|
القاهرة 14 سبتمبر 2026 الساعة 11:23 م

بقلم: د. إنجي عبدالمنعم
* أين يقف المتفرج العادي وسط زحام الشاشات والنقاشات التخصصية؟
تطرح طبيعة مهرجان نوعي مثل «ميدفست مصر» تساؤلاً ملحاً حول هُوية المتلقي المستهدف: هل هي تظاهرة نخبوية مغلقة موجهة حصرياً لصناع السينما والأطباء النفسيين والنقاد، أم أنها رحلة مفتوحة لعين وقلب المشاهد العادي؟ بالنظر إلى طبيعة فعاليات دورته الثامنة التي اختتمت بالجامعة الأمريكية بالتحرير، يتكشف لنا أن المهرجان نجح ببراعة في تفكيك هذه الثنائية الحادة، ليقدم نموذجاً فريلاً لـ "السينما التفاعلية الدامجة".
فمن جهة، وفر المهرجان منصة دسمة للمتخصصين من خلال الحلقات النقاشية وورش العمل وmasterclasses التي تحلل آليات سرد الصحة النفسية وتقنيات التصوير والإخراج. ومن جهة أخرى، كان الباب مفتوحاً على مصراعيه للمتلقي العادي غير المهني، شريطة أن يمتلك شغفاً بالحكاية الإنسانية. الأفلام المعروضة، التي تجاوزت 85 فيلماً قصيرة، لم تكن مجرد دراسات حالة إكلينيكية جافة أو طلاسم نقدية، بل كانت حكايات بصرية نابضة بالحياة عن الفقد، والشيخوخة، والوحدة، والصمود؛ وهي مشاعر اختبارية يمر بها كل إنسان بغض النظر عن خلفيته المهنية. لقد أثبت «ميدفست» أن الوجدان البشري لا يحتاج إلى كارنيه نقابي أو تخرج في كليات الطب ليستوعب لغة الألم والأمل على الشاشة.
الخروج إلى النبض الحي: تفاعل السينما مع شوارع وسط البلد
لا يقتصر التأثير الحقيقي لمثل هذه الفعاليات على قاعات العرض المكيفة داخل الجامعات والمراكز الثقافية، بل يقاس بقدرتها على الاشتباك مع الواقع والشارع المصري. وهنا تتجلى عبقرية المبادرات الموازية للمهرجان، وتحديداً فعالية «سينما على الماشي» التي أقيمت بالتعاون مع مهرجان الإسماعيلية في شوارع وسط البلد.
هذه الخطوة تمثل اختراقاً حقيقياً لجدار العزلة الذي غالباً ما يفصل المهرجانات السينمائية عن الجمهور العام. حين تتحول عمارة القاهرة الخديوية العريقة إلى خلفية طبيعية لتلقي الفن، وتخرج السينما من قاعات النخبة إلى فضاء المدينة المفتوح، فإنها تعيد الاعتبار للفن السابع باعتباره وسيطاً شعبياً جماعياً في الأصل. لقد لامس الجمهور في الشارع تفاصيل حية تشبه تفاصيل حياتهم اليومية، مما خلق حالة من الحوار العضوي بين صانع الفيلم والمواطن العادي، وكسر الصورة النمطية للمهرجانات بوصفها أحداثاً متعالية على هموم الشارع.
إعادة هندسة الوعي: التأثير الممتد على صناعة السينما المصرية
على صعيد الصناعة، يحدث «ميدفست مصر» هزة هادئة وعميقة في طريقة تناول السينما المصرية والعربية لقضايا النفس البشرية. طوال عقود، عانت السينما السائدة من تقديم الأمراض أو الاضطرابات النفسية في قوالب كاريكاتورية، إما في شخصية "المجنون" السطحي أو الشرير المطلق، وإما في إطار الكوميديا المبتذلة.
من خلال التركيز على تفاصيل مثل «بره المشهد» ودعم الأفلام التي تسلط الضوء على المهمشين ومقدمي الرعاية الصحية خارج الأطر التقليدية، يغرس المهرجان ثقافة جديدة لدى الجيل الصاعد من صناع الأفلام. إنه يعلمهم أن التعمق في الدوافع النفسية لشخصياتهم لا يتطلب تعقيداً درامياً، بل يتطلب صدقاً إنسانياً وهشاشة واعية. كما أن الشراكات الدولية التي يقدمها المهرجان -مثل فرص السفر والتدريب في مهرجانات عالمية كبرى مثل كليرمون-فيران- تفتح آفاقاً رحبة أمام المواهب الشابة للاحتكاك بتجارب عابرة للثقافات.
في الخلاصة، يثبت «ميدفست مصر» عاماً بعد آخر أنه ليس مجرد أسبوع عابر لعرض الأفلام، بل هو مشروع ثقافي متكامل يهدف إلى شفاء الروح الجماعية بالفن، وتجسير الهوة بين نخبة الإبداع ونبض الشارع، ليصبح بحق نافذة إنسانية واسعة تطل منها السينما المصرية على رحابة العالم وعمق النفس.



|