|
القاهرة 22 سبتمبر 2026 الساعة 10:53 ص

بقلم: سماح عبد السلام
بعيدًا عن الأكاديمية الصارمة والأطر التقليدية، استطاع النحات أحمد عسقلاني أن يحفر لنفسه بصمة خاصة ومتميزة في المشهد التشكيلي المصري، متسلحًا بخلفيته غير التقليدية كخريج لكلية الزراعة، وبشجاعة فنية تجعل من "المغامرة والتجريب" بوصلة دائمة لمسيرته.
انحاز عسقلاني لتيار التعبيرية الإنسانية، متخذًا من "فرس النهر"، هذا الكائن الأفريقي الأحب إلى قلوب الصغار والكبار، والمعروف شعبيًا بـ "سيد قشطة"، مادة خصبة للتأمل الفني. لم يكن اختيار فرس النهر عبثيًا، فهو يحمل في وجدان المصريين موروثًا تاريخيًا مرتبطًا بالقدسية والخصوبة في وادي النيل، فضلاً عن كونه كائنا يرى الابتسامة بمجرد رؤيته.
لكن عسقلاني لم يكتفِ بنقل شكل الحيوان، بل عمد إلى "أنسنته" ودمجه بمفردات العصر الحديث؛ فنراه يتفاعل مع الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية، أو يلتقط صور "السيلفي"، أو يتكئ على عصا كرجل عجوز. بهذه اللمسات الذكية، عكس الفنان جزءاً من طبيعتنا البشرية المعاصرة، ملامساً تلك الحالة من الكآبة العامة التي تحيط بالبشر، ليأتي الفن هنا علاجًا نفسيًا ومصدراً للبهجة، وليؤكد أن المصريين يعشقون الفكاهة وصنع البسمة حتى في عز الأزمات.
كما تمتد رؤية عسقلاني النقدية إلى عمق السلوك البشري عبر معالجات بصرية جريئة، تجلت بوضوح في معرضه "شخوص". في هذه التجربة، قدم منحوتات لبشر بأجساد ضخمة وعضلات مفتولة، لكن برؤوس صغيرة أو تكاد تكون متلاشية.
يحمل هذا التكوين دلالة فلسفية عميقة تعري زيف الواقع المعاصر؛ إذ يرمز إلى تغليب لغة القوة والنفوذ والواسطة على لغة العقل والحكمة. ووسط هذا الجفاف الإنساني، يمد الفنان جسوراً بديلة للتواصل، فيدمج أحيانًا حيوانات وطيورًا ضمن التكوينات وكأن الإنسان بات يبحث عن الدفء المفقود في غير بني جنسه.
الجرأة الحقيقية لأحمد عسقلاني تكمن في تمرده الدائم للخامات التقليدية كالبرونز والخشب المنمّط، رغم إتقانه لها. حيث خاض مغامرات مع خامات غير مألوفة في النحت المعاصر، أبرزها "الخوص" الذي استخدمه لأول مرة في مهرجان "النطاق" عام 2000، وأثبت قدرته على الصمود لمئات السنين شريطة الابتعاد عن أشعة الشمس المباشرة. هذا الاستخدام غير العادي للخوص منح أعماله فرادة بصرية جذبت الجمهور الواسع الذي لم يعتد رؤية النحت بهذه المادة في قاعات العرض. كما وظف موادا أخرى كالـ "بوليستر" والكاوتشوك، كاسراً القوالب الجاهزة في التنفيذ، ومؤكداً أن الفنان الحقيقي هو من يمتلك شجاعة التجريب واكتشاف آفاق جديدة للحياة.
منح التمرد عسقلانى الحريّة المطلقة في التفكير والطرح والتنفيذ، وجعل أعماله مقروءة للجمهور العريض، بل ودفع بفريق العمل وعمال الصب وأطفال الشوارع إلى التفاعل التلقائي مع منتجه والرغبة في اقتنائه أو مساعدته، مما يكرس هدف الفن الأسمى: تقريب الجماليات التشكيلية لمختلف فئات المجتمع وليس النخبة بمفردها.
إن تجربة أحمد عسقلاني تدعونا لإعادة اكتشاف طاقة الفن كملاذ بهيج، وتذكرنا دائمًا بأن المغامرة والتمرد هما وقود الإبداع الحقيقي.





|