|
القاهرة 25 سبتمبر 2026 الساعة 03:39 م

حاوره: مصطفى علي عمار
من ليسانس الآداب إلى الدكتوراه في الاقتصاد وإدارة الأعمال. ومن "أمواج البحر الميت" إلى "سيرة المهدي المنتظر".. د. إيهاب بديوي كتب في القصة والرواية والنقد وفلسفة التاريخ، فصدر له واحد وعشرون كتاباً.
عضو اتحاد كتاب مصر، ومختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية، ونادي أدب الشاطبي.. درس السرد عند نجيب محفوظ وإبراهيم عبد المجيد، وحكم في مسابقات السرد العربية.. نال المركز الأول في مسابقتي ديوان العرب وأمارجي السومرية، ودخل القوائم الطويلة لجوائز منف ونلسون مانديلا..
نسأله اليوم: هل يقتل الناقد الروائي داخله؟ وهل يفسر الاقتصادي انهيار الحضارات في رواياته؟
* حصلت على الدكتوراه في الاقتصاد وإدارة الأعمال واخترت الأدب.. أين يكمن الفشل الأكبر: في السوق أم في السرد؟
لا علاقة للأدب بالحياة العلمية أو العملية، أنا أكتب منذ تعلمت الكتابة في بدايات المرحلة الابتدائية، قبل أن استكمل حياتي العلمية، أنا أؤمن أن الإنسان ليس سيرة مهنية واحدة، وأن امتلاك عقل علمي أو تخصص أكاديمي لا يعني بالضرورة التخلي عن الحس الإبداعي.
على العكس، كثير من كبار الأدباء في العالم جاءوا من مهن علمية شديدة الصعوبة. أنطون تشيخوف كان طبيباً، وآرثر كونان دويل درس الطب ومارس المهنة، وويليام كارلوس ويليامز كان طبيباً وشاعراً كبيراً، وأوليفر ساكس كان طبيب أعصاب وكاتباً ترك أثراً مهماً في الأدب والفكر. وفي مصر لدينا يوسف إدريس وأحمد خالد توفيق، الطبيب الذي أصبح واحداً من أكثر الكتاب تأثيراً في أجيال كاملة، ونبيل فاروق، الطبيب الذي صنع عالماً روائياً واسعاً في أدب الشباب والخيال العلمي والتشويق.
لذلك لا أرى أن العلم والأدب ضدان متصارعان. على العكس تماما، العلم يمنحك القدرة على الملاحظة، والتحليل، وفهم العلاقات المعقدة، والأدب يمنحك القدرة على النفاذ إلى الإنسان. وربما كان أجمل ما يمكن أن يحدث للكاتب أن يجمع بين الاثنين.
أما عن الفشل، فأنا لا أحب استخدام كلمة الفشل هنا. هناك أحياناً فشل في السوق، وفشل في آليات التوزيع والترويج، وفشل في قدرة المؤسسة الثقافية على اكتشاف الكاتب الجيد، وهناك أيضاً نصوص تفشل سردياً مهما كان صاحبها معروفاً. لكنني أعتقد أن الخطر الأكبر على الكاتب ليس أن يفشل في السوق، وإنما أن يكتب ما يرضي السوق فيفقد ابداعه الحقيقي وقيمته ككاتب.
السوق قد يتأخر في اكتشاف الكاتب، وقد يخطئ في تقدير قيمة كتاب، لكن السرد لا يستطيع أن يخدع الزمن. النص الحقيقي قد يتأخر، لكنه يمتلك فرصة البقاء. لذلك أرى أن معركة الكاتب الحقيقية ليست مع السوق، وإنما مع نفسه: هل كتب ما يستحق أن يبقى؟ وهل استطاع أن يضيف شيئاً إلى اللغة والإنسان والأسئلة التي تشغل عصره؟
وأنا شخصياً لم أتعامل مع الأدب باعتباره هروباً من تخصصي أو عملي، وإنما باعتباره امتداداً آخر لشخصيتي.
الاقتصاد وإدارة الأعمال علّماني أن أرى البنية والعلاقات والحركة والمصالح، والعمل في الحياة علّمني أن أرى الإنسان في واقعه، والأدب علّمني أن أبحث عما وراء الظاهر. لهذا ربما لا أرى تناقضاً بين الدكتوراه العلمية والكتابة الأدبية؛ أرى أن كل تجربة إنسانية يمكن أن تتحول إلى مادة أدبية إذا امتلك صاحبها القدرة على إعادة اكتشافها.
* أصدرت في القصة والرواية والنقد والتاريخ.. بأي جنس تخون الآخر؟
أعتقد أنني أخون التصنيف أكثر مما أخون جنساً أدبياً. أنا لا أتعامل مع الرواية والقصة والنقد والتاريخ باعتبارها جزرًا منفصلة، وإنما باعتبارها طرقاً مختلفة للنظر إلى سؤال واحد: الإنسان، وكيف يصنع وجوده داخل الزمن.
حين أكتب الرواية أحتاج إلى المؤرخ الذي بداخلي، وحين أكتب في التاريخ لا أستطيع أن أتخلى عن عين الروائي، وحين أمارس النقد أجد نفسي أبحث عن الإنسان المختبئ خلف التقنية. ربما تكون هذه هي خيانتي الحقيقية: أنني لا أستطيع أن أترك جنساً أدبياً يعيش وحده دون أن تستدعيه الأجناس الأخرى.
وأنا مؤمن بأن الكاتب الحقيقي لا ينبغي أن يسجن نفسه داخل خانة واحدة، ما دام يمتلك مشروعاً واضحاً وصوتاً خاصاً.
* كتبت عن تقنيات السرد عند نجيب محفوظ وعن عالم القصة عند إبراهيم عبد المجيد.. من علمك الكتابة أكثر؟
الكتاب أنفسهم علموني، والقراءة علمتني، والحياة علمتني أكثر مما كنت أتوقع. نجيب محفوظ علّمني أن البساطة يمكن أن تكون عميقة، وأن بناء العالم الروائي يحتاج إلى صبر ودقة ومعرفة بالإنسان.
وإبراهيم عبد المجيد علّمني أن المكان ليس خلفية للأحداث، وإنما يمكن أن يتحول إلى شخصية حقيقية داخل النص. وأنا محظوظ جدا لأني تواصلت مع الكبير ابراهيم عبدالمجيد واقتربت من عالمه وقضيت في رحابه أثناء اعداد الكتاب أجمل لحظات عمري الأدبية.
لكنني تعلمت أيضاً من كتّاب لم أكتب عنهم، ومن نصوص فشلت، ومن أخطائي الشخصية. أحياناً يعلمك النص السيئ ما لا يعلمك إياه النص العظيم، لأنه يجعلك ترى مباشرة ما الذي يجب ألا تفعله.
وفي النهاية، أعتقد أن الكاتب يتعلم الكتابة طوال حياته، وربما يموت وهو يشعر أنه لم يتعلمها كاملة.
* انتقلت رواياتك من سقارة إلى أوناس إلى الهرم المفقود وسيرة المهدي المنتظر. هل التاريخ عندك هروب من الحاضر أم تشريح له؟
التاريخ عندي ليس ملجأً من الحاضر ولا هروبا منه، وإنما طريقة أكثر عمقاً للنظر إليه. عندما أعود إلى الماضي فأنا أبحث عن جذور ما نعيشه الآن.
التاريخ يكشف لنا أن الإنسان يكرر أسئلته حتى عندما تتغير الأدوات. السلطة، والخوف، والطموح، والذهب، والدين، والحرب، والحب، والبحث عن الخلاص؛ كلها أسئلة قديمة ترتدي في كل عصر ملابس جديدة.
لذلك أذهب إلى التاريخ كي أرى الحاضر من مسافة تسمح لي بفهمه. وربما لهذا السبب أكتب التاريخ باعتباره باعتباره مرآة للحاضر واستشرافا للمستقبل.
* في سلسلة قراءة في فلسفة التاريخ ربطت بين السياسة والذهب والحضارة. ما علاقة ذلك بالرواية؟
الرواية في جوهرها بحث في الإنسان داخل شبكة من القوى. والسياسة والاقتصاد والذهب والحضارة ليست موضوعات خارجية عن الإنسان، لكنها هي التي تصنع جزءاً كبيراً من مصيره.
أنا مهتم بالسؤال الذي يقع خلف الحدث: لماذا صعدت حضارة؟ لماذا انهارت أخرى؟ كيف يمكن للثروة أن تصنع السلطة؟ وكيف يمكن للسلطة أن تعيد تشكيل الوعي؟
الرواية تستطيع أن تفعل شيئاً لا يفعله البحث التاريخي وحده؛ تستطيع أن تجعل القارئ يعيش داخل اللحظة، وأن يرى التاريخ من خلال عين إنسان كان موجوداً فيها. لذلك أعتقد أن العلاقة بين فلسفة التاريخ والرواية عندي علاقة عضوية، لأنني أبحث في الاثنين عن الإنسان وهو يصنع التاريخ، ثم يكتشف في النهاية أن التاريخ يعيد تشكيله.
* فزت بالمركز الأول عن قلوب مسجونة والبصمة. أيهما أصدق: لجنة التحكيم أم القارئ؟
لجنة التحكيم تمنحك الاعتراف في لحظة، أما القارئ فيمنحك الحياة عبر الزمن. لذلك لا أضع الاثنين في مواجهة.
الجائزة تقول إن نصك استطاع أن يقنع مجموعة من القراء المتخصصين في لحظة محددة، أما القارئ فيقول لك إن النص استطاع أن يجد مكاناً داخل وجدانه. وأحياناً يكون النص الذي تفوز به لجنة التحكيم مختلفاً عن النص الذي يحبه الجمهور، وهذه طبيعة الأدب.
بالنسبة لي، الجائزة تقدير مهم ومحفز، لكنها ليست شهادة نهائية على قيمة الكاتب. الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الجائزة، عندما يبقى الكتاب وحده أمام القارئ والزمن.
* أنت عضو في لجان التحكيم ومختبر السرديات.. إذا قرأت نصاً ضعيفاً لكاتب معروف فهل تجامل أم تحكم؟
إذا جلست في لجنة تحكيم فأنا أجلس بصفتي محكماً، أفصل تماما عن الصداقة والعلاقات الشخصية. الاسم الكبير لا يكتب نصاً جيداً بالضرورة، والكاتب الجديد لا يعني أنه يكتب نصاً ضعيفاً.
أنا أؤمن أن احترام الكاتب الحقيقي يكون باحترام النص. وإذا كان النص ضعيفاً، فمن حقه أن يُحكم عليه بوصفه نصاً، لا بوصف صاحبه.
المجاملة قد تحمي علاقة عابرة، لكنها تقتل العدالة، والكاتب الذي يقبل المجاملة اليوم قد يخسر فرصة التطور غداً.
* فازت الكالوس وموت مؤجل بجوائز. ما الذي يؤجل الموت في الأدب المصري الآن؟
الذي يؤجل الموت في الأدب المصري هو قدرته المستمرة على إنتاج أسئلة ومواضيع جديدة. الأدب يعيش لأن لدينا كتاباً كثيرين ، ولأنه ما زال قادراً على النظر إلى المجتمع والإنسان من زوايا مختلفة.
لكنني أعتقد أن الأدب المصري يحتاج إلى أن يستعيد ثقته في المغامرة والتجريب. نحن بحاجة إلى نصوص لا تخاف من التجريب، ولا تخشى الأسئلة الكبرى، ولا تكتب فقط من أجل الجوائز أو السوق.
الأدب يموت عندما يتحول إلى وصفة مؤقتة، ويظل حياً عندما يظل قادراً على مفاجأة القارئ.
* ظهرت على شاشة النيل الثقافية وCBC وأمسيات متعددة.. هل المنصات التلفزيونية تصنع ناقداً أم تصنع مهرجاً؟
المنصة لا تصنع ناقداً ولا تصنع مهرجاً؛ في الحقيقة هي تكشف امكانيات وقدرات الضيف.
التلفزيون يمنحك مساحة واسعة وسريعة، وهذه المساحة قد تكون فرصة حقيقية للناقد والمثقف، وقد تتحول إلى استعراض إذا أصبح الهدف هو الظهور وحده. المشكلة ليست في الإعلام، وإنما في علاقة المثقف بالإعلام.
أنا أرى أن المبدع الحقيقي يستطيع أن يدخل الاستوديو ويخرج منه أكثر ثقة ووضوحا. وأن يقول رأياً واضحاً دون أن يحول الثقافة إلى عرض ترفيهي. الإعلام يمكن أن يكون جسراً إلى الجمهور، بشرط أن يكون مثقفا ومبدعا حقيقيا.
* شاركت في ملتقيات بالإسكندرية والجزائر والكويت. أين مركز الثقل الأدبي العربي اليوم؟
لا أعتقد أن هناك مركزاً واحداً يمكن أن يحتكر الثقل الأدبي العربي. المشهد العربي أصبح متعدد المراكز، ولكل مدينة وبلد تأثيره الخاص.
القاهرة ما زالت تمتلك ثقلها التاريخي والمؤسسي، وبيروت تمتلك تقاليدها الثقافية، والجزائر والمغرب العربي يقدمان تجارب مهمة، والخليج أصبح فاعلاً بقوة في صناعة المشهد الثقافي العربي.
لكنني أعتقد أن مركز الثقل الحقيقي هو حيث يوجد النص القادر على البقاء. قد يولد النص في مدينة صغيرة، ثم يصبح تأثيره أكبر من تأثير عواصم كاملة.
* كتبت عن الحضارة المصرية والصراع الإسلامي والرؤية السعودية. هل يستطيع الأديب أن يكون موضوعياً في زمن الانحيازات؟
الأديب لا يستطيع أن يكون بلا موقف، لكنه يستطيع أن يكون عادلاً. الموضوعية الكاملة ربما تكون أقرب إلى حلم علمي، أما الأديب فله زاوية نظر ورؤية وموقف من العالم.
المهم ألا يتحول الانحياز إلى عمى. يمكنني أن أحب حضارتي وتاريخي، وأن أقرأ تاريخ الآخرين باحترام، وأن أختلف مع فكرة دون أن أختزل صاحبها فيها.
أنا أؤمن أن دور الكاتب ليس أن يكرر انحيازات الجماعة، وإنما أن يفتح نافذة جديدة للرؤية. وكلما كان الكاتب أكثر انتماءً إلى إنسانيته، كان أكثر قدرة على تجاوز الحدود الضيقة للانحياز.
* بعد واحد وعشرين إصداراً، ما الكتاب الذي لم تكتبه بعد وتخشى كتابته؟
أخشى دائماً الكتاب الذي أشعر أنه أكبر مني.
الكتاب الذي لم أكتبه بعد هو بالضرورة الكتاب الذي يضعني أمام منطقة جديدة لا أعرف كيف أعبرها، وهذا هو النوع الذي أخشاه وأبحث عنه في الوقت نفسه. الكاتب الذي لا يخاف من كتابه القادم ربما يكون قد توقف عن المغامرة.
بعد واحد وعشرين إصداراً، لم يعد السؤال عندي: ماذا أستطيع أن أكتب؟ وإنما: ما الذي يستحق أن أكرس له السنوات القادمة من عمري؟
لن تصدق عندما أقول لك أن لدي عشرين عملا مفتوحا على الأقل لم أكملها، فالإبداع عندي مرتبط بالرغبة في التعبير عن الفكرة التي تطغى على ذاتي الأدبية، العمل الذي أكتبه لم أبدأ اليوم أو الأمس، ربما أكون قد بدأت فيه منذ عشر سنوات، واستغرقت في كتابته عاما أو أكثر، ثم فجأة يتوقف مداد الفكرة، فيأخذ العمل موقعه في مكانه داخل ذاتي، حتى يحدث ما يستحق أن أكمله، هذه الأيام مثلا أعمل على استكمال رواية تاريخية ستكون هي الأكبر حجما بين جميع أعمالي، أكتب منها فصلا أو جزءا ثم أبتعد في مرحلة جميع المعلومات عن أبطال الرواية والأحداث التاريخية التي تمثلها، استغل الفرصة لكتابة عمل آخر، حتى تجاوز حجم العمل المائة ألف كلمة ولم ينتهي بعد، لكني قررت أن أنهيها هذا العام.
هناك كتب كثيرة يمكن للكاتب أن يكتبها، لكن هناك كتباً قليلة يشعر أنها لو لم تُكتب ستظل تطارده. وأنا أخشى هذا النوع تحديداً؛ الكتاب الذي أعرف أنه ينتظرني، وأعرف في الوقت نفسه أن كتابته ستكلفني كثيراً من الوقت والقلق والبحث وربما شيئاً من حياتي.
لذلك ربما يكون الكتاب الذي أخشى كتابته هو الكتاب الذي لم أكتشف عنوانه النهائي بعد، لكنه موجود في داخلي، وينتظر اللحظة التي أمتلك فيها الشجاعة الكافية

|