القاهرة 22 سبتمبر 2026 الساعة 07:32 م
بقلم: رفقة توما
ترجمة: سماح ممدوح حسن
تمتلئ الأجواء بأصوات الصفارات والطبول، بينما يخرج الناس إلى الشوارع ويتدفقون من كل جانب. نحن في دمشق، سوريا في مارس 2011، وقد وصلت الثورة مع اندلاع الربيع العربي.
يتوقف غسان الشاب الفلسطيني لمشاهدة المتظاهرين ويتذكر تحذيرًا سمعه مؤخرًا من أحد أصدقائه «النظام لن يسمح أبدًا للناس بتحقيق ما يطالبون به في الشوارع». لكن غسان وسط المتفرجين، يبدأ في التصفيق مع المحتجين. وفجأة يُعتقل ويُقيَّد، ويُقتاد إلى سجن صيدنايا، أحد أكثر سجون سوريا رعبًا، والمعروف باسم "المسلخ"..
يعكس هذا المشهد طبيعة رواية "شَعر الحمامة"الرواية الثانية للصحفي المصري-الدنماركي-الأسترالي محمد مسعود مرسي، وهي حكاية ملحمية وقاسية تتتبع رحلة شاب عبر القارات، بعدما يُنتزع من وطنه ويُجبر على العيش في المنفى.
تبدأ الرواية قبل ذلك بعقد من الزمن في مخيم اليرموك، وهو مخيم للاجئين في دمشق أصبح موطنًا لآلاف الفلسطينيين الذين طردتهم إسرائيل خلال نكبة عام 1948، ثم مرة أخرى عام 1967. يعيش غسان، البالغ من العمر سبع سنوات، في المخيم مع والدته سَلسَبيل، التي تبدو شخصية جافة لا تُظهر مشاعرها بسهولة ، ووالده شكري الرجل الطيب الحنون.
في المخيم، يمرر الأطفال كرات القدم من تحت الغسيل المعلّق ليجف في هواء الصيف السوري. وتمتلئ أزقته ببشر وشخصيات نابضة بالحياة، من بينها أبو فؤاد صاحب الدكان ذي العينين الحادتين. ومريم الأم العزباء التي يقصدها الرجال ليلًا، وابنها بدوي، أقرب أصدقاء غسان. والطبيب أحمد، الذي يدخل مرضاه عيادته ويخرجون منها دون مواعيد أو مقدمات. وإسماعيل، الميكانيكي الهادئ الودود. وصديقة غسان العزيزة سما، التي تعيش وسط أقفاص الحمام التي تربيها.
نتابع غسان وهو يكبر وسط أحداث الربيع العربي وما أعقبها من حرب أهلية في سوريا. وقبل اندلاع هذه الأحداث، يتعرض غسان لمأساة شخصية قاسية، إذ يتسبب تعرضه للخيانة ولحادثة عنف وحشية في انقطاع صلته ببدوي وسما. ويحمل غسان آثار هذه الصدمة معه بينما يحاول فهم ما يحدث من حوله، في وقت يختفي فيه الناس واحدًا تلو الآخر، ويُعثر على كثير منهم قتلى.
وبعد إلقاء القبض عليه خلال الاحتجاج، نتابع رحلة غسان في السجن وما يتعرض له من تعذيب، ثم هروبه المحفوف بالمخاطر عبر البحر المتوسط، بحثًا عن اللجوء في كوبنهاجن. ونشهد خلال ذلك انكشاف أسرار احتفظ بها المقربون منه طويلًا، في لحظات من الاعترافات التي تمنح الشخصيات قدرًا من التحرر، كما تصل علاقاته الأكثر تعقيدًا إلى أشكال مختلفة من الخاتمة.
تحمل لغة مرسي في الرواية مسحة روحية تكاد تقترب من التصوف، تظهر في اهتمامه بحركة السماء والأرض والبحر والطيور. وتبدو الأحلام أقرب إلى رؤى نبوئية، فيما تجد أحيانًا الدعوات الصادقة استجابة لها.
في اليوم الذي يُفرج فيه عن غسان من سجن صيدنايا، بعد أكثر من عامين على اعتقاله، يرفع وجهه نحو السماء ويقول:
"كانت أصوات الموتى لا تزال تعوي في أذني، وكان رفاق زنزانتي المنكوبون يحاولون عبور بحر الزمن. وفي النهاية، سمعوني. كنت على الشاطئ، وسمعوني"
يكتب مرسي بدقة مصور حربي. ويقدم وصفًا حيًا للأماكن. فهي تبدو نابضة بالحياة ومليئة بالحيوية في بعض الأحيان، ومثيرة للقلق في أحيان أخرى. ورغم أن روايته شاعرية في أسلوبها، فإنها أيضًا تحمل طابعًا توثيقيًا، إذ ترسم شخصيات واضحة في مشاهد تبدو واقعية إلى حد مؤلم.
وفي كل محطة من رحلة غسان نرى عن قرب وبقسوة مؤثرة، الخراب الذي حلّ بأشخاص آخرين من حوله، ممن يبحثون هم أيضًا عن اللجوء. شخص يعود إلى غرفة طفولته ولا يجد أمامه سوى الأنقاض، أو رضيع يموت جوعًا، أو أبًا أو أمًا يفقدهما البحر.
أحيانا تكون تجربة قراءة الرواية مخيفة بل خانقة في بعض المواضع، إذ نشعر بأن التاريخ يعيد نفسه في دوائر متكررة.
لكن مرسي يجعل غسان يجد العزاء من حوله أيضًا. في ذكرياته عن سما، التي يظل وفيًا لها بلا حدود وفي العلاقات الجديدة التي يبنيها خلال رحلته، ومنها علاقته بليلى، الفتاة اليتيمة. وفي إحساسه بالانتماء إلى جماعة جديدة داخل مطعم للبيتزا والكباب في إحدى ضواحي كوبنهاجن. وأخيرًا في لمّ شمله بأصدقاء عزيزين كان يظن أنهم رحلوا إلى الأبد.
وهكذا يوازن مرسي بين القسوة والأمل، وبين العنف والحب. ويكشف الآثار العميقة، الممتدة عبر أجيال، لعمليات التهجير التي تفرضها الحروب والحكومات المستبدة والاحتلالات القائمة على الفصل العنصري والتدخلات الأجنبية وجرائم الإبادة الجماعية. وفي النهاية، يتركنا بإحساس عميق بأن الإنسانية، رغم كل ما تمر به، ستظل باقية.
?