|
القاهرة 22 سبتمبر 2026 الساعة 10:18 ص

كتب: د. جمال الفيشاوي
في إطار الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي قدمت جمعية كلباء للفنون الشعبية والمسرح العرض المسرحي غياهب الروح من تأليف الكاتب عبد الله إسماعيل عبد الله، ومن إخراج عبد الرحمن الملا، ومنحت لجنة التحكيم برئاسة الفنان رياض الخولي شهادة تقدير للفنانة عبير الجسمي، وقد تم تقديم هذا العرض ضمن فعاليات الدورة الخامسة والثلاثين من مهرجان أيام الشارقة المسرحية وحصل على جائزة أفضل تأليف موسيقى ومؤثرات صوتية (إبراهيم الأميري)، وجائزة أفضل أزياء واكسسوار (عبير الجسمي)، وجائزة أفضل تمثيل رجالي دور ثاني (شعبان سبيت).
تعني كلمة غياهب الظلمة الشديدة أو السواد المظلم، والتي تدل على العمق في الظلام والحلكة الشديدة، أما الروح فهي الجوهر غير المادي، أو السر الإلهي الذي تبث به الحياة في الكائنات الحية، فهي التي تحيا بها الأنفس والأبدان، وتفارق الجسد عن الموت وغياهب الروح هي أعماق النفس البشرية المظلمة، أو خطاياها الخفية والبعيدة التي لا يراك فيها أحد.
تدور الفكرة الرئيسية حول الظلمات التي تسكن النفس البشرية، والعتمة الكامنة في أعماق الروح، والصراع الداخلي ضد الخوف والوهم والجهل للإنسان الذي يعيش داخل قرية ما نائية (لم يذكر اسمها)، جعلته يعيش سجناً روحياً وفكرياً يحجبه عن الحقيقة، ورغبته في النجاح بالخلاص من عتمة الخوف والوهم والشعور بالذنب بحضور العقل ونبذ الأوهام.
يناقش العرض تساؤلاً إنسانياً حول مدى تمادى الإنسان في بحثة عن الخلاص من الخوف الذي يقوده إلى الطاعة العمياء، حتى يكتشف أحياناً أنه تحول إلى قربان لمن يتاجرون بضعف الآخرين ويوهمونهم بأن النجاة لا تكون إلا بالخضوع والتضحية.
تدور الأحداث حول رحلة الإنسان في البحث عن ذاته ونجاته، وسط عالم تستغل فيه المخاوف والحاجة إلى الأمان، فنرى قرية يعيش أهلها (في زمنٍ ماضٍ) تحت وطأة الخرافات، في غياهب وكلمات الروح المؤمنة بالخرافات والأساطير وتقديم القرابين لينعموا بالخلاص الأبدي والحرية، حيث إنهم بعيدين عن الفطرة وعن الدين الصحيح، ويروج كاهن فاسد يدعى سربال ومساعده الذي لا نعلم عنه شيئا ومن هو؟ و من أين جاء؟ حتى اسمه لا نعلمه، ويساعد سربال بعض الأشخاص (عبارة عن أشباح) في بث تلك الخرافات لترهيب الأهالي واستغلالهم والسيطرة عليهم وسلب إرادتهم باسم الدين، وإيهامهم بأن النجاة لا تكون إلا بالخضوع والتضحية، حتى يبدأ التمرد عليهم ليفضح زيفهم، وتظهر سوهاد صوت الحق التي تتمرد، وتنتفض، وتقرر كسر حاجز الصمت؛ بعد قتل رضيعها وتكشف خرافات الكهنة الفاسدين وتفضح زيفهم؛ لتعيد النور لقريتها التي عاشت في ظلام منذ سنوات، عندما أرغمت بأن تتوقف عن الحياة السليمة، وأن تسير في الطريق المظلم.
قدم الكاتب فكرته بشكل غير مباشر، وقدم طقوساً للخرافات من التراث العربي والعالمي عمومًا أعطت ثراء للعرض، واختار الرحى لتدل على هذه الروح والحياة التي تم إجبارها على التوقف، ويستخدم الفاسدون الرحى لتخويف البشر ومعاقبتهم عقاباً شديداً، وعندما تدور هذه الرحي تكشف الأسرار وتبوح بالحقيقة.
حول المخرج النص المكتوب إلى حياة تنبض بالحركة والمشاعر، واعتمد على دلالات بصرية وصوتية ليقدم القضية الرئيسية في العمل، وهي أن الرحى تمثل الطريق إلى الإنسان وما يعانيه ويخوضه من صراعات نفسية؛ فكانت الرحى تمثل أماكن عديدة منها: مكان التعذيب والقتل، والتعبد، والمنزل.
كان أداء الممثلين صادقا ومعبرا عن المشاعر الإنسانية وعملوا كفريق عمل واحد متناغماً، مما ساعد في ظهور العرض كلوحة فنية متكاملة.
كان ديكور العرض عبارة عن سياج صنع من الحديد يشبه قبة نصف كروية، تعكس حالة الحصار والعبودية لأهالي القرية، وكانت مثبتة علي عجل لسرعة الانتقال من مكان لآخر، ويوجد بهذه القبة سلمان من جهة اليمين واليسار لصعود وهبوط الممثلين، ومثلت تلك القبة مكان التعبد للكاهن ومن يساعده، كما استخدمت كسجن له وأعوانه وزوج سوهاد، الذي شجع على الظلم بصمته، وبعد بداية العرض تنقسم هذه القبة إلى جزأين، يمثل الجزء الذي على يسار المتلقي منزل سوهاد وأسرتها، كما توجد أربعة أعمدة طويلة مثبتة أيضا على عجل صنعت من الحديد أيضا، تمثل الآلهة التي تتحكم في مصائر البشر الذين يعتقدون في الخرافات ويصدقون خدعة الكهنة الفاسدين، وفي بعض الأحيان تتصدر المشهد على اليمين أو اليسار لتصبح هي العنصر الأكثر بروزاً وجذباً لانتباه المتلقي، وعندما تتقهقر للخلف تصبح سوهاد هي المسيطرة على الحدث، وبشكل عام أدى تحريك القبة الحديدية أو انقسامها أو تحريك الأعمدة إلى المزيد من الصراعات بين سوهاد ومجموعة الكهنة الفاسدين.
كانت الملابس لا تنتمي لزمن معين لكنها كانت تشير إلى المنطقة العربية.
استخدمت الإضاءة لتحقيق الحالة الدرامية خاصة اللون الأحمر الذي يدل على الظلم والتجبر الذي يفرضه سربال على سوهاد وأسرتها وقتل ابنتها، أما اللون الأزق استخدم لإظهار حالة السكينة والانغلاق على النفس، وعبرت لحظات الإعتام عن عتمة الروح التي تعيشها الشخصيات، كما قامت الإضاءة برسم صورة بصرية وشكل جمالي، وأوضحت تقنية الفوتو مونتاج السينمائي خاصة في مشهد بكاء الأم على ابنتها وصعود قطة من القماش إلى أعلى متجه ناحية السوفيتا في دلالة على صعود روح الابنة إلى السماء، كما استخدمت الإضاءة لإنارة الممثلين والتركيز على انفعالاتهم، وفي مشهد ختام العرض نرى ضوء أحمر يحيط بالأشباح مساعدين سربال يمين المتلقي وناحية اليسار، وتدور الرحى وقد حبس بداخلها سربال، ومساعدة، وزوج سوهاد المستكين الذي قبل بالمهانة، والاستبداد، كما يسقط ضوء يحيط بسوهاد وهي تقول للرحي دوري ليعبر عن الأمل وانتصار الخير على الشر.
أكدت الموسيقي والمؤثرات الصوتية على الحالة الطقسية للعرض، وتصعيد التوتر، كما وُظف صوت الرحى لتعبر عن طحن آلام البشر.
الممثلون: خليدة بلقاسم، عادل سبيت، عبير الجسمي، نبيل محمد، شعبان سبيت
الفريق الفني:
مساعدي المخرج (محمد ال رحمة، جاسم المراشدة)، إدارة الخشبة (سلطان الظهوري)، تصميم المؤثرات الموسيقية (إبراهيم الأميري)، تصميم وتنفيذ الديكور (عيسى مراد)، تصميم وتنفيذ الإضاءة (خالد بشير)، تصميم الرقصات (كريم النوري)، تصميم الأزياء (عبير الجسمي)، تنفيذ صوت (يوسف المغني)، تدقيق لغوي (أمنة المغربي، خليدة بلقاسم)، مدير إدارة الإنتاج (خلفان الدرمكي)، مساعد الإنتاج (سلطان الظهوري)، خدمات الإنتاجية (جبير أحمد، معصوم أحمد)، تصوير فوتوغرافي (أحمد سكاي دايف)، تصميم الكتب والبورشور (سلطان الظهوري)، الإشراف العام (خلفان الدرمكي).



|