|
القاهرة 22 سبتمبر 2026 الساعة 11:29 ص

بقلم: سوزان سعد أبو المجد
هناك مناسبات تمر علينا سريعاً؛ نرى صورها ونقرأ عنها، ثم ننتقل إلى شيء آخر. وهناك مناسبات تجعلنا نتوقف قليلاً، ليس بسبب حجم الاحتفال فقط، ولكن بسبب الفكرة التي تقف وراءه.
ومن هذه المناسبات الاحتفال بمرور عشرين عاماً على جائزة الشيخ زايد للكتاب.
عشرون عاماً من الاحتفاء بالكتاب، والكاتب، والباحث، والمترجم، وكل من اختار أن يجعل من الثقافة جزءاً من حياته. عشرون عاماً قد تبدو مجرد رقم، لكن عندما نتأملها نجد أنها تعني أجيالاً من القراء والكتاب، وأعمالاً كثيرة وُلدت، وأفكاراً انتقلت من شخص إلى آخر، وربما حياة بعض الناس تغيرت بسبب كتاب قرأوه في الوقت المناسب.
أنا من عشاق الكتاب، ودائماً كان للكتاب مكان خاص في حياتي. أحب أن أفتح كتاباً جديداً وأدخل عالمه بهدوء، وأشعر أن كل كتاب أقرأه يضيف لي شيئاً، حتى لو كانت مجرد فكرة صغيرة أو نظرة مختلفة للحياة. بعض الكتب ننتهي منها ونضعها جانباً، لكن بعضها يظل معنا لفترة طويلة؛ نتذكر كلماته أو نفكر في أفكاره حتى بعد أن نغلق صفحاته. ولهذا أحب كل مناسبة تحتفي بالكتاب والقراءة، لأنني أؤمن أن الكتاب يمكن أن يترك أثراً حقيقياً في الإنسان، وأحياناً يغير فيه شيئاً دون أن نشعر.
ومن هنا جاء اهتمامي بجائزة الشيخ زايد للكتاب؛ لأنني أرى أن الاحتفاء بالكتاب هو في حد ذاته احتفاء بالإنسان، وبقدرته على التفكير والتخيل والتعبير.
انطلقت جائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2006، وتحمل اسم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة. ومنذ بدايتها أصبحت مساحة للاحتفاء بمجالات متعددة من المعرفة والإبداع، من الأدب والمؤلف الشاب إلى الترجمة والدراسات النقدية وتحقيق المخطوطات والثقافة العربية في اللغات الأخرى والنشر والتقنيات الثقافية.
وهذا التنوع في مجالات الجائزة يعكس، في رأيي، شيئاً مهماً جداً: الثقافة ليست نوعاً واحداً من الإبداع. ليست رواية أو قصيدة فقط، وليست كتاباً تاريخياً أو بحثاً أكاديمياً فقط. الثقافة عالم واسع يدخل فيه الأدب والفن والترجمة والبحث والتراث وكل فكرة تساعد الإنسان على فهم نفسه ومجتمعه والعالم من حوله.
وعندما نتأمل مرور عشرين عاماً على الجائزة، ربما يكون السؤال الأجمل ليس فقط: كم شخصاً فاز؟
ولكن: كم فكرة وصلت إلى الناس؟
كم قارئاً فتح كتاباً لأنه سمع عن كاتبه؟ وكم شاباً شعر أن الكتابة والبحث والإبداع يمكن أن تجد طريقها إلى التقدير؟ وكم عمل أدبي أو بحثي خرج من نطاقه المحلي ليصل إلى قارئ في مكان بعيد؟
بالنسبة لي، هذه هي القيمة الحقيقية لأي جائزة ثقافية: أن تجعل العمل الجيد يجد طريقه إلى الناس.
ومن أكثر الأشياء التي أجدها مهمة في تجربة الجائزة اهتمامها بالترجمة. نحن أحياناً ننسى أن اللغة يمكن أن تكون حاجزاً بين الثقافات، وفي الوقت نفسه يمكن أن تكون الترجمة هي الجسر الذي يتجاوز هذا الحاجز.
الكاتب العربي قد يكتب تجربة شديدة الخصوصية، عن مكان أو مجتمع أو مشاعر يعرفها جيداً، ولكن عندما تُترجم هذه التجربة إلى لغة أخرى، يمكن أن يجد فيها شخص بعيد عنا شيئاً يشبهه.
وهنا تصبح الترجمة أكثر من مجرد نقل كلمات من لغة إلى أخرى. تصبح محاولة لنقل روح كاملة من ثقافة إلى ثقافة.
وهذا أمر مهم جداً في عالم أصبح فيه التواصل بين الشعوب أسرع من أي وقت مضى، لكن سرعة التواصل لا تعني دائماً أننا نفهم بعضنا بشكل أفضل. قد نرى بعضنا أكثر، لكن هل نفهم بعضنا أكثر؟
ربما تستطيع الكتب أن تفعل شيئاً لا تستطيع الأخبار السريعة أو مواقع التواصل الاجتماعي أن تفعله. تستطيع أن تأخذنا إلى داخل حياة إنسان آخر، وأن تجعلنا نرى العالم من زاويته، وأن تمنحنا الوقت الكافي لفهمه.
وهنا أتوقف أيضاً عند فكرة أحبها كثيراً: الوقت الذي تمنحه لنا القراءة.
نحن نعيش في زمن سريع جداً. كل شيء تقريباً يحدث بسرعة. رسالة تصل في لحظة، خبر ينتشر في دقائق، وفيديو يمكن أن يصل إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات. وفي وسط كل هذه السرعة، يصبح الجلوس مع كتاب تجربة مختلفة.
عندما نقرأ كتاباً جيداً، نحن لا نستهلك معلومة فقط.
نحن نعطي أنفسنا وقتاً للتفكير.
وربما لهذا السبب ما زال الكتاب محتفظاً بمكانته، رغم كل التغيرات التي حدثت خلال السنوات الماضية.
والاحتفال بمرور عشرين عاماً على جائزة الشيخ زايد للكتاب يأتي في وقت تتغير فيه علاقتنا بالمعرفة نفسها. الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً من حياتنا، والمعلومات أصبحت متاحة بصورة غير مسبوقة، لكن تظل هناك أسئلة لا تجيب عنها سرعة الوصول إلى المعلومة.
كيف نفكر؟
كيف نختار؟
كيف نفهم؟
وكيف نحول المعرفة إلى شيء له معنى في حياتنا؟
هنا يأتي دور الثقافة.
الثقافة ليست رفاهية، وليست شيئاً نلجأ إليه فقط عندما يكون لدينا وقت فراغ. هي جزء من تكوين الإنسان نفسه. من خلالها نتعرف على تاريخنا، ونفهم اختلاف الآخرين، ونكتشف مواهبنا، ونكوّن أفكارنا، ونجد أحياناً كلمات تعبر عما نشعر به ولا نستطيع التعبير عنه بأنفسنا.
ولذلك أرى أن الاحتفال بعشرين عاماً من الجائزة ليس احتفالاً بالماضي فقط، وإنما هو أيضاً نظرة إلى المستقبل.
فالكاتب الذي يحصل اليوم على تقدير قد يكون هو نفسه الشخص الذي يؤثر في قارئ شاب بعد سنوات. والكتاب الذي يقرأه شخص اليوم ربما يبقى في مكتبته عشرات السنين، ثم ينتقل إلى يد ابنه أو ابنته.
وهذه في رأيي واحدة من أجمل خصائص الثقافة: أنها لا تنتهي بانتهاء صاحبها.
الكلمة يمكن أن تعيش أكثر من صاحبها، والكتاب يمكن أن يعيش أكثر من زمن كتابته، والفكرة يمكن أن تنتقل من جيل إلى جيل.
وهنا يصبح معنى «الإرث الثقافي» مختلفاً قليلاً بالنسبة لي. الإرث ليس فقط أن نحافظ على ما تركه لنا السابقون، وإنما أيضاً أن نضيف شيئاً يستحق أن نتركه لمن يأتي بعدنا.
ربما لهذا السبب أشعر أن الاحتفال بعشرين عاماً من جائزة الشيخ زايد للكتاب هو احتفال بفكرة أكبر من الجائزة نفسها.
إنه احتفال بالإيمان بأن الكلمة ما زالت قادرة على التأثير.
وبأن هناك دائماً شخصاً يكتب، وشخصاً يقرأ، وشخصاً يترجم، وشخصاً يبحث، وشخصاً يكتشف من خلال كتاب شيئاً جديداً عن العالم أو عن نفسه.
وفي النهاية، قد تنتهي الحفلات، وتُلتقط الصور، وتُعلن أسماء الفائزين، وتُغلق أبواب المناسبة.
لكن الكتاب يبقى.
يبقى على رف في بيت، أو في مكتبة، أو بين يدي قارئ صغير ربما لا يعرف بعد إلى أين ستأخذه هذه الصفحات.
وربما يكون هذا هو أجمل ما يمكن أن تفعله الثقافة: أن تترك أثراً هادئاً، لا نراه دائماً في لحظته، لكنه يبقى في الإنسان وقتاً أطول مما نتوقع.
وهكذا، بعد عشرين عاماً من جائزة الشيخ زايد للكتاب، لا أرى أن أجمل ما في الحكاية هو الرقم «20» وحده، وإنما ما يمكن أن يحمله هذا الرقم من حكايات لم نعرفها كلها بعد.
حكايات كتاب كتبوا، وقراء قرأوا، وأفكار عبرت الحدود، وكلمات وجدت طريقها إلى قلوب وعقول أشخاص ربما لم يلتقوا قط.
وهذا، في النهاية، هو سر الكلمة الجميلة... أنها تستطيع أن تصل إلى إنسان لا تعرفه، وفي مكان لم تزره، وفي زمن قد لا تكون موجوداً فيه.
|