|
القاهرة 17 سبتمبر 2026 الساعة 12:38 م

بقلم: أحمد محمد صلاح
ينطلق منهج باسكال من ملاحظة أساسية، هي أن الإنسان كائن محدود يعيش بين طرفين متناقضين: فهو يمتلك قدرة على التفكير والمعرفة، لكنه في الوقت نفسه عاجز عن الإحاطة بالوجود إحاطة كاملة، ولذلك يرفض باسكال أن تتحول الفلسفة إلى ثقة مطلقة في العقل، فالعقل، مهما بلغت قوته، يظل عاجزًا عن الإجابة عن الأسئلة الكبرى المتعلقة بالمصير والغاية والمعنى.
ولعل اختلافه مع ديكارت كان قائما من خلال رؤية أو منهج بسكال إلى أن كل أمر من الأمور موضع البحث لا يصح أن نضع له منهج واحد في القياس والتحليل، فالموضوعات تختلف، لذلك لا يسري مبدأ التعامل بالمثل مع كل الموضوعات المطروحة، وذلك لأنه مقتنع بتنوع الطبيعة إلى جانب خضوعها لقوانين عامة، فيسلم بوجوب "القول بالإجمال أن الاشياء تعمل بالشكل والحركة لأن هذا حق، أما تعيين الأشكال والحركات، وتركيب آلة العالم، فمضحك لأنه عديم الجدوى وموضع ريب وعسير"
في منهج باسكال فان المبادئ حق، ونستطيع أن نبرهن عليها ومن الممكن ان نحسها ونلمسها لأنها تعقل، هذا من وجهه نظره، إنه يرى أن كمال الطريقة الهندسية يقوم بحد كل شيء والبرهنة على كل شيء، وأن هذا عمل لا ينتهي، فنقف عند أوليات لا تحد ولا تبرهن، ولكن هذه الأوليات ليست طبيعية، فإن الطبيعة تتغير باستمرار، ويقول بسكال:
«وليس هناك من مبدأ، مهما يكن طبيعيًّا مألوفًا منذ الطفولة، إلا ويمكن القول إنه أثر خاطئ للتعليم أو للحواس»، و«ما مبادئنا الطبيعية إلا مبادئ مألوفة بالعادة تختلف باختلافها، العادة طبيعة ثانية تمحو الأولى … وإني لأخشى ألا تكون الطبيعة نفسها إلا عادة أولى».
ومن هنا تظهر أهمية التمييز بين العقل والقلب عند باسكال، والقلب عنده لا يعني الانفعال العاطفي بالمعنى الضيق، وإنما يشير إلى نوع من الإدراك المباشر الذي تتجاوز به النفس حدود البرهان العقلي المجرد، فالإنسان لا يعرف كل الحقائق عن طريق الاستدلال المنطقي، وإنما توجد مبادئ أولية يدركها إدراكًا مباشرًا، ولهذا يصبح "القلب" في فلسفة باسكال طريقًا آخر إلى الحقيقة، لا إلغاءً للعقل وإنما استكمالًا لما يعجز العقل عن بلوغه.
ويقوم منهجه كذلك على تحليل الإنسان نفسه، فالإنسان عند باسكال كائن متناقض: ضعيف وقوي، محدود وطامح إلى اللامحدود، قادر على التفكير لكنه عاجز عن السيطرة على مصيره. وهذه المفارقة هي التي تمنح الوجود الإنساني طابعه المأساوي، فالإنسان يحاول الهروب من مواجهة ضعفه من خلال اللهو والانشغال بالمظاهر والملذات، بينما الحقيقة تفرض عليه أن يتأمل مصيره وحدوده.
ومن أهم مظاهر المنهج الباسكالي أيضًا الحجة الاحتمالية التي تظهر في رهانه الشهير على الإيمان، فهو لا يقدم الإيمان باعتباره نتيجة برهان رياضي حاسم، وإنما ينظر إلى موقف الإنسان من وجود الله باعتباره اختيارًا له نتائج لا نهائية. وهنا يستخدم باسكال أدوات التفكير العقلي ليكشف حدود العقل ذاته، فيتحول العقل من وسيلة لإثبات كل شيء إلى وسيلة لإدراك ما يستطيع وما لا يستطيع.
وهكذا يمكن القول أن منهج باسكال الفلسفي يقوم على التواضع المعرفي؛ فالإنسان ينبغي ألا يثق في العقل ثقة مطلقة، ولا أن يرفض العقل لحساب الإيمان، بل أن يدرك حدود كل منهما. ولذلك تظل فلسفة باسكال محاولة مبكرة لفهم الإنسان باعتباره كائنًا يبحث عن الحقيقة، لكنه لا يستطيع الوصول إليها بالمنهج العقلي وحده.
ولا يكتفي باسكال بإبراز محدودية العقل، بل يوجه نقدًا كذلك إلى التصور الذي يجعل الإنسان قادرًا على بناء يقين شامل انطلاقًا من مبادئ عقلية مجردة. فالإنسان عنده ليس عقلًا خالصًا، وإنما هو وحدة معقدة من العقل والرغبة والخيال والعادة والإرادة. ولذلك فإن فهم الإنسان يتطلب دراسة هذه القوى المتداخلة، لأن سلوك الإنسان كثيرًا ما يتحدد بعوامل لا تخضع للاستدلال المنطقي المباشر.
ومن هنا يحتل مفهوم البؤس الإنساني مكانة أساسية في فلسفته، فالإنسان يطلب السعادة، لكنه يبحث عنها غالبًا في أشياء مؤقتة: المال، والمكانة، والسلطة، واللذة، والانشغال الدائم.
ويعتقد باسكال أن هذا الهروب من مواجهة الذات هو أحد أسباب اضطراب الإنسان؛ إذ أن الإنسان يخشى أن يبقى وحيدًا أمام السؤال عن وجوده ومصيره، لذلك يصبح اللهو وسيلة للهروب من التفكير في الأسئلة الأكثر إلحاحًا.
لكن تشخيص باسكال لبؤس الإنسان لا ينتهي إلى اليأس؛ فالإنسان، رغم ضعفه، يتميز بقدرته على الوعي بهذا الضعف. وهنا تظهر قيمة التفكير، فالإنسان يمكن أن يكون ضعيفًا من الناحية المادية، لكنه يمتلك وعيًا بوجوده، وهذا الوعي يمنحه كرامة خاصة. ومن هنا تأتي فكرته الشهيرة عن الإنسان بوصفه كائنًا مفكرًا؛ فقيمة الإنسان لا تتوقف على قوته الجسدية، وإنما على قدرته على إدراك موقعه في الكون.
ويتضح في ذلك أن منهج باسكال ليس منهجًا عقليًا بالمعنى الديكارتي الصارم، ولا هو منهج تجريبي يعتمد على الملاحظة وحدها، وإنما هو منهج وجودي وتأملي يستفيد من العقل والحدس والخبرة النفسية معًا، فهو يبدأ من الإنسان الواقعي، ثم يحاول أن يكشف تناقضاته، وينتقل من هذه التناقضات إلى البحث عن الحقيقة الدينية والوجودية.
وبذلك يمثل باسكال مرحلة مهمة في تطور الفكر الحديث؛ لأنه لم يرفض إنجازات العقل الحديث، بل كشف حدوده الداخلية. فالعقل قادر على اكتشاف القوانين الرياضية والعلمية، لكنه لا يستطيع وحده أن يمنح الإنسان إجابة نهائية عن معنى الحياة والموت والمصير، ومن هنا تصبح الحكمة الحقيقية في أن يعرف العقل مجاله، وأن يعترف بوجود أسئلة تتجاوز قدرته.
وبالاستناد إلى التصور الذي يقدمه يوسف كرم في تاريخ الفلسفة الحديثة، يمكن فهم باسكال باعتباره مفكرًا يقاوم النزعة إلى اختزال الإنسان في العقل وحده، فالإنسان عنده أكبر من أن يكون مجرد آلة تفكر، وأعمق من أن تفسره القوانين العقلية وحدها، إنه كائن يعيش التناقض، ويبحث عن السعادة، ويخشى الموت، ويطلب الحقيقة، ولا يجد اكتمال وجوده إلا عندما يتجاوز غروره العقلي ويواجه محدوديته.
وهكذا فإن القيمة الأساسية لمنهج باسكال تكمن في دعوته إلى التواضع أمام الحقيقة، فالحقيقة ليست دائمًا نتيجة برهان منطقي، كما أن الإيمان ليس مجرد استسلام للعاطفة. وبين العقل والقلب تتشكل تجربة الإنسان في البحث عن المعنى.
ولذلك ظل باسكال حاضرًا في تاريخ الفلسفة بوصفه مفكرًا استطاع أن يجعل من حدود العقل نفسها موضوعًا للتفكير، وأن يحول سؤال المعرفة إلى سؤال عن الإنسان ومصيره وغاية وجوده.
|