|
القاهرة 29 سبتمبر 2026 الساعة 09:48 ص

بقلم: إيناس محمد عتمان
حين نفتش في دفاتر السرد العربي عن شخصية نسائية تختزل تفاصيل الشارع وتقلباته، تبرز أمامنا شخصية "ذات" في الرواية الفذة للأديب صنع الله إبراهيم، كواحدة من أكثر البطلات الروائيات تعبيراً عن نبض الحياة اليومية وتحولاتها العنيفة.
تكتسب "ذات" قيمتها النقدية والإنسانية من كونها مرآة صادقة لـ عصر الانفتاح الاقتصادي والتحولات الاستهلاكية التي ضربت المجتمع المصري في ثمانينيات القرن الماضي.
لم يختر صنع الله إبراهيم بطلته لتكون مناضلة أو مثقفة، بل جعلها امرأة عادية، موظفة كادحة في أرشيف إحدى الوزارات، تحاصرها ضغوط مادية خانقة وتجد نفسها مطالبة طوال الوقت بالتوفيق بين دورها كعاملة وبين واجباتها الأسرية كأم وزوجة وسط طوفان من الغلاء وتآكل الطبقة المتوسطة.
يتجلى السحق اليومي في الرواية ليس عبر خطابات رنانة، بل من خلال أسلوب صنع الله إبراهيم التوثيقي الفريد؛ حيث يدمج حكاية "ذات" اليومية بقصاصات الأخبار، وإعلانات السلع، وأسعار الأجهزة الكهربائية التي أصبحت مقياساً للقيمة الإنسانية والمجتمعية.
تقاوم "ذات" هذا الحصار الخانق من البيروقراطية والروتين عبر صبر طويل، وتتحمل صدمات واقع يميل إلى تسليع كل شيء وتهميش القيم النبيلة.
إن إسقاط واقع "ذات" على عصرنا الراهن يكشف كيف تغلغلت قيم السلع والتفاخر المظهري في عمق العلاقات الإنسانية؛ لتتحول المساحات الشخصية إلى دفاتر حسابية ومقارنات لا تهدأ.
تصبح رحلة "ذات" المريرة وسعيها الدؤوب لتربية أبنائها وتوفير أساسيات المنزل هي لسان حال ملايين الأمهات والعاملات اللواتي يبحثن عن الاستقرار وسط متطلبات الاستهلاك الإجباري، مما يجعل من قراءة الرواية اليوم ضرورة نقدية ملحة لفهم جغرافيا الشارع وإعادة الاعتبار لصلابة المرأة في بناء المجتمع وتماسك الأسرة.
|