيل وحدها لكن أيضا ضد المصالح الغربية وحلفاء الدول الغربية.
وكانت إحدى أبرز الأحداث مجزرة ميونيخ عام 1972، عندما اختطفت جماعة "أيلول الأسود" الفلسطينية المسلحة الرياضيين الإسرائيليين المشاركين في دورة الألعاب الأولمبية وقتلتهم.
وعقب ذلك مباشرة أطلقت إدارة الرئيس نيكسون برنامجًا لمراقبة الجالية العربية الأمريكية في الولايات المتحدة. وكان البرنامج يستهدف ظاهريًا المهاجرين العرب وحاملي التأشيرات لكنه امتد لاحقًا ليشمل مواطنين أمريكيين من أصول عربية، من بينهم إحدى الشخصيات الرئيسية في الكتاب، عبدين جبارة.
-
كيف أثرت العلاقة المتنامية بين أمريكا وإسرائيل في المواقف السياسية تجاه العرب في أمريكا؟
بدأت مرحلة صُنف فيها عرب أمريكا على أساس عرقي وارتبط ذلك بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وتعاملت أمريكا مع فلسطين ثم مع المسلمين لاحقًا من زاوية الأمن القومي بشكل اساسي.
لذلك، عندما نتحدث عن المراقبة الأمنية التي حدثت بعد عام 1967، ثم عن مراقبة المسلمين في التسعينيات وبعد 11 سبتمبر، نجد أنها جميعًا كانت تُنظر إليها من منظور الأمن القومي والإرهاب. وهذا خيط مشترك لا يربط فقط أجزاء هذا التاريخ الطويل إنما ساهم أيضًا في تبرير تصاعد الإسلاموفوبيا الذي نراه اليوم.
-
الحكومة الأمريكية كانت تستهدف العرب الأمريكيين، ثم توسع الاستهداف ليشمل المسلمين جميعًا. كيف حدث ذلك؟
كانت الثمانينيات فترة مهمة لأسباب كثيرة جدًا. ربما كانت أفضل عقود القرن لكنها كانت عشرية غريبة. فبعد سقوط الاتحاد السوفيتي، أصبح أكبر عدو تعتقد الولايات المتحدة أنها تواجهه هو الإسلاموفوبيا. وبالتأكيد لم يأتي هذا من فراغ. فقد نفذ بالفعل أرهابيون مسلمون هجمات ضد أمريكا.
لكن ما فعلته أمريكا هو أنها بدأت تنظر إلى الإرهاب باعتباره فكرة مجردة. ويعود ذلك في الواقع إلى إسرائيل ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو نفسه، الذي أصر بشدة على ترسيخ فكرة الإرهاب والترويج لها، ليس باعتبارها تكتيكًا تستخدمه جماعات أو حتى دول، وإنما باعتبارها غاية في حد ذاتها. أي أن الجماعات المسلحة تمارس الإرهاب لأنها شريرة.
وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي ومع اتساع تعريف الإرهاب، بدأنا في التسعينيات نرى خلطًا بين الإرهاب والجماعات الإسلامية.
أتذكر أنني تحدثت مع عميل سابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي كان يعمل ضابط شرطة عام 1995، بعد تفجير أوكلاهوما سيتي. وقال لي إنه كان يدرس للحصول على درجة الماجستير في التهديدات الأمنية القومية، وكان يدرس مصطلح "الجهاد" وعندما وقع تفجير أوكلاهوما سيتي كان أول ما فكر فيه"ربما يكون هؤلاء إرهابيين مسلمين" وفى الحقيقة كان المهاجم جنديًا سابقًا في الجيش الأمريكي.
لكن حينها سارعت وسائل إعلام كثيرة بالقول أن منفذ الهجوم هم إرهابيين عرب أو من الشرق الأوسط. وبمنتصف التسعينيات، تشكلت بالفعل رواية مفادها أنه إذا وقع عمل إرهابي بأمريكا فلا بد أن يكون منفذوه مسلمين.
وهي نفسها الزاوية التي نظرت من خلالها إدارة نيكسون إلى التهديدات المحتملة من الجالية العربية الأمريكية. لكن بالتسعينيات أصبحت الحكومة الأمريكية تعتقد أن هذه التهديدات قد تأتي من المجتمع المسلم الأوسع.
وكان لذلك أسباب عدة. من بينها صعود الإسلام السياسي وظهور المسلمين في أمريكا بشكل أكثر وضوحًا. كما سمح قانون الهجرة الصادر عام 1990 بدخول أعداد أكبر من المهاجرين إلى الولايات المتحدة، وكان كثير منهم من المسلمين.
ورغم أن قضية فلسطين تراجعت أهميتها لدى الرأي العام الأمريكي عمومًا، ظلت كثير من المجتمعات المسلمة تجمع التبرعات للفلسطينيين في الخارج. وباختصار ظلت فلسطين خيطًا ممتدًا في هذه القصة حتى بالتسعينيات.
-
بعد أن تتبعتِ تاريخ الإسلاموفوبيا هذا، كيف تصفين الوضع اليوم؟
قبل عشر سنوات، عندما بدأت تتشكل لدي فكرة هذا الكتاب، كنت أعتقد أنني سأكتب عن مرحلة من الماضي. لكنني أشعر اليوم بالدهشة لأنني أعيش في عالم لم يعد فيه العداء الشديد للمسلمين مقبولًا فقط لكنه أصبح أكثر عنفا وعدوانية وانشارا.
-
صنفت كل من فلوريدا وتكساس مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية كمنظمة إرهابية. ماذا يعني لكِ هذا القرار؟
لا يزال مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية، مؤسسة مهمة في حياة المسلمين الأمريكيين. فهو ليس فقط منظمة ممتدة على مستوى البلاد لكنها تساعد في حماية حقوق المسلمين وتوثق جرائم الكراهية ضد المسلمين والعرب.
كنت أظن أن الحكومة الأمريكية و"CAIR” سيتوصلان في مرحلة ما إلى تفاهم. لكن ما فعلته تكساس وفلوريدا جعلاني أعتقد أنهما تحاولان إقصاء مؤسسات إسلامية مثل "CAIR”، وتشويه صورتها والعمل على إغلاقها.
-
كيف يؤثر الإسلاموفوبيا في السياسة الأمريكية اليوم، خصوصًا في ظل الخطاب ضد سياسيين مسلمين جدد مثل زهران ممداني وعبد الرحمن السيد"عبدول"؟
من اللافت أن هذا الخطاب يعيدنا إلى حالة الشك في المسلمين التي سادت بعد هجمات 11 سبتمبر. فمثلًا، هناك من يلمّح إلى أن "عبدول" قد تكون له صلات بالإرهاب، وهي الفكرة نفسها التي كانت أجهزة إنفاذ القانون تطرحها عند مراقبة المسلمين في التسعينيات. كما يتكرر الحديث عن وجود "أهداف خفية وخبيثة" وهو خطاب استخدمته جماعات معادية للمسلمين عامي 2009 و2010. لقد أصبح الإسلاموفوبيا اليوم جزءًا من السياسة الأمريكية.
-
لماذا تعتقدين أن الإسلاموفوبيا أصبح الآن بهذا السوء والانتشار والوضوح؟
أظن أن هناك عوامل كثيرة وراء ذلك. بعد 7 أكتوبر 2023، رأينا الولايات المتحدة تقدم دعمًا كاملًا لإسرائيل بينما كانت ترتكب إبادة جماعية في غزة. ولم يؤدِّ ذلك إلى احتجاج المسلمين والعرب فقط، بل أثار أيضًا اعتراضات واسعة بين الأمريكيين أنفسهم. وقد تغير الرأي السياسي والعام حول هذه القضية بشكل كبير خلال العامين الماضيين.
بعد 11 سبتمبر، حدث نوع من التوافق الوطني حول الحرب على الإرهاب. وكان الرأي العام ووسائل الإعلام تدعم إدارة بوش. أما اليوم، فلا يوجد هذا التوافق. وهناك فجوة كبيرة بين موقف الرأي العام مما يحدث وبين ما يفعله صانعو السياسات وما يقولونه بشأن الحرب الإسرائيلية على غزة.
وفي الوقت نفسه، نشهد صعود سياسيين مسلمين في الولايات المتحدة. وهذا خلق وضعًا مثاليًا لاستخدام العنصرية والإسلاموفوبيا فلا يوجد الكثير مما يمكن استخدامه لمواجهتهم، بالإضافة إلى إن السياسات التقدمية التي يتبناها عبد الرحمن السيد"عبدول" وزهران ممداني تحظى بدعم من الرأي العام الأمريكي. لذلك أعتقد أن الإسلاموفوبيا أصبح سلاحًا سياسيًا.
-
كثير من الأدوات التي استُخدمت بعد 11 سبتمبر لمراقبة المسلمين واستهدافهم تُستخدم اليوم ضد جماعات أخرى كالمهاجرين من أمريكا اللاتينية. كيف تنظرين إلى هذا التوسع في استخدام تلك الأدوات؟
الأمر مقلق لكنه ليس مفاجئًا. فأي محامٍ يعمل في مجال الحقوق المدنية أو ناشط يتابع كيفية استخدام هذه القوانين ضد المسلمين، يدرك منذ البداية أن هذا سيحدث.
المشكلة ليست فقط أن هذه القوانين موجودة ويمكن استخدامها بسهولة، لكنها أيضا قوانين فعالة، لأن تعريفنا للإرهاب اتسع كثيرًا. وعندما أطلقت إدارة بوش"الحرب على الإرهاب" فشلت فشلًا ذريعا في وضع تعريف واضح لماهية الإرهاب.
-
كنا في حرب ضد ماذا تحديدًا؟
لم نكن نعرف من هو العدو. ولذلك تغير تعريف العدو مع مرور السنوات حتى أصبح المسلمون هم العدو. لكنه أصبح أيضًا يشمل كل من يختلف مع الحكومة الأمريكية.
واصلنا توسيع صلاحيات ونفوذ السلطة التنفيذية، كما أن الحكومة الأمريكية واصلت استخدام عبارة "الأمن القومي" لتبرير أمور كثيرة، بما في ذلك لاحقًا أمام المحكمة العليا، عندما صدر قرار حظر دخول المسلمين.
وما لدينا الآن هو سلطة تنفيذية تتمتع بصلاحيات واسعة وتعريف واسع للإرهاب، وقوانين موجودة بالفعل جرى تعديلها وصقلها لكنها لا تزال غامضة. ولدينا إدارة قررت أن أعداءها هم اليساريون والناشطون المناهضون لإدارة الهجرة والجمارك الأمريكية وكل من يعتبره دونالد ترامب جزءًا من حركة "أنتيفا"
قبل ثلاثين عامًا، كنا نقول لدينا رئيس مجنون لكن على الأقل كان لدينا نظام من الضوابط والتوازنات. أما ما حدث خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، فهو أننا وسّعنا صلاحيات السلطة التنفيذية وقدرتها على شنّ"الحرب على الإرهاب" في الخارج أو في الداخل.
|