|
القاهرة 22 سبتمبر 2026 الساعة 10:21 ص

كتبت: أميرة عز الدين
مع تفكك الإمبراطورية الرومانية وتراجع الحياة المدنية في أوروبا، بدأ المسرح في الانحسار منذ بدايات العصور الوسطى، أي من القرن الخامس الميلادي تقريبًا. ولم يختفِ الأداء تمامًا، إذ استمرت أشكال بدائية منه في صورة مؤدين متجولين، وحكايات شعرية مغناة تجمع بين الحكي والمحاكاة، إلى جانب الاحتفالات الشعبية المرتبطة بالمواسم الزراعية، حيث كانت الجماعات تشعل النيران وتؤدي الرقصات والمسيرات الجماعية.
لكن انتشار المسيحية غيّر موقف المجتمع من المسرح. فبعد تحول الإمبراطور قسطنطين إلى المسيحية، ارتبط المسرح في الوعي الكنسي بالممارسات الوثنية واللهو والانحلال الأخلاقي، فأصبحت العروض موضع رفض ومنع؛ حتى كتب الراهب تارتوليان (160: 225م) رسالة بعنوان "حفلات الفرجة العامة" 198م ورأى فيها إمكانية استخدام المسرح في نشر الدين المسيحي وتصور عروض تمثل: (مجيء المسيح – حياة القديسين – يوم العدالة الأخير – احتراق الفلاسفة وتلامذتهم) وهذا التصور كان نبوءة بمولد جديد للمسرح الكنسي، كذلك في القرن العاشر الميلادي ظهرت الراهبة روزفيتا التي كتبت مسرحيات لأخواتها الراهبات؛ مستفيدة من الأسلوب الكوميدي والعاطفي للمسرح الروماني ولكن في إطار مسيحي.
وقد تحقق تصور تارتوليان وظهر ما عرف بـالمسرحية القداسية؛ لاعتمادها على تصوير القداس المسيحي للعشاء الأخير، وقد أدخل عليه بعض المقاطع المغناة باللاتينية أو ما يسمى "الاستطراد الحواري"، وهي قائمة على مشهد سؤال وجواب أحيانًا مقتبسين من الكتاب المقدس ويقوم به قس واحد، ثم أصبح بين قسين، ثم ازداد عدد الممثلين من القساوسة مع تطور المشاهد، وتعد مسرحية "عمن تبحثن؟" من أشهر نماذج المسرحية القداسية، حيث يسأل الملاك النساء الثلاث: عمن يبحثن؟ فيجبن بأنهن يبحثن عن يسوع الناصري، هنا يعلن لهن الملاك قيامة المسيح فترتفع الأصوات بالنشيد، ومن هنا لم تعد القصة الدينية تُروى فقط بل أصبحت تُجسد أمام المتلقين، وقد وتطورت هذه العروض لتضم الحوار والتمثيل والملابس والديكور، واستُخدمت في مناسبات دينية مثل أعياد الميلاد والفصح والقيامة، كما بدأت النصوص تنتقل تدريجيًا من اللاتينية إلى اللغات المحلية.
وقد استمرت المسرحية القداسية حتى القرن السادس عشر ثم بدأت الكنيسة نفسها تتحفظ عليها بعد أن دخلت عليها بعض العناصر الهزلية والاحتفالية، وبدأت بعض العروض تخرج عن جلال المكان الديني وظهرت احتفالات مثل عيد الحمقى وما شابه؛ حتى مُنع رجال الدين من التمثيل فيها، فظهر منذ القرن الثاني عشر أشكالًا مسرحية جديدة؛ منها ما كان يقدم في الأماكن العامة وعرف بمسرحيات الأسرار، وقد استندت تلك المسرحيات إلى الكتاب المقدس والأناجيل، لكنها كانت تُنتج وتُؤدى بواسطة الحرفيين وأعضاء النقابات وليس رجال الدين وحدهم. فكان صانعو السفن يقدمون قصة سفينة نوح، ويشارك الخبازون في مشاهد العشاء الأخير، بينما يتولى صانعو النبيذ مشهد تحويل الماء إلى خمر، وتعد مسرحية "آدم" نموذجًا مهمًا لهذه المرحلة؛ إذ كانت تؤدى أمام باب الكنيسة وتمزج بين المرجعية الدينية وتقنيات الفرجة الشعبية، والمسرحية لمؤلف مجهول وظهرت منتصف القرن الثاني عشر، حوالي 1150م.
وإلى جانب مسرحيات الأسرار ظهرت كذلك مسرحيات الخوارق والمعجزات؛ التي تناولت معجزات القديسين والأنبياء، ومن أشهرها "معجزة ثيوفيلوس" تأليف: روتبيف في القرن الثالث عشر، وتحكي عن رجل دين يبيع روحه للشيطان ثم يندم ويبحث عن التوبة فتساعده العذراء على استعادة العهد الذي وقعه.
كذلك كان الكرنفال أحد أهم الأشكال الشعبية التي حافظت على روح الفرجة في العصور الوسطى، وهو احتفال يقوم على التجاوز والسخرية وقلب النظام الاجتماعي والديني مؤقتًا؛ فيظهر الضحك بوصفه وسيلة للتحرر من القيو دقبل بداية الصوم، ومن هذه الأجواء خرجت الفصول الهزلية القصيرة أو "الفارس" والتي ظهرت أولًا في باريس وأصبحت تقدم بين مشاهد مسرحيات الأسرار وأحيانًا بصورة مستقلة، وكانت تقوم على السخرية الاجتماعية وقلب الأدوار واستخدام الكوميديا الجسدية واللغة الجريئة. ومن نماذجها مسرحية "بيير باتلان" في القرن الخامس عشر حوالي 1475م، وهي لمؤلف مجهول أيضًا.
أما مسرحيات الأخلاق فقد انتشرت- خصوصًا في إنجلترا- وحولت المفاهيم المجردة إلى شخصيات تتصارع، مثل الخير والشر والشيطان، ومن أشهرها مسرحية "كل إنسان"- مجهولة المؤلف أيضًا- التي ترجع إلى أواخر القرن الخامس عشر (حوالي 1461–1483م). وهي تحكي عن شخص يوشك على الموت فيبحث عن رفاق يرافقونه إلى القبر، لكن كل الصفات والأصدقاء والأقارب يتخلون عنه ولا يوافق على مصاحبته إلى نهايته إلا "الأعمال الصالحة".
كل تلك التغيرات التي طرأت على النشاط المسرحي في العصور الوسطى أدت إلى تغير الفضاء المسرحي بدوره، فبعد أن كان المذبح مركز العرض داخل الكنيسة، ظهرت منصات متعددة متجاورة تمثل أماكن مختلفة، قد يصل عددها إلى نحو سبعين موقعًا أو مشهدًا؛ من الجنة والجحيم إلى البيوت والساحات. وفي إنجلترا ظهرت العربات المسرحية المتنقلة، بينما تحولت الساحات العامة إلى فضاءات عرض كاملة وكأنها محطات متتابعة، وكان الجمهور ينتقل من محطة إلى أخرى لمتابعة المشاهد، وهو ما جعل المسرح تجربة جماعية لا تعتمد على النص وحده بل تعتمد في الوقت نفسه على الصورة والحركة والموسيقى والمؤثرات.
وهكذا لم تكن العصور الوسطى عصر موت المسرح بشكل قطعي بقدر ما كان مرحلة مهمة لإعادة تشكيله، فلو كان الموروث المسرحي القديم قد تجمد مع ظهور المسيحية؛ فقد وجد له بالتدريج سبيلًا ليقدم بداخل الكنيسة بعد أن نادى بض الرهبان باستخدام ذلك الفن لصالح الدين، ثم خرج منها مرة أخرى مارًا بالتدريج عبر المسرحية القداسية ومسرح الأسرار ومسرح المعجزات والكرنفال وصولًا للمسرح الهزلي أو "الفارس"؛ لتتشكل فرجة جديدة جمعت بين التعليم الديني والخيال الشعبي، وبين الجدية والسخرية، ومن هذا المسرح المتنقل والجماعي ستبدأ أوروبا فيما بعد في الانتقال إلى عصر جديد، يصبح فيه المسرح أكثر استقلالًا عن المؤسسة الدينية وأكثر اتصالًا بالإنسان والمجتمع.
|