|
القاهرة 22 سبتمبر 2026 الساعة 10:07 ص

تحقيق: مصطفى علي عمار
-
الأدب اليمني في ظل الثورة والحروب والتمزق
تُعد اليمن واحدة من الدول العربية التي شهدت العديد من الأحداث السياسية والاجتماعية التي أثرت بشكل كبير على المجتمع اليمني، ومن بينهم الكتّاب اليمنيون. في هذا التحقيق نتحدث عن تأثير الأحداث السياسية والاجتماعية على الكتّاب اليمنيين، وكيف استخدم الأدب اليمني كأداة للثورة والتحريض ضد الحكومات الاستعمارية والديكتاتورية، وهل يمكن أن يتعافى الأدب اليمني بعد الحرب.
التقينا بعدد من الكتّاب والأدباء والشعراء اليمنيين، وكانت هذه هي الأسئلة التي عرضناها عليهم:
كيف أثرت الأحداث السياسية والاجتماعية على الكتّاب اليمنيين؟ وكيف استُخدم الأدب اليمني كأداة للثورة والتحريض ضد الحكومات الاستعمارية والديكتاتورية؟
كيف أثرت الحرب الأهلية والتمزق السياسي على الأدب اليمني؟ وكيف واجه الكتّاب اليمنيون التحديات والصعوبات في زمن الحرب؟ وكيف يمكن للأدب اليمني أن يساهم في عملية التعافي والبناء بعد الحرب؟ وكيف أثرت الثورة والحروب على مسيرتك الأدبية؟ وما هي التحديات التي واجهتها في زمن الحرب؟ وما هي أهم الموضوعات التي تناولتها في أعمالك الأدبية؟ وهل أثرت الحرب على هويتك الوطنية؟
-
الغربي عمران: الأدب ملجئي في ظل ظروف قاسية
ابتدرنا الأديب الكبير الغربي عمران بقوله: بطبيعة ظروف أي مجتمع يتعرض للعدوان تتدهور أوضاع الحياة، مثل الأمن ونقص المواد الضرورية للحياة... الخ. اليمن تقع في أقصى جنوب الوطن العربي، ولذلك الاهتمام بما يدور فيها ضعيف، حتى الجانب الإنساني نرى الأشقاء وكأن الأمر لا يعنيهم. فما بالك بالجانب الأدبي، الذي توقف وصول الكتاب أو المجلات إلى اليمن، ولم يعد الأديب اليمني يدعى إلى المهرجانات والملتقيات الأدبية في الأقطار العربية. نحن في عزلة يساهم فيها الجميع.
ويضيف: يكتبون ويبدعون، وإن هجر أكثر الأدباء ذلك نتيجة للأوضاع المعيشية، إلا أن هناك من يكتبون وتصدر أعمالهم بشكل متواتر، ويمكن لمن زار معرض القاهرة للكتاب أن يلحظ تلك الإصدارات وإن قلت.
ويكمل: شخصياً أقضي أوقاتي في القراءة والكتابة، فقد صدرت لي رواية جديدة بعنوان "أساور مأرب" في القاهرة، وعرضت في معرض الكتاب، كما صدرت لي ترجمة لروايتي "ظلمة يائيل" عن دار في لندن قبل أيام. فالأدب ملجئي في ظل ظروف قاسية، وأجد فيه سلوتي.
ويوضح: يواجه الأديب محدودية الحركة، فصعوبة التنقل بين أرجاء الوطن في ظل من ينادون بالتشطير أصبحت من الشقاء بمكان، أما السفر إلى خارج اليمن للمشاركات الأدبية ففيه صعوبات جمة، خاصة في ظل عدم توجيه دعوات من الهيئات الأهلية والسلطوية في الأقطار العربية لأدباء اليمن.
ويستطرد: ما يشغلني في الرواية قضايا المرأة على النطاق الإنساني، فقد كتبت عن أزمنة بعيدة كانت المرأة في اليمن ملكة، وكتبت عن الصراع السياسي واستخدام تجار الدين للسيطرة على المجتمعات باسم الله. في رواياتي سلطت الضوء على تساؤلات الكائن البشري، من أين أتينا وإلى أين ذاهبون، ضمن أنساق حكائية متجاورة. ودوماً ما يشغلني الإنسان في أعمالي وفهمه لنفسه ولوجوده وللعلاقة مع ذاته.
ويكمل: الأديب مع مرور العمر تتغير قناعاته، وتتساقط الانتماءات الصغيرة، ولا تعد تلك الحدود بين البشر إلا قيوداً، ليرى نفسه إنساناً وكفى، ينتمي إلى هذا التاريخ البشري الكبير، وإلى كل الألوان والأعراق، وإن عاش في نطاق محدود فلا يعني ذلك رفض من حوله، بل القبول بهم وباختلافهم. فأنا إنسان أقيم في جنوب شبه الجزيرة العربية، وما حولي هو أنا وما حولنا من قارات هي نحن.
ويختتم: الأديب والفنان لا يساهم بشكل مباشر، وأثره دوماً يظل على المدى البعيد، فنجيب محفوظ بقي بوجود أعماله، وكذا ماركيز والبردوني وشكسبير وكل أدباء الكون، وإن رحلوا يساهم نتاجهم في تعافي المجتمعات والبشرية بشكل أو بآخر. والأديب اليمني لا يكتب وصفة مثل كل أدباء الإنسانية، بل يخلق فناً نابضاً بالمحبة والجمال، مؤثراً على كل من يقرأه وبأي لغة، تاركاً أثراً من روح التآخي والسلام. وهكذا يساهم الأدب في رفعة وتشافي الإنسانية أينما انتشر.
-
نبيهة محضور: الأدباء رسل السلام والمحبة
تأخذ أطراف الحديث الأديبة والكاتبة اليمنية نبيهة محضور رئيسة نادي القصة بذمار، وتوضح تأثير الأحداث السياسية على الكتّاب اليمنيين.
تقول: طبعاً كان للأحداث السياسية تأثير كبير على اليمنيين على مختلف الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، وأصابته بالكثير من الضغوط النفسية، حيث أدت إلى شعور الإنسان اليمني بشكل عام بعدم الاستقرار.
والأديب اليمني كجزء من هذا المجتمع تأثر بشكل كبير من الناحية الإبداعية، فالبعض فقد شغف الكتابة نتيجة هموم الحياة وخاصة تدني الوضع الاقتصادي الذي انشغل به الكثير. ومن الجانب الآخر عجز كثيرٌ من الأدباء عن طباعة وإصدار نتاجهم الفكري بسبب الوضع الاقتصادي وارتفاع تكاليف الطباعة خاصة الخارجية، لأن أكثر دور الطباعة في الداخل اليمني توقفت بسبب الأوضاع المضطربة.
وتضيف: شعور الأديب بالاغتراب والعزلة بسبب عدم قدرته على السفر ومتابعة إصداراته في الخارج والتي تجوب معارض الكتاب. كذلك ضعف المشهد الثقافي في الداخل اليمني ونقص التفاعل الجماهيري مع الإصدارات وضعف الإقبال على شراء الكتب، مما يصيب الكاتب بالإحباط.
بشكل عام أثرت الأزمات السياسية والحرب على اليمن على إضعاف المشهد الثقافي وصعوبة إقامة الفعاليات.
وتضيف: لقد واجه الكتّاب اليمنيون التحديات والصعوبات في زمن الحرب، البعض من الأدباء والكتاب كان لديه إصرار وعزيمة على المواصلة وتحدي الواقع واستطاع اقتناص الكثير من الأفكار وخاصة القضايا الاجتماعية والمعاناة التي يعيشها أفراد المجتمع وترجمها لأعمال أدبية كالرواية والقصة والشعر، وسعى جاهداً لإصدار كتبه والمشاركة فيها في المعارض الدولية دون أن يحضر لتلك المعارض.
واستفاد الكثير من الأدباء اليمنيين من وجود المنصات والمجلات الإلكترونية في ممارسة النشاط الثقافي والحفاظ على حضورهم ومشاركتهم في بعض الفعاليات والمسابقات المقامة وفي نشر بعض من نصوصهم كذلك.
وعن مسيرتها الأدبية وتأثير الحروب عليها والتحديات التي واجهتها تقول: رغم كل سلبيات الواقع الذي نعيشه بسبب تداعيات الحرب على بلادنا منذ سنوات وبسبب اضطراب المشهد السياسي إلا أنني بحمد الله وفضله استطعت طباعة مجموعتين قصصيتين، الأولى "يوم في برواز" كانت في العام 2016، والثانية "هوس" قصص قصيرة جداً وومضات قصصية والتي صدرت في العام 2022.
ورغم كل الظروف أيضاً بفضل الله ثم بتعاون أعضاء نادي القصة بذمار الذي أترأسه استطعنا إثراء المشهد الثقافي في محافظة ذمار بالعديد من الأنشطة الثقافية خلال السنوات الماضية رغم صعوبة ذلك في محاولة لإحياء الثقافة، إلا أنه تراجع النشاط الثقافي مؤخراً لأسباب كثيرة أمنية واقتصادية.
وتوضح: هناك الكثير من التحديات والضغوط النفسية بسبب الواقع المعيش، منها التوقف عن الكتابة لفترات بسبب الضغوط النفسية والانشغال بالوضع الاقتصادي ومحاولة تأمينه. أيضاً عدم القدرة على المشاركة الثقافية الخارجية بسبب العزلة المفروضة على بلادنا. صعوبة إقامة فعالية ترويجية وتوقيع الإصدارات داخلياً بسبب توقف الكثير من الأنشطة الثقافية من جهة وعدم القدرة على السفر والتنقل من جهة أخرى. ومن التحديات صعوبات في الطباعة والنشر بسبب ارتفاع التكاليف خاصة لدور النشر الخارجية. هذه الأمور أعاقتني بعض الشيء في تحقيق أهداف أدبية مخط لها.
وعن أهم الموضوعات التي تناولتها في أعمالها الأدبية وتأثير الحروب على هويتها الوطنية تقول: القضايا الاجتماعية المعاشة كالفقر والفقد والاغتراب وبعض السلوكيات غير المرغوبة أخلاقياً نتيجة الأوضاع وتأثيرها الأخلاقي على البعض، أيضاً قضايا الوطن ومعاناة الإنسان خاصة الطفولة في ظل الحروب وتأثير الأحداث السياسية على الوضع الحياتي والإنساني.
وبالتأكيد لم تؤثر الحرب على هويتي الوطنية بل عمقت من انتمائي لوطني وشعوري بالمسؤولية الاجتماعية والوطنية.
وتختتم برؤيتها في تعافي الأدب اليمني بعد الحرب: بالتأكيد للأدب دور كبير في نشر الوعي في أوساط المجتمع بقضايا الوطن والمجتمع وتعزيز القيم والأخلاق، وأيضاً له دور كبير في تعزيز الهوية الوطنية ونشر السلام الاجتماعي. ولذلك ينبغي أن يكون الأدباء رسل السلام والمحبة وأن يبتعدوا عن الكتابة السوداوية التي تغرس التفرقة وتكرس الحقد والضغينة وتعمل على تمزيق النسيج الاجتماعي، والسعي لإنتاج كتابات إبداعية تعمل على سد الفجوة وتساهم في التعافي وصناعة سلام داخلي.
-
عبد الله عبدالإله باسلامه: تواطؤ صامت وركود مأساوي
يرى الروائي والقاص اليمني ابن ذمار عبد الله عبد الإله باسلامه أن تأثير الأحداث السياسية على الكتّاب اليمنيين شأنهم في الحرب شأن كل القطاعات والمؤسسات وحتى شرائح المجتمع تتأثر سلباً وتشكل عملية الاستمرار والصمود والمقاومة تحدياً كبيراً للجميع.
ويقول: لقد واجه الكتّاب اليمنيون التحديات والصعوبات في زمن الحرب، فإنني أرى أن الكتّاب اليمنيين تخلوا عن موقعهم المحوري المهم وعن مكانتهم ورسالتهم وتهاونوا في أداء أهم واجباتهم في وقت وظرف من أحلك الظروف التي واجهت وتواجه الوطن وتعرض ويتعرض لها المجتمع الذي هو في أمس الحاجة إليهم. ومرد ذلك تخندق الأغلبية حزبياً وتوجهها الفكري بل وحتى القناعات التي وإن اختلفت وتنوعت في الخصوصية إلا أنها اجتمعت في رفض ومناوأة السلطة الحاكمة فكراً وسياسة. وإن كان الاختلاف حقاً مشروعاً للكتّاب كما هو حق للجميع إلا أن الواجب حتم ويحتم على الكتّاب -في أدنى الحدود- نصرة الإنسانية أينما وقع ظلم عليها في أي مكان وأي زمان. لكن في اليمن عندما انتهكت ولا زالت تنتهك الإنسانية وتتعرض للسحق والظلم من قبل عدوان غاشم وحصار جائر اعترف قادته وساسته بظلم وخطأ هذا العدوان أحجم الكتّاب عن الحديث عنه وبالتالي الدفاع عنه ظناً أن ذلك سيعني الدفاع عن السلطة الحاكمة.
والنتيجة إحجام الكثيرين عن الكتابة، بعضهم توقف تماماً وانصرف لتوفير لقمة العيش، وبعضهم ينتظر نضوج المرحلة مكتفياً باجترار ذكريات الماضي وتاريخه الأدبي، والبعض الآخر لا يزال يكتب وينشر ويشارك ويكافح وللأسف الشديد كل ما يصدر لا يعبر عن واقع إنساني بحت ولا يخدم مرحلة وطنية وإن وجد فهو مجير.
والنتيجة تواطؤ صامت وركود مأساوي للمشهد الأدبي.
وعن تأثير الحروب على مسيرته الأدبية يقول: بدأت -ولا تزال- تجربتي متواضعة جداً في مجال الكتابة ولا أسميها مسيرة أدبية بالمعنى الحرفي. وبالنسبة لتأثير الحروب فالفضل بعد الله يعود إلى الحروب. قسوة الحروب وشدة المعاناة ومعايشة الظروف السيئة وضعتني تحت وطأة شعور طاغ بالمسؤولية، وبقدر ما فرضت علي الظروف الكتابة بقدر ما أتاحت لي بيئة خصبة بالألم وعرضت لي صوراً ومشاهد لواقع زاخر بكل ألوان الظلم والأسى.
وأما التحديات التي واجهتها في زمن الحرب فكانت أكبر تحد واجهته ولا زلت أواجهه وهذا لا يخصني وحدي بل يجتمع فيه كل الكتّاب وهو إيجاد القارئ.
وعن أهم الموضوعات التي تناولها في أعماله الأدبية يقول: كتبت عن الحرب وللحرب وفي الحرب. روايتي الأولى التي صدرت قبل عامين عن الحرب المباشرة. روايتي الثانية قريبة الصدور بإذن الله عن الحرب غير المباشرة. أغلب قصصي القصيرة عن الحرب بكل أنواعها العسكرية والاجتماعية والأخلاقية والفنية ورصد لحظة سحق وانكسار الإنسان بكل معانيه. كتاباتي في أدب الطفل تركز على الحرب الفكرية والأخلاقية الموجهة إلى الطفل. أعمل وأكتب حالياً في مجال التأليف والسيناريو وتتمحور كتاباتي حول الحرب.
ويكمل: عن تأثير الحرب والهوية الوطنية أقول: بالنسبة لي فقد صعقتني الحرب بتعريتها للكثير من الوهم الملبوس وهزتني بفضح الكثير من الزيف المستور وصفعتني بالكثير من الحقائق لأجدني أمام هويتي الوطنية الحقيقية وبالتالي أكثر يقيناً وإيماناً وفرحاً بها ومن ثم أشد تمسكاً وفخراً بها.
ويختتم: يمكن للأدب اليمني أن يساهم في عملية التعافي والبناء بعد الحرب، فليس مهماً -بالنسبة لي- الحديث عن "كيف يمكن؟" وما هي الطريقة التي "يمكن بها" ونحن نجهل الإمكانيات التي ستتاح والوضع العام الذي ستستقر عليه اليمن بعد الحرب. لكنني أعتقد بكل ما تحمله الكلمة من معنى بأن اليمن اليوم لا تخوض في مجرد "حرب" بل إنها تمر في منعطف تاريخي سيكون حجر الزاوية في تغيير الشرق الأوسط. وسبق أن ذكرت هذا الكلام في روايتي التي كتبتها عام 2016م، وكل يوم جديد نسير خطوات في هذا الممر. وعليه فإن الأدب اليمني سيتعدى دوره في خلق ونشر الوعي وتخصيب البيئة المناسبة لكل المظاهر الفكرية والفنية والثقافية، وبالتالي الإسهام في عملية التعافي والبناء داخل اليمن، سيتعدى دوره هذا إلى القيام بدور ريادي مؤثر في العالم العربي والإسلامي خاصة وكثير من دول العالم.
-
ثابت القوطاري: الأدب علاج ناجع للتعافي
أما الكاتب ثابت القوطاري أديب وناقد يمني فيبدأ كلامه عن تأثير الأحداث السياسية على الكتّاب اليمنيين فيقول: الكاتب والأديب ابن بيئته، وما يدور في محيطه يؤثر فيه وعليه دون شك، فالأحداث السياسية التي ليس لها أفق اتفاق، أو حلول يلوح في الأفق، قد أثرت في الكاتب اليمني، وأثرت على نتاجه الأدبي، فالأدب صورة للواقع، ولا يمكن بأي حال من الأحوال تجاهلها، وقد أثرت الأحداث السياسية خلال هذا العقد تأثيراً سلبياً.
ويستطرد: لقد واجه الكتّاب اليمنيون التحديات والصعوبات في زمن الحرب. يعيش اليمني حالة مواجهة وصراع دائم مع الأوضاع المعيشية بشكل عام حتى في ظل الاستقرار، وزادت صعوبتها وتحدياتها منذ ما يسمى بالربيع العربي 2011م مروراً بحالة الانقسامات السياسية في البلد، وصولاً إلى الحرب التي دارت رحاها على مدى عقد من الزمن، يواجهها بما أمكنه. وإذا ما ركزنا في حديثنا على الأديب والكاتب سنجده محاولاً لخلق عالم مواز، أو عالم هروب من هكذا أوضاع صعبة لا يجد فيها قوت يومه. الأدب والفن لا يطعم خبزاً في حالة الاستقرار والرخاء في اليمن، فكيف سيكون حال الأديب والكاتب، بل اليمني بشكل عام في ظل الأوضاع السياسية المعقدة، والحروب الدائرة، وكيف يمكن له أن يواجه هذا الطوفان العظيم من الفقر والموت والدمار.
وعن تأثير الحروب على مسيرته الأدبية يقول: لا يمكن أن يعيش الأديب -وأنا واحد منهم- حالة مثالية، وشعوراً متزناً في ظل هكذا أوضاع. لا يمكن أن يتجاهل أصوات الصواريخ وأنين الجرحى، ومناظر القتل، وحالة الحصار التي نعيشها. هناك من الأدباء من لا يجد ثمن "كأسة شاي"، وقد أثرت الحرب بشكل كبير على نوعية الأدب الذي يطرح في الساحة، إلا أننا نجد كماً كبيراً في إنتاجه، وكأنه ردة فعل، أو نوع من أنواع المقاومة والمواجهة للظروف.
وينوه أن التحديات التي واجهها في زمن الحرب هي تحديات المعيشة، في حدودها الطبيعية، لم نعد نطمح لما هو كثير.
ويضيف: أهم الموضوعات التي تناولتها في أعمالي الأدبية تبقى الموضوعات الاجتماعية "الواقعية"، والسياسية هي أبرز ما تناولته في أعمالي، وبخاصة العلاقات الأفقية "بين أفراد المجتمع"، وقلة من الموضوعات العاطفية باعتبارها سلاح المواجهة لمواصلة الحياة.
وعن تأثير الحرب على الهوية الوطنية يوضح: بعض الأدباء سقطوا في اختبار الهوية الوطنية جراء حالة الانقسام السياسي، وأوضاع الحرب، وانتماءات الفصائل السياسية وتبعيتها للخارج. نجد ثلاثة أنواع من الأدباء: نوع يناصر فصيلاً سياسياً له ارتباطاته بالخارج، وآخر يلزم حالة الصمت والانطواء، وآخر عبر عن استقلاله، والجميع يدعي وصلا بليلى وليلى لا تقر لهم بذاك، إلا أن اليمني بشكل عام يعتز كثيراً بيمنيته ووطنيته وليس لديه استعداد عن التخلي عنها، أو استبدالها.
وعن كيفية مساهمة الأدب اليمني في عملية التعافي والبناء بعد الحرب يقول: الأدب صورة من صور المقاومة، وعلاج ناجع للتعافي من حالة الحرب ومخلفاتها، وباستطاعته ترميم الكثير من جروح الروح، وما أصابها من جراء الحرب، لما يخلقه من عالم مواز، يستطيع معه تشكيل الوجدان والوعي على نحو مختلف، ولربما كانت الحرب درساً قاسياً، تعلم المجتمع كيف يجب أن يعيش الجميع بسلام تحت مظلة الوطن الواحد، ونبذ الفرقة والخلافات، ويستطيع الأدب اليمني أن يعمل تحت هذه العناوين وأكثر.
-
ذكريات عقلان مهيوب: الحرب خلقت كتاباً جدداً
تضيف الروائية والقاصة ذكريات عقلان مهيوب: التحديات في ظل الحروب هي من أكثر الفرص التي تعطى لأي موهوب سواء أكان رساماً، أو خطاطاً، أو شاعراً، أو مغنياً فما بالكم بالكتّاب، فالحرب والأزمة دائماً ما تخلق فرصة مثلها مثل أي فرصة أخرى ولكن فرص الحرب والمعاناة تعتبر من الفرص الكبيرة التي تعطى للكاتب.
ويبدو لي بأن الحرب شحذت همة الكتّاب، ولقد خلقت الحرب كتاباً لم يكونوا موجودين قبل الحرب، وإذا ما قارنّا ما بين ظهور الكتّاب في حقبة زمنية معينة قبل الحرب، وما بعد الحرب، فإن التفاوت سيكون كبيراً جداً، لأن الحرب خلقت عدداً من الكتاب والكتب بغض النظر عن مستوى الأداء إلا أنها خلقت عدداً من الكتاب الذين أرادوا أن يخرجوا ما بداخلهم على هيئة كتاب.
أنا من ضمن أولئك الكتّاب الذين خلقتهم الحرب، أو لنقل الظروف، لأني من قبل ذلك، وإن كنت أهوى الكتابة لكنني لم أكن أطمح، أو أفكر في إصدار كتاب بشكل فعلي، كل ما حاولت أن أكتبه كان فقط كمقالات، أو منشورات، خواطر، لكن لم أفكر في الكتاب إلا بعد أن جاءت الحرب.
ربما أكثر شيء يواجه الكاتب، بعد أن يخطو من مرحلة الإبداع، أو التحدي الذاتي، وهو الكتابة، ثم التحدي الأسري، والمجتمعي، وهو تقبل الآخرين له، ربما أكثر ما يعانيه أو يواجهه الكاتب هو المسألة المادية ومسألة تسويق الكتاب وتسويق إبداعه.
بمقدرة الكاتب بإبداعه أن يخلق زمناً يتحدث عن الحرب، أو وطناً معافى، عبر قلمه وفي كتابه، لذا فمسألة أن يكون للكاتب دور، فله الدور الكبير لأنه يستطيع من خلال قلمه التأثير على شريحة كبيرة من المجتمع، الذين يؤمنون بالقلم، وبالكتاب، وبالأفكار الإبداعية، وبالأفكار المنطقية العقلانية، وبما يخدم هذا الوطن إذا ما استخدم الكاتب الأسلوب الجميل الحق الواضح في تبصير الآخرين كيف لهم أن يبنوا وطناً سليماً معافى.
جل ما أكتبه يتحدث عن القضايا المجتمعية الصغيرة في المجتمع أو الكبيرة ولكن الكاتب هو من يصغر الكبير ويكبر الصغير عبر كتابته. أنا من ضمن من يكتبون الواقع المجتمعي بأسلوبي ولكل أسلوبه ومنهجه.
-
مازن الفقيه: الأدب عندي الشعر والثورة
ومن الشباب الواعد التقينا بالشاعر مازن الفقيه الذي يقول: لو جاز لي أن أكون نفسي مثالاً كيمني وكشاعر فـ:
الأدب عندي الشعر والثورة، محاربة الاستعمار والاحتلال بكل صوره. والحرب هي الطوفان ومتعلقاته بما سبق وما سيأتي.
وهذا ما تأثر بي وبشعري، وما أثر علي وعلى شعري وخصوصاً من قبل سنة وثلاثة أشهر.
الكتاب اليمنيون وكثير منهم قاوموا بالإحساس وبالقراءة والكتابة والمشاهدة والمشاركة والتواصل والإعلام والإعلان، فشَهروا الكلمة واللحن والحركة والموقف والاحتجاج والتجمع والاحتشاد كما شهرت أجدادهم السيف وكما شهرت قيادتهم المسيرة والصاروخ والزورق.
قال القدماء: ما كان الشعر إلا حماسة، وهي بالضبط معنى التحضيض على الثورة والتحريض على العدو والمستعمر والغازي.
وللمناسبة هذا هو وقتها الأخص على الرغم من أن وقتها لم يزل ممتداً منذ أكثر من 75 سنة.
الأدب اليمني والفعل اليمني كما كان له شأن عظيم في الحرب سيظل بعدها بنفس الزخم وأكبر وأكثر، هذا لأن المجتمع اليمني الأدبي والعملي يعتبر نفسه في حالة حرب دائمة مستعرة.
-
أبو غيث الفقيه: نذرت عمري للدفاع عن القضية الأم
وختاماً مع الشاب الشاعر أبو غيث الفقيه الذي يقول: منذ الطوفان كتبتُ أكثر من خمس عشرة قصيدة حماسية مخلوطة بالفخر بالثوار ومدح الثوار ووصف الحرب بجوانبها مع العدو التاريخي لي وللعرب وللمسلمين بل للإنسان، ولم أكتب قصيدة واحدة في أي غرض شعري آخر إلا في المولد النبوي والذي تناولته حماسة وفخراً ومدحاً ووصفاً.
هذا لأنه لا وقت للحب في زمن الحرب والكراهية والعداوة، ولا مكان للغزل في ظل عالم يقتل كل جميل باسم الجمال وكل شعور باسم الإنسانية.
وكما أنه لا شأن للعصفور بالحرب ولا لعشه وجود بين النار والرماد، فإنه لا شأن لي في الخيال لأذهب إليه عاشقاً في حين الواقع يأتي إلي مقاتلاً.
ويضيف: الصعوبات كانت في هذه الفترة متمثلة بالقيود التي وضعتها منصات التواصل الاجتماعي ووسائط الإعلام على نصوص وألفاظ وصور وفيديو وأصوات وجمل ومفردات، لأن الإعلام بمجمله يتبع الإمبريالية العالمية من صهيونية وأمريكية وغربية.
واجهنا هذا بأننا لم نقبل بالشروط وإنما رفضنا بعض المنصات بمجملها، واستخدمنا احتفاليات أدبية واحتشادات تظاهرية واحتجاجية، ووقفات شعبية، ومسيرات راجلة وراكبة طويلة، مع استخدام ما بقي من متاحات الوسائل الإلكترونية.
ويكمل: بلغ تأثير الطوفان على مسيرتي الأدبية حد أني نذرت عمري للدفاع عن القضية الأم الإسلامية العربية والقضايا الوطنية المتفرعة. وأحسست أني دخلت الحرب مع الطوفان وأنه صار لي ولشعري ولموقفي ولكلمتي قدر ليس هيناً عند العدو.
كما نقل الطوفان هويتي من اليمنية إلى الإسلامية العربية الشاملة من غزة فلسطين مروراً بجنوب لبنان والعراق، وصولاً إلى الوقوف بجانب عقيدة وفعل كل حر يناصر مقاومة الغزاة ومواجهة العدو وقتال الظلمة.






|