|
القاهرة 22 سبتمبر 2026 الساعة 05:40 م

بقلم: د. هويدا صالح
نصوص سردية، لحمتها جماليات الكتابة القصصية. وسداها ذكريات وأخبار، مثقلة ببشاعة الواقع، ومتوقدة، في المحنة ذاتها، بإرادة مقاومة هذه البشاعة، هكذا قدّم الكاتب والمترجم الليبي عمر أبو القاسم الككلي لكتابه الذي أبى، وهو واع بأهمية التصنيف، أن يصنفه إجناسيا، فهو كتاب يدور ما بين السرد القصصي والسرد السيري، بل والسرد الروائي الذي لا يعتمد على الحبكة، بقدر ما يعتمد على التشظي السردي، لكن الكاتب هرب من التجنيس، وقرر أن يكتب على الغلاف" نصوص سردية"؛ فهو يجمع فعليا بين البعد الواقعي المتمثل في تجربة قاسية عايشها الكاتب نفسه، وفي نفس الوقت يراهن على التخييل فهو لم يسجل الواقع بدقة، بل مال إلى استخدام القالب السردي ليكتب تلك الذكريات، يسحبها من ذاكرة بعيدة مؤلمة، ليصوغها نصوصا سردية ربما لا يعرف قراؤها أنها تعتمد على أبعاد واقعية وثائقية.
يُصدّر الكاتب لكتابه بنصوص شعرية من قصائد الهايكو، التي سبق للكاتب أن ترجم نصوصا كثيرة منها إلى العربية، وأشعار محمود درويش والشاعر الليبي جيلاني طريبشان، ويجمع هذه النصوص التصديرية جميعا معنى المقاومة، وأن الكتابة مقاومة، فكما قال درويش" " كل شعر جميل. . . مقاومة".
إن كتابة تجربة السجن ليست جديدة على الثقافة العربية، فقد كتبها الكثير من الكتاب العرب لعل أشهرهم
الروائي نجيب محفوظ في" الكرنك" و صنع الله إبراهيم في" تلك الرّائحة" و" يوميات الواحات " وعبد الرحمن مجيد الربيعي في" الوشم، وعبد الرحمن منيف في " شرق المتوسّط " و الطاهر بن جلون " في تلك العتمة الباهرة" ومصطفى خليف في" القوقعة" وغيرهم كثيرون، لكن كتابة الككلي في" سجنيات" فيها وعي بجماليات ما يمكن تسميته بـ " أدب السجون"، ومفارقة في الوقت ذاته لتلك الجماليات التي تعتمد على المأساوية في تصوير تلك التجارب وفي أحيان كثيرة على السيرة الذاتية الصريحة لكاتبها، فيكتب لنا نصوصا تمزج ما بين البارودي الساخرة والكوميديا السوداء، ليجلب من ذاكرة بعيدة أولئك الشخوص الذين جمعتهم زنزانة واحدة أو زنازين متجاورة، يستحضرهم سرديا، لنقرأ معه تاريخا إنسانيا من لحم ودم بين هذه السطور دون أن يقع الكاتب في فخ رثاء الذات أو كتابة" العويل" على تلك الذات السجينة، فنحن نقرأ ونبستم معه أحيانا وتفر دمعة حزينة ونحن نتابع تلك الحياة الإنسانية في أكثر لحظاتها ضعفا وقسوة أحيانا أخرى. يقول في النص الأول من نصوص المجموعة السردية:" اللحم والإسفلت"، فقد يسقط القارئ من ذاكرته ذلك التاريخ الطويل من المعاناة لهؤلاء المساجين ويتابع كثافة الكتابة التي صورت تلك المعاناة بالبؤر التي تكونت على كوع الرجل من طول اتكائه على الإسفلت، يقول:" داوم الرجل على الوقوف، معتمدا بمرفقه على قاعدة النافذة متشاغلا بمتابعة زملائه وهم يتحركون ويتوزعون في ساحة القسم، عدة ساعات يوميا( تقريبا)، مدة عشر سنوات. نشأ، على مرفقه، شيء يشبه الكلكل، وتكونت، في موضع ضغط المرفق على القاعدة الأسمنتية للنافذة، حفرة صغيرة". فطول الزمن على هذا السجين المراقب لدخول وخروج المساجين لم يحفر فقط على كوعه بؤرا لحمية متقيحة، بل حفر أيضا على قاعدة النافذة الإسمنية التي شاركته طول المراقبة للمآسي الإنسانية المتكررة. بتلك السخرية اللاذعة قد يتعاطف القارئ أيضا مع النافذة التي حفرت فيها حفرة صغيرة!.
ربما لأن الكاتب كتب تلك النصوص بعد خروجه من السجن بسنوات طويلة مكنه ذلك أن يكتب تجربة مستعادة خالية من الأنين والرثاء الصارخ، بل تباعد السنين بين التجربة والكتابة مكّن الكاتب أن يبحث عن الإنساني في لحظات الضعف والمقاومة، لحظات الألم والسخرية، لحظات الخوف والضحك من الخوف أيضا. إن الكتاب مبني كلية على تلك الثنائيات الضدية التي تجعل القارئ يواصل القراءة دون التورط عاطفيا فيما يسمّى بكتابة" الشحتفة" إن جاز استخدام ذلك التعبير المحلي الدارج عن كتابة الرثاءات المثقلة بالدموع. يقول في نص آخر بعنوان:" رقصة تجديد الهواء يقول:"
في الصيف، حين يأسن الهواء في الزنزانة، ممتلئا بروائح الأنفاس والعرق، ويثقل التنفس، قليلا، وكدر النفوس يزداد، ينهض اثنان ممن في الزنزانة، يمسكان فيما بينهما ملاءة بيضاء... ويأخذان بهزها، كما لو كانا ينفضان ما علق بها من غبار... كنت أظل أراقب (حين لا أكون أحد المهويين، ونادرا ما أكون) ارتفاع وانخفاض الملاءة وتموجها مستمتعا بلطافة ما تحدثه رفرفتها من نسيم، متأملا، بالخصوص، وأنا أخفي ضحكة منبجسة، حركة عنق صاحب المبادرة، الشبيهة بحركة طائر يطاول بمنقاره ثمرة معلقة".
تصل الكوميديا السوداء مداها في نص:" انزياح الخشية"، حيث يقول:"
)انزياح الخشية): “كان كل شيء متوقعا، بما يقارب اليقين التام. لكن عندما شرع رئيس الهيئة القضائية في تلاوة الحكم(غير القضائي): حكمت المحكمة بالسجن المؤبد على المتهمين الآتية أسماؤهم، تعالت خفقات قلبي بتسارع شديد، إلى درجة أنني صرت، ليس فقط، أحس وقعها، بل وأسمع وجيبها، وخشيت أن يحدث لقلبي شيء، ما إن سمعت اسمي حتى تخافتت الخفقات بوتيرة سريعة، إلى أن استقرت على إيقاعها السابق وربما أقل، فزالت خشيتي وقلت لنفسي: لحسن الحظ أن أسمي كان ترتيبه الخامس، وليس الثاني عشر، في قائمة المحكومين بالسجن المؤبد".
تأتي إهداءات النصوص بمثابة كسر الإيهام التي يفيق بها الكاتب قارئه؛ حتى لا يتصور أن النصوص تخييلية تماما، فيقوم بإهداء النصوص إلى شخصيات فكرية وثقافية معروفة، فتحضر هذه الشخصيات بتاريخها الثقافي داخل النص؛ ليثير تساؤلات القارئ هل هذا نص توثيقي واقعي أم تخييل خالص، يهدي نص " مهرب النار" إلى شاعر ليبي معروف، فيقول:" إلى الشاعر الراحل، جيلاني طريبشان: عاش ظروف الصعلكة والحرمان والانهيارات النفسية والعصبية والتغرب ودخل السجن والمصحات، إلا أنه، وفي أشد حالاته ضنكا وضعفا، لم يمكن أحدا من أن يصادر منه تبغه وناره.
عندما قعقع الباب الحديدي الثقيل وانفتح في غير مواعيده المعتادة، تحفزنا جميعنا، مثلما هي العادة في مثل هذه الحالات، لاستطلاع الأمر. حل الصمت وأرهف بعضنا السمع محاولين تخمين خطوات مَن مِن الحراس هذه، أو عدد القادمين، وما إذا كان الأمر متعلقا بجلب وافد أو وافدين... وتسابق اثنان من الأكثر حيوية وفطنة وفضولا إلى كوة الجدار، ليستطلعا المساحة التي يمكن أن يغطيها، من موقعهما ذاك، نظرهما من الممر... بالقرب من باب الزنزانة أوقف العسكري الشاعر وفتشه. تلمس قوامه وفتش جيوبه، وعندما لم يعثر على شيء فتح الباب وأدخله. استقبلناه بالاستغراب والترحاب، وأفردنا له مكانا للجلوس منهالين عليه بالأسئلة عنه وعن الأحوال في الخارج وعن أصدقائنا، وكان يجيب بتعب وارتباك...رفع ساق سرواله ليخرج من جوربه علبة تبغ وعلبة كبريت".
يعني الككلي في هذه النصوص بالتفاصيل الإنسانية الصغيرة التي كان يعيشها في تلك التجربة، لا يقدم خطابات سياسية كبرى عن المقاومة، فثمة أشكال للمقاومة بسيطة وصغيرة، لكنها تبث قليلا من الأمل في الخلاص في روح القارئ، فساكني السجون يبحثون عما يمنحهم الأمل، ولو كان ذلك الأمل براعم نباتات تطل من أسفل أحجار السجن وبلاطاته، يبتهجون ولو قليلا وهم يتجنبون دهسها بأقدامهم، يقول في نص" محاذرة":"
مع بدايات فصل الربيع، يأخذ معظم السجناء، وهم يطوفون بساحة القسم، فرادى ومثنى وثلاث، في المحاذرة من أن يطأوا على رؤوس الأعشاب الطالعة من بين الشقوق الدقيقة الفاصلة بين كتل البلاط.
إذن لم يقدم الكاتب خطابات كبرى بقدر ما يقدم لمحات إنسانية تكشف عن تجليات المقاومة ، لكنها في العموم تكشف أيضا عن التاريخ الاجتماعي والسياسي لليبيا في لحظات تاريخية مأزومة.
|