|
القاهرة 22 سبتمبر 2026 الساعة 10:30 ص

بقلم: عبد الله سعيد الحبسي ـ الإمارات
يقف الإنسان أمام الهرم الأكبر في الجيزة فيشعر، للحظة، أن الزمن نفسه أصبح أصغر. ليس لأن الحجارة ضخمة فقط، ولا لأن البناء قديم، بل لأن شيئًا بناه بشر قبل آلاف السنين استطاع أن يصل إلينا واضحًا بما يكفي ليجعلنا نسأل عنهم حتى اليوم: من كانوا؟ كيف فكروا؟ كيف نظموا العمل؟ وكيف استطاعوا أن يحولوا فكرة في عقل إنسان إلى بناء تتوارثه البشرية؟ ربما لهذا لا ينبغي أن تُختصر الأهرامات في كونها أثرًا سياحيًا. هي، قبل كل شيء، درس في الاستمرارية.
مصر لا تحتاج إلى من يشرح لها قيمة تاريخها. المصري يعيش فوق طبقات من الزمن؛ يستطيع أن يمر في يوم واحد من أثر فرعوني إلى كنيسة قبطية إلى مسجد تاريخي ثم يعود إلى حي حديث تعج شوارعه بحياة لا تشبه أي زمن سابق. لذلك فإن قوة مصر التراثية ليست في امتلاكها حضارة قديمة واحدة، بل في قدرتها النادرة على حمل أزمنة متعددة داخل وطن واحد.
وما يحدث اليوم مع المتحف المصري الكبير يضيف فصلًا آخر لهذا الدرس. فالفكرة ليست مجرد نقل آثار إلى مبنى أكبر، وإنما إعادة ترتيب العلاقة بين الإنسان المعاصر وحضارة يعرفها العالم كله. حين يجتمع إرث توت عنخ آمون ومراكب خوفو والقطع التي عبرت آلاف السنين في فضاء متحفي حديث، فإن الرسالة تصبح أوسع من العرض: الماضي يمكن أن يُقدَّم بأدوات المستقبل من دون أن يفقد هيبته أو معناه.
لكن أجمل ما في مصر أنها أكبر من أن تُختصر في الفراعنة أيضًا. فبعد مصر القديمة جاءت طبقات قبطية وإسلامية وشعبية وريفية ومدينية، وكل طبقة تركت لغة وعمارة وفنًا وطقوسًا وموسيقى وذاكرة. وهذا ما يجعل التراث المصري مادة لا تنتهي للكاتب والباحث؛ لأنك كلما فتحت بابًا وجدت وراءه أبوابًا أخرى.
من الإمارات، أنظر إلى التجربة المصرية باهتمام خاص. نحن دولة حديثة في عمرها الاتحادي، لكن الأرض أقدم من الدولة بكثير. واليوم صار لدينا ثلاثة مواقع على قائمة التراث العالمي: المواقع الثقافية في العين، ومشهد فاية الأثري، ووادي الوريعة. وفاية خصوصًا أعادت فتح سؤال وجود الإنسان القديم في جنوب شرق الجزيرة العربية بما تحمله من أدلة تمتد إلى نحو مئتين وعشرة آلاف سنة، بينما يحكي وادي الوريعة قصة أخرى مكتوبة في الجبل والماء والحياة الطبيعية.
وهنا أرى نقطة لقاء عميقة بين مصر والإمارات لا تقوم على تشابه التاريخ، وإنما على اختلافه. مصر تحمل على كتفيها عبء حضارة يعرفها العالم كله، والإمارات تحمل تحديًا مختلفًا: كيف تبني المستقبل بسرعة شديدة من دون أن تسمح لهذه السرعة بأن تمحو الطبقات التي سبقتها؟ مصر تقول لنا إن ما يُبنى بمعنى يمكن أن يعيش آلاف السنين، والإمارات تحاول أن تثبت أن الدولة التي تتطلع إلى المستقبل لا تحتاج إلى أن تنسى الماضي لكي تصل إليه.
لذلك فإن العلاقة بين التراث والتنمية ليست علاقة خصومة كما تُصوَّر أحيانًا. السؤال ليس: هل نختار المبنى القديم أم المدينة الجديدة؟ السؤال الأفضل هو: هل نستطيع أن نبني مدينة جديدة يعرف أبناؤها لماذا كانت المدينة القديمة موجودة؟ وهل نستطيع أن نستخدم أحدث التقنيات من دون أن نحول التاريخ إلى مجرد صورة جميلة على شاشة؟
لقد حفظ المصريون أسماء خوفو وخفرع ومنقرع آلاف السنين، لكن القيمة الأعظم ليست في الاسم وحده. القيمة أن الحجر أبقى السؤال مفتوحًا. وعندما يزور طفل مصري المتحف المصري الكبير اليوم، أو يقف طفل إماراتي أمام مدفن في جبل حفيت أو موقع في فاية، فنحن لا نطلب منه أن يعيش كما عاش أجداده، بل نطلب منه شيئًا أبسط وأهم: أن يعرف أن العالم لم يبدأ يوم وُلد هو.
ربما هذا هو المعنى الحقيقي للتراث. ليس أن نُسكن الماضي في الحاضر، بل أن نمنح الإنسان شعورًا بأنه حلقة في سلسلة أطول منه. الهرم لم يبق لأن المصريين القدماء كانوا يفكرون في السياحة بعد أربعة آلاف عام، بل بقي لأنهم بنوا شيئًا أكبر من أعمارهم. وهذه، في رأيي، واحدة من أجمل الرسائل التي تستطيع مصر أن تهديها إلى دولة شابة مثل الإمارات وإلى العالم كله: لا تبنِ فقط ما تحتاجه اليوم، ابنِ ما يجعل من يأتي بعدك يعرف أنك كنت هنا، وأنك فكرت فيه قبل أن يولد.
|