|
القاهرة 23 سبتمبر 2026 الساعة 02:40 م

بقلم: محمد خضير
من الطبيعي أن كل المعارف التي يحتاجها الإنسان تُكتسب من الكتب والمناهج الدراسية، فهناك معرفة أكثر التصاقًا بالحياة، وأكثر ارتباطًا بسلامة الإنسان ومستقبله، وفي مقدمتها المعرفة الصحية التي تساعد الفرد على فهم جسده، والتعامل الواعي مع التغيرات التي يمر بها، والتمييز بين الحقيقة والمعلومة المغلوطة.
ومن هنا تأتي أهمية الندوات التوعوية التي تقترب من الشباب والفتيات في أماكن وجودهم، وتقدم لهم المعلومة العلمية بلغة مبسطة وآمنة، بعيدًا عن الخجل أو الالتباس أو مصادر المعلومات غير الموثوقة.
وفي هذا السياق، نظمت إدارة إعلام أسيوط، بقيادة الأستاذة عبير جمعة، مدير الإدارة، ندوة توعوية حول «مفهوم ومكونات الصحة الإنجابية» بمدرسة التجارة بنات بأسيوط، تحت رعاية السفير علاء يوسف، رئيس الهيئة العامة للاستعلامات، واللواء الدكتور تامر شمس الدين، رئيس قطاع الإعلام الداخلي، وبإشراف ومتابعة الأستاذ حمدي سعيد، وكيل الوزارة ورئيس الإدارة المركزية لإعلام شمال ووسط الصعيد.
الندوة، في تقديري، كانت مساحة للحوار وطرح الأسئلة وتصحيح المفاهيم، وهو ما يجعل مثل هذه الفعاليات جزءًا مهمًا من منظومة بناء الوعي، خاصة عندما تستهدف فئة عمرية تمر بمرحلة شديدة الحساسية من مراحل التكوين الإنساني.
• المعرفة الصحية:
قد يعتقد البعض أن الحديث عن الصحة الإنجابية يرتبط فقط بمراحل لاحقة من العمر، بينما الحقيقة أن الوعي بهذا المفهوم يبدأ منذ سنوات النمو الأولى، من خلال تعليم الفتيات كيفية الاعتناء بصحتهن، وفهم التغيرات الطبيعية التي تحدث في أجسادهن، واللجوء إلى المصادر العلمية عند الحاجة إلى المعرفة أو المشورة.
وهنا تكمن أهمية ما طرحته الدكتورة جيهان محمد إبراهيم، مدير مستوصف الجامع الكبير بمديرية الصحة، خلال اللقاء، من أن الصحة الإنجابية تمثل أحد المكونات الأساسية للصحة العامة، وأن الاهتمام بها يبدأ من خلال اكتساب المعلومات الصحيحة وتبني السلوكيات الصحية السليمة.
فالمعلومة الصحية ليست رفاهية، وليست مجرد إضافة ثقافية، وإنما قد تكون في بعض الأحيان وسيلة للوقاية، وحائط صد أمام مرض أو ممارسة خاطئة أو معلومة مضللة.
ومن المهم أن ندرك أن الفتاة التي تحصل على معلومة علمية صحيحة من مصدر موثوق، تصبح أكثر قدرة على فهم ما يحدث لها، وأقل عرضة للارتباك أمام الأسئلة الطبيعية التي تفرضها مرحلة النمو.
• المراهقة.. مرحلة الفهم:
تظل مرحلة المراهقة واحدة من أكثر المراحل العمرية احتياجًا إلى التوجيه الهادئ والمتزن، لأنها مرحلة تتداخل فيها التغيرات الجسدية والنفسية مع تكوين الشخصية واكتشاف الذات.
ولهذا فإن ترك المراهق أو المراهقة أمام مصادر مجهولة للحصول على الإجابات ليس حلًا، بل قد يفتح الباب أمام معلومات خاطئة يصعب تصحيح آثارها لاحقًا.
ومن هنا تأتي أهمية أن تكون المدرسة والأسرة ومؤسسات الدولة شريكة في صناعة هذا الوعي، وأن تقدم المعلومات في إطار علمي وتربوي يحترم عقل الفتاة وخصوصية المرحلة العمرية التي تمر بها.
لقد أصبحنا في زمن تتدفق فيه المعلومات بلا توقف، لكن المشكلة لم تعد في غياب المعلومة، وإنما في كيفية التمييز بين المعلومة الصحيحة والمعلومة الزائفة.
• دور مواقع التواصل:
ربما كان أخطر ما يواجه الوعي الصحي اليوم هو سهولة انتشار المعلومات الطبية غير الدقيقة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.. فمنشور مجهول المصدر قد يحظى بآلاف المشاركات، ومقطع قصير قد يقدم نصيحة صحية دون سند علمي، بينما تحتاج المعلومة الطبية الصحيحة إلى متخصص ومصدر واضح وسياق علمي.
ولهذا كان التحذير من الانسياق وراء المعلومات والمعتقدات الخاطئة المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي من النقاط المهمة التي تناولتها الندوة.
كما إن مواجهة المعلومات المغلوطة لا تكون بالصمت، وإنما بإتاحة البديل الصحيح، وبناء ثقافة السؤال، وتعليم النشء أن الطبيب والمتخصص والمصدر الطبي الموثوق هم المرجع عندما يتعلق الأمر بالصحة.
• شراكة بناء الوعي:
ولذلك عزيزى القارئ فلا تستطيع مؤسسة واحدة أن تقوم بمهمة التوعية الصحية منفردة.. فالأسرة هي البيئة الأولى التي يتشكل فيها وعي الطفل، والمدرسة هي المجال الذي يتلقى فيه المعرفة المنظمة، والمؤسسات الصحية تقدم الخبرة الطبية، بينما تلعب وسائل الإعلام دورًا أساسيًا في نقل الرسالة إلى المجتمع.
ومن هنا فإن التكامل بين هذه الأدوار يمثل ضرورة حقيقية.. وعندما تستضيف مدرسة مثل هذه الندوات، فإنها لا تقدم لطالباتها معلومة عابرة، وإنما تفتح أمامهن بابًا للحوار الآمن، وتؤكد أن السؤال عن الصحة ليس عيبًا، وأن طلب المعرفة من المتخصصين هو سلوك إيجابي ومسؤول.
• الحوار.. نصف التوعية:
ومن النقاط اللافتة في الندوة أنها لم تكتفِ بالمحاضرة، وإنما شهدت تفاعلًا من الطالبات وطرح عدد من الأسئلة والاستفسارات المتعلقة بالصحة الإنجابية والتغيرات التي تمر بها الفتيات خلال مراحل النمو.
وهنا تظهر القيمة الحقيقية للقاءات التوعوية.. فالمحاضر يتحدث، لكن الجمهور أيضًا يسأل، ومن خلال السؤال تظهر مناطق الالتباس، ومن خلال الإجابة يمكن تصحيح المفاهيم.
وأدارت اللقاء الأستاذة منى قطب، الإعلامية بإدارة إعلام أسيوط، بما أسهم في إتاحة مساحة للحوار والمناقشة، وتقديم المعلومات بصورة مبسطة تتناسب مع طبيعة المرحلة العمرية للطالبات.
• صناعة الوعي:
وكذلك فإن دور الإعلام في مثل هذه القضايا لا ينبغي أن يتوقف عند حدود تغطية الندوة ونشر أخبارها، وإنما يمتد إلى تحويل القضايا الصحية والمجتمعية إلى موضوعات للنقاش العام، وتقديم المعلومة الصحيحة بصورة مسؤولة، ومواجهة الشائعات والمفاهيم الخاطئة.
فالإعلام التوعوي الحقيقي لا يخيف الناس، ولا يثير القلق، ولا يقدم معلومات مبتورة، وإنما يساعد المواطن على الفهم واتخاذ السلوك الأكثر أمانًا بالاستناد إلى المعرفة والمتخصصين.
وهنا تتجلى أهمية الدور الذي تقوم به الهيئة العامة للاستعلامات وقطاع الإعلام الداخلي من خلال الوصول بالرسائل التوعوية إلى المدارس والمؤسسات والمجتمعات المحلية، وعدم حصر التوعية في القاعات الكبرى أو المدن الرئيسية.
في النهاية، فإن الحديث عن الصحة الإنجابية هو في جوهره حديث عن الوعي بالإنسان وحقه في المعرفة الصحية السليمة.
والفتاة الواعية بصحتها ليست فقط أكثر قدرة على حماية نفسها من بعض المخاطر، وإنما تصبح أيضًا أكثر قدرة على التعامل المسؤول مع حياتها ومستقبلها، وعلى نقل المعرفة الصحيحة إلى محيطها وأسرتها ومجتمعها.
ولذلك فإن كل ندوة توعوية ناجحة يمكن النظر إليها باعتبارها لبنة صغيرة في مشروع أكبر لبناء الإنسان.
واخيرا وليس بآخر.. فبناء الوعي لا يحدث بقرار واحد، ولا ينتهي بانتهاء ندوة، وإنما هو عملية مستمرة تبدأ بالمعلومة الصحيحة، وتكبر بالحوار، وتترسخ بالممارسة، وتحميها ثقافة المجتمع.. وربما تكون الرسالة الأهم التي يمكن أن نخرج بها من مثل هذه اللقاءات بسيطة في كلماتها، عميقة في معناها: حين نمنح أبناءنا المعرفة الصحيحة، فإننا لا نضيف إلى عقولهم معلومة جديدة فحسب، وإنما نمنحهم أداة لحماية أنفسهم وصناعة مستقبل أكثر وعيًا وأمانًا.




|