|
القاهرة 22 سبتمبر 2026 الساعة 10:33 ص

بقلم: د. طارق إبراهيم الشناوي
عتبات النص
تمثل عتبات النص مدخلا لقراءة الرواية، وتتمثل في العنوان والغلاف والإهداء.
-
العنوان يحيلنا إلى أسطورة طائر الفينيكس أو العنقاء، الذي يموت محترقا، ثم يبعث حيا من رماده. تاء التأنيث وبناء الفعل للمجهول يشيران إلى أن البطل الرئيس في الرواية هي فتاة / سيدة / امرأة، وأنها ستتعرض لتجربة قاسية تقترب من الموت، ولكنها ستتغلب على قسوة التجربة وتبدأ من جديد. العنوان مشوق ويجذب انتباه القارئ لمعرفة ما الذي أدى بها إلى هذه الحالة وما / من الذي سيبعثها من جديد.
-
الغلاف يظهر صورة لفتاة تعطينا ظهرها تقف وسط الظلام، ويطل من فوقها طائر العنقاء الناري، فاردا أجنحته، مع خلفية قاتمة لسماء سوداء تتوسطها هالة نور بيضاء، وعلى الغلاف الخلفي مقطع من الكلمات الأولى للعمل، (أنا آسيا، بنت غير كل البنات، . . .)
-
الإهداء، أهدت الكاتبة عملها (إلى أولئك الذين يتساءلون عن معنى الألم).
البناء الدرامي والشخصيات:
تعيش (آسيا)، مع والدها ووالدتها في بيت عائلة جدها لأبيها. الجدة (غنيمة) هي الشخصية المحورية في الأسرة، فمع انشغال الجد في تجارته، تولت (غنيمة) إدارة شئون المنزل بنظام صارم، ظاهرة القسوة، وباطنه المحبة، ولكنها تصطدم بتمرد متوقع من زوجة ابنها (غزل) أم (آسيا)، وبتمرد غير متوقع من ابنتها (رقية). تروي لنا (آسيا) قصتها منذ طفولتها ونشأتها في بيت العائلة، ثم مغادرة البيت بعد الصدام المتوقع بين أمها وجدتها، ثم فترة شبابها وزواجها وسفرها مع زوجها، ثم انفصالها عنه وعودتها إلى بيت أبيها وأمها، ومنه إلى بيت العائلة مرة أخرى. (غزل)، التي تشعر بالمهانة في بيت العائلة وتريد أن تخرج من عباءة (غنيمة)، وما إن يتحقق لها ذلك، وتصبح سيدة بيتها، حتى تتحول إلى نسخة من (غنيمة). (رقية) التي اختارت أن تستكمل تعليمها إلى أبعد مدى، وألا تسير على خطى أمها (غنيمة). ثم الشخصية المهيمنة على الأحداث، (غنيمة)، بهيبتها وحضورها القوي، وتحكمها في مصائر أفراد عائلتها الكبيرة.
-
الراوي الأوحد، اعتمدت الرواية على أحادية الصوت السردي، فالأحداث كلها تروى بصوت (آسيا)، الراوي المشارك في الأحداث.
-
الفضاء المكاني، البيت الكبير، بيت الجد والجدة، هو الفضاء المكاني الذي تدور فيه معظم الأحداث، وحتى عندما غادرت (آسيا) إلى بيت أبيها وأمها، شعرت ببرودة الجدران، وغربة المكان.
-
البعد الزماني، على الرغم من أن الرواية خلت من أي إشارات زمنية أو تواريخ، فإن الرواية تمتد لأكثر من ثلاثين عاما، منذ بداية وعي (آسيا) الطفلة بنفسها، وحتى بعد انتهائها من دراستها الجامعية وسفرها مع زوجها للخارج وحصوله على الماجستير والدكتوراه، ثم انفصالها عنه وبدايتها من جديد.
-
انسيابية الكتابة، على الرغم من طول الفترة الزمنية التي تستغرقها أحداث الرواية، وعلى الرغم من تعدد شخصيات الرواية وتنوع أحداثها، فقد آثرت الكاتبة ألا تقسم الرواية إلى فصول، فبدت الرواية وكأنها خط سردي واحد، مونولوج داخلي هادئ، ترويه (آسيا) بعد أن أكسبتها الحياة الخبرة والحكمة.
-
الحوار، استخدمت الكاتبة أسلوب الحوار لكسر أحادية السرد الهادئ للأحداث، مما انعكس على ديناميكية العمل.
-
اللغة، فرضت أحادية الصوت السارد عدم وجود تنوع في لغة الكتابة. المشاعر هنا هي التي تحدد أسلوب الكتابة، فتختلف مع شعور (آسيا) الطفلة بالخوف والحب، ومع صدمة (آسيا) الزوجة في زوجها. مع مشاعر (غزل) وإحساسها بالقهر من معاملة (غنيمة)، ومع شعورها تجاه ابنتها (آسيا)، التي ترها شبيهة بجدتها وعمتها.
باعتبار الرواية تنتمي إلى الأدب النسوي، وبعكس الكتابات النسوية التقليدية التي تصم المجتمع الذكوري بأنه المتسبب في كل الشرور والآثام، نجد أن الساردة كانت متوازنة فيما يخص موقف الشخصيات الذكورية:
-
الجد، زوج (غنيمة)، المحب والداعم لها، والذي يطلق لها الحرية في التصرف في البيت والأنجال كما تشاء، والداعم لحفيدته (آسيا)، وصوت الحكمة المكتسبة بتجارب الحياة ومرور السنين.
-
الأب، (سند معين)، والد (آسيا)، والذي فضل أن يتزوج حبيبته (غزل) على الفتاة التي رشحتها له أمه، والذي وافق أن يعيش معهم في بيت العائلة حتى حدث الصدام بين زوجته وأمه، فانحاز لزوجته.
-
الزوج / الطليق، فبعد أن قررت (آسيا) تأخير الإنجاب لتتفرغ لزوجها (حلمي) حتى يحقق طموحاته، أدى ذلك إلى عدم قدرتها عن الإنجاب، فيقرر (حلمي) أن يتزوج رغبة في الولد، ويوافق على رغبة (آسيا) في الانفصال، ثم ما يلبث أن يندم ويحاول الرجوع إليها.
-
حبيب رقية الغائب، (فؤاد)، الذي سئم من تجاهل (رقية) المستمر لطلبه بالزواج منها، ورغبتها في تحقيق طموحاتها أولا، ثم ترك البلد كلها، وتزوج زواجا تقليديا، وتناسى حبيبته القديمة.
هذه الرواية لا تقف موقف القاضي الذي يصدر أحكاما عن المشاكل ومن المتسبب فيها، بل تقف موقف الحكيم الذي يبحث عن الحلول، عن البدايات الجديدة، عن البعث من الرماد.
-
الكبيرة، المرأة التي تجد نفسها مسؤولة عن إدارة البيت ورعاية أفراد الأسرة، في ظل غياب رجال البيت شبه الدائم في معترك الحياة، وكيف توازن بين الصرامة المطلوبة لإنجاز الأشياء، وبين المحبة والحنان المفترض فيها، وفي الوقت نفسه على علاقاتها بالجيل التالي من سيدات الأسرة، ابنتها وزوجة ابنها.
-
طموح المرأة عندما يصطدم بتقاليد المجتمع، (رقية) سارت وراء حلمها ولكنها اصطدمت في النهاية بفراغ عاطفي، وعلاقة متشابكة مع أمها، أما (آسيا)، فقد عاشت من أجل زوجها، وقتلت رغبتها في الأمومة، ثم لم تقابل إلا بأنانيته وعدم تقديره.
-
البداية من جديد، البعث من الرماد، الفكرة هنا أن (آسيا) لم تنتظر المساعدة من الخارج، من رجل، بل بعثت من رمادها، بإرادتها وقوة عزيمتها.
|