|
القاهرة 22 سبتمبر 2026 الساعة 10:35

بقلم: إيناس محمد عتمان
في روايته العاصفة والمؤثرة «تغريدة البجعة»، يأخذنا الكاتب مكاوي سعيد إلى عمق الشروخ الروحية والنفسية التي تصيب الإنسان والمدينة على حد سواء.
من خلال شخصية "مصطفى"، نرى ذلك المثقف والسينمائي الحالم، الذي يراقب بأسى تآكل ملامح مدينة "القاهرة" القديمة ووسط البلد؛ حيث يتحول فضاء الذكريات والمقاهي الثقافية الدافئة إلى مساحات مشوهة غارقة في الزحام، والضجيج، وتجارة المظاهر الباردة.
يعيش مصطفى وأصدقاؤه من "جيل الأحلام المحبطة" كبجعات تغني لحنها الأخير قبل الرحيل؛ محاصرين بين ماضٍ نقي يتلاشى ببطء، وحاضر مادي شرس يبتلع كل ما هو جميل وعفوي، ليجدوا أنفسهم مغتربين في الشوارع التي شهدت يوماً على ربيع أحلامهم.
ومن وجع تلك التغريدة الأخيرة، نلتفت إلى واقعنا المعاش لنكتشف أن مأساة الرواية هي الصرخة الصامتة التي تعتمل في نفوسنا اليوم.
إننا نعيش في "عصر اغتيال براءة الأمكنة"؛ حيث تبتلع المدن الإسمنتية الكبرى روح السكينة، وتتحول الشوارع التي كانت تصنع الحكايات وتجمع القلوب إلى مجرد ممرات سريعة للاستهلاك والركض الوظيفي.
لم يعد التغير عمرانياً فحسب، بل صار تشوهاً نفسياً؛ حيث فقد الإنسان المعاصر القدرة على التأمل، والجلوس مع الذات، واستمتاع بالتفاصيل البسيطة.
لقد تحولنا إلى عابرين مسرعين في حيواتنا الخاصة، نلهث خلف متطلبات العصر المادية، بينما تسقط من جيوبنا ببطء قدرتنا على الدهشة، والحب الصادق، والتواصل البشري الحقيقي دون وساطة الآلات وشاشات الإعلانات الضخمة.
وتوثق الرواية هذا الانكسار الوجودي أمام طوفان التغير المادي والاجتماعي البارد، وتلك الحيرة المريرة بين نقاء الذات وتلوّث الواقع، في هذه الأسطر اللفظية الدقيقة والحرفية من الرواية:
«ما زال يشغلني شاغل.. من منا مريض بالشيزوفرنيا.. أنا أم المجتمع؟ ولماذا أنا حائر دائماً بين مجتمع أحبه ولا أقدر على العيش فيه..».
لتكتمل تلك الغربة الإنسانية الساحقة بوعي البطل المطلق بلا جدوى الركض وانهزام الهوية حين يقول بأسى:
«أنا الذي لم أترك بصمة على ظهر الحياة أريد أن أعلن احتجاجي.. البين بين هو أصعب ما ينحدر إليه المرء».
هذا النص يجسد بدقة مأزق الإنسان المعاصر الذي يكتشف متأخراً أن الركض الأعمى خلف الحداثة المادية قد سرق منه "أمانه الروحي"، وترك روحه خاوية في مدينة مزدحمة بالأجساد مهجورة من المعنى.
في نهاية المطاف، تظل «تغريدة البجعة» صرخة نقدية ملحة تحذرنا من الاستسلام لآلية العصر والذوبان في زحامه المشوه.
إن النجاة الحقيقية التي تهمس بها لنا سطور مكاوي سعيد هي ألا نترك "البجعة" التي في داخلنا تموت؛ أن نقاوم السطحية المتفشية بحفظ مساحاتنا الدافئة، والتمسك بالذكريات النقية، وممارسة فعل الإنصات الحقيقي لمن نحب بعيداً عن ضوضاء التقنية والاستهلاك.
يعلمنا الكاتب أن قيمة الحياة لا تُقاس بمدى سرعة إيقاعها أو ضخامة مبانيها، بل بحجم المساحة التي نتركها بداخلنا للجمال، والرحمة، والعاطفة الحرة، لكي لا نتحول في نهاية المطاف إلى مجرد تروس صامتة في آلة مدينة باردة لا تعرف البكاء.
|