|
القاهرة 16 سبتمبر 2026 الساعة 11:04 م

بقلم: عبده الزراع
تربطني علاقاتٌ طيِّبة، ووَشائجُ محبَّة، بعددٍ غير قليلٍ من كبارِ كُتّابِ أدبِ الطِّفلِ في عددٍ من دُوَلِ الوطنِ العربي، خاصّةً مَنِ التقيتُهم في مهرجاناتٍ وملتقياتٍ خارجَ الوطن. ومن سُوءِ حظّي أنّه لم يكن من بينهم أدباءٌ من الجزائر، لذا لم يَدرْ بخَلَدي أن أُسافِر إليها للمشاركةِ في أحدِ مهرجاناتها.
(1)
بدأت الحكايةُ حينما اتَّصل بي الصديقُ الكاتبُ الصحفيُّ الكبير مصطفى عبد الله ـ ذاتَ صيفٍ عام 2021 ـ يَطلُبُ منّي أن أُرسِلَ له ـ على وجهِ السُّرعة ـ بعضَ قَصَصي للأطفال، لتكون ضِمنَ ورقةٍ بحثيّةٍ يُعِدُّها للاشتراكِ بها في مهرجانٍ أدبيّ، سيُقام في ولاية "وَر?لة" بالجنوب الجزائري، موضِّحًا أنّه سيسافرُ خلالَ أيّامٍ قلائل. أرسلتُ له المطلوب، فسافر الرَّجُلُ ومكث عدّة أيّام، ثم عاد إلى مصر بعد انتهاء المهرجان.
اتَّصلتُ به أُبارِك له على العودة إلى أرض الوطن سالمًا، ومستفسِرًا عن المهرجان، فوجدتُه مُحتَشِدًا بهذه الزِّيارة، وراح يُحدّثني عن جمالِ وبساطةِ "ور?لة"، وعن طيبةِ أهلها ووعيِ مُثقّفيها ومُبدِعيها، وخصَّ بالذِّكر الأستاذَ الدكتور العيد جَلُّولي، لدرجةٍ أنني أحببتُ هذا الرجل قبل أن ألتقيه، من كثرةِ ما حدَّثني عنه صديقي مصطفى عبد الله.
(2)
في تلك الأثناء كنتُ لا أعلم شيئًا عن أدبِ الطِّفل وثقافته في الجزائر، ولم تتحْ ليَ الفرصةُ أن ألتقي بأحدِ أدبائِه، لا في القاهرة، ولا في أيّ عاصمةٍ من العواصم العربيّة التي زُرتُها، ولا في أيّ مهرجانٍ من المهرجانات التي شاركتُ فيها. ولم يقعْ في حيّز اهتماماتي آنذاك التوسّعُ في معرفة أدبِ الطِّفل الجزائري، فلم أكن أعرف سوى أسماء قليلة بارزة في هذا المجال، تعرَّفتُ إليها من خلال بحثي ومتابعاتي الدَّؤوب، وكان اسمُ د. العيد جَلُّولي على رأس هذه الأسماء، مع نفرٍ قليلٍ من أدبائهم.
في العام التالي 2022، علمتُ أنَّ مَن شارك في مهرجان "ور?لة" من مصر، هما الصديقان: أحمد فضل شبلول، وأحمد سويلم، وقد أبلغني بذلك شبلول بعد عودته، حينما التقينا في اجتماع مجلس إدارة النقابة العامة لاتحاد كُتّاب مصر.
(3)
في العام التالي، اتَّصل بي الصديق مصطفى عبد الله، وأخبرني أنّه اعتذر عن المشاركة في مهرجان "ور?لة"، ورشّحني للمشاركة بدلاً منه. شكرته على ثقته في شخصي المتواضع. وبعد هذا الاتصال بأيامٍ قلائل، تواصل معي د. العيد عبر "ماسنجر"، وأكّد لي أنّني سأكون أحد ضيوف مهرجان "الكتاب والشِّعر"، وأنّ هذه الدورة من المهرجان ستخصَّص ندوةً عن أدب الطفل الفلسطيني، على أن أكون أنا مديرَها، ويُشارك فيها كُتّاب وباحثون من ليبيا، وفلسطين، وتونس، ولبنان.
(4)
في شهر نوفمبر 2023، سافرتُ برفقة د. عبد الحميد الشاذلي للمشاركة في المهرجان. وفور وصولنا إلى الفندق في ولاية "ور?لة"، كان د. العيد في استقبالنا، وكانت تلك أوّل مرّة ألتقيه فيها وجهًا لوجه. قابلَنا الرجلُ بوجهٍ باشٍّ مُرحِّبًا بنا في بلدِنا الثاني الجزائر.
ومنذ وطئت قدماي هذه البقعة الأثيرة، وحتى مغادرتي منها، لم أشعر لحظةً واحدةً بالغُربة، بل أحسست أنّني بين أهلي في قريتي "برنبال" البعيدة عن ضوضاءِ القاهرة، إذ يشبه أهل "ور?لة" أهلَها في الطيبة والكرم وحُسن الضيافة. وعلى عكس ما سمعتُ من أنَّ الشعب الجزائري عصبيُّ المزاج، لم ألمس هذه الصفة في أهل "ور?لة"، حيث الطبيعةُ الصحراويّةُ الساحرة، التي تصبغ أهلها بالبساطة والتلقائيّة وعدم التكلّف.
قضينا أيّامَ المهرجانِ مُستمتعين بالأمسياتِ الشِّعريّة الشعبيّة، والنَّدواتِ الجادّةِ والرّائعة، واللِّقاءاتِ المُباشِرة مع الجمهورِ المُحبّ للثقافة والأدب. وكان لافتًا ذلك الحضورُ الكبير من الأطفالِ والناشئة، الذين أقبلوا على فعالياتِ المهرجان بشغفٍ واضح، في مشهدٍ لم أره من قبل في أيّ مهرجانٍ أدبيٍّ عربيٍّ شاركتُ فيه.
وخلال الندوةِ التي أُوكلَ إليَّ إدارتُها عن "أدب الطِّفل الفلسطيني"، اكتشفتُ مدى الجُهد الذي بذله د. العيد جَلُّولي في تنظيمها، سواء في اختيار ضيوفها، أو في ترتيب محاورها، أو في دقّة إدارةِ وقتها. وقد أثبتَ لي بما لا يدع مجالًا للشكّ أنّه ليس مُجرّد باحثٍ في هذا المجال، بل حاملُ مشعلٍ حقيقيٌّ لثقافة الطفل في الجزائر.
لقد تجلّت في شخصيّته صفاتُ العالِم المُنظِّر، والمُربّي الحريص، والمنظِّم الدؤوب، إلى جانب إنسانيّته العميقة التي تُشعرك بأنّك تعرفه منذ زمنٍ بعيد. كان حريصًا على أن يُقدِّم صورةً مشرفةً لبلده، وأن يُعرِّف ضيوفه بجمالِها وأصالتِها وتاريخها العريق.
(5)
لم يقتصرْ دوره على إدارة المهرجان فحسب، بل كان حاضرًا في كلِّ تفصيلةٍ صغيرةٍ وكبيرة، يتابع الضيوف، يسأل عن راحتهم، يُرافقهم في الجولات، يُفسِّر لهم العادات والتقاليد، ويُدهشك بذاكرته القويّة وهو يستشهد بنصوصٍ أدبية وشعرية وتربويّة من الذاكرة، دون الرجوع إلى أوراق.
وفي الجلساتِ الخاصّة التي جمعتني به خارج قاعات المهرجان، اكتشفتُ شغفهُ اللامحدود بأدبِ الطفل، وإيمانه العميق برسالة الكاتب تجاه النشء. كان يرى أنّ الطفل هو مستقبلُ الأمّة، وأنّ الاستثمارَ الحقيقيَّ يبدأ من غرسِ القيم والمعارف في عقله وقلبه منذ الصِّغر.
وعندما انتهت أيّامُ المهرجان، وشدَدنا الرِّحال عائدين إلى مصر، كنتُ أحملُ في قلبي محبّةً كبيرةً لهذه الأرض الطيبة، واعتزازًا بلقاءِ رجلٍ في قامةِ العيد جَلُّولي، الذي أثبتَ لي أنّ الجزائر لا تزال غنيّةً برجالها المُخلصين، الذين يرفعون لواء الثقافة عاليًا، ويؤمنون أنّ الطِّفلَ هو بوّابةُ الحاضر إلى المستقبل.
(6)
سُرعانَ ما تعرّفتُ على عددٍ غير قليلٍ من كُتّابٍ ونقّادٍ وأساتذةِ الأدب في الجزائر، كما تعرّفتُ على عددٍ من الكُتّاب والشعراء من الأردن وتونس وعُمان. وكانت سهراتُ السَّمر تمتدُّ في الفندق لما بعد منتصف الليل، نتبادل فيها الحديث عن هُموم الثقافة والمثقّف العربي، فهي تكاد تكون واحدةً في كل البلدان العربية.
في تلك الزيارةِ تعرّفتُ جيّدًا على الدكتور العيد جلولي، هذا الإنسانُ النبيلُ المُحبُّ للثقافةِ الجادّة وللمُبدعين الحقيقيّين، كما اطّلعتُ على جُهده البحثي والنقدي الكبير، خاصّةً فيما يتعلّق بأدب الطفل وثقافته، ومشاركاتِه في الكثير من المؤتمرات والندوات المحليّة والعربية، حاملًا مِشعلَ ثقافة الطفل ليُضيءَ على التجربةِ الجزائرية في هذا المجال. وقد خلَّف وراءه عددًا كبيرًا من البحوث المنشورة في المجلّات المتخصِّصة والمحكَّمة، بجانب كُتبه المهمّة، وبحثِه المُؤسِّس لأدب الطفل في الجزائر منذ بواكيره الأولى وحتى اليوم.
(7)
توطَّدت علاقتي أكثر بهذا الرجل، وربطت بيني وبينه وُشائجُ محبّةٍ وقُربى، فقد وجدتُ فيه أشياء كثيرة تُشبهني: دَأبُه في البحث والمعرفة، اهتمامُه اللافت بثقافة الطفل العربية، علاقاتُه الطيّبة في الكثير من البلدان العربية. فمَن يَعرِف "العيد جلولي" عن قُربٍ لا بدَّ وأن يقعَ في غرامه.
وقد انتهزتُ فرصة أن كرسي "الألكسو" في خدمة الطفولة ـ سيُقيم مسابقة "الحساب الذهني للأطفال العرب" في القاهرة، وأنّ اللجنة الوطنيّة العراقية هي من نظّمت هذه المسابقة. ورتّبتُ لإقامة ندوة كبرى في النقابة العامة لاتحاد كُتّاب مصر، بحُكم رئاستي لشُعبة أدب الطفل، شارك فيها نخبةٌ من كُتّاب وباحثي أدب الطفل وهم: من الكويت "علاء الجابر"، ومن العراق "جليل خزعل" و"د. إياد الباوي"، ومن الجزائر "د. العيد جلولي".
حملت الندوة عنوان "تجارب في أدب الطفل العربي "وقد أدرتُ هذه الندوة. والغريب أنّ جميع المشاركين تحدّثوا عن تجاربهم الخاصة، بينما تحدّث د. جلولي عن أدب الطفل في الجزائر، ليُعرِّف الحضور بكُتّاب وشعراء بلده، وقد لفتَ نظري هذا الإيثار، وشعوره العميق بالمسؤوليّة تجاه وطنه، حضر الندوة عدد كبير من كُتّاب ورُسّامي وباحثي أدب الطفل في مصر، وتمّ تكريم ضيوفها بدرع النقابة، فكانت ندوةً ولا أروع.
(8)
في تلك الزيارة القصيرة إلى القاهرة، لمستُ حبًّا وشغفًا عارمًا عند د. العيد بكلِّ ما هو مصري. وقد أصرّ الرجل على زيارة قبر الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، إذ هو من أشدّ المُفتونين بسيرته ومواقفه الثورية والبطولية في ترسيخ القومية العربية، وكان حريصًا على زيارة بعض الأماكن الأثرية، وتحدّث معي طويلًا عن حُبّه لسيدة الغناء العربي "أم كلثوم"، وعن نجوم الفنّ والثقافة والإبداع، مؤكّدًا أنَّ مصر هي قلبُ العروبة النابض: مصر طه حسين، والعقّاد، ونجيب محفوظ، ويحيى حقي، وتوفيق الحكيم، وأحمد زويل… إلخ. مرّت الأيام مُسرعة، وعاد د. العيد إلى الجزائر مُحمَّلًا بذكرياتٍ جميلة، تاركًا في نفوسنا بصمةً لا تُضاهى.
(9)
وسُرعان ما أتت الدورةُ الجديدة من المهرجان عام 2024، والتي خُصِّصت بالكامل لأدب الطفل. وقد شاركتُ فيها ببحثٍ بعنوان: "أدب الطفل الفلسطيني.. فعلُ مقاومة" في هذه الدورة كنتُ أقربَ ما يكون من د. العيد جلولي، نتحاور كثيرًا حول أدب وثقافة الطفل العربي، وعن أنّه ما زال لم يحصل على حقِّه الكامل رغم الجهود الكبيرة المبذولة في العديد من الدول العربية.
والأجملُ في زيارتي لورقلة الجميلة أنّني تعرّفتُ على عدد غير قليلٍ من كُتّاب الطفل وباحثيه الجزائريين، منهم: د. عبد الحميد هيمة، د. سعيد بهون، د. سعيد بن رزقة، د. رحمة الله أوريسي، د. وليد خضور، الشاعرة آسيا عبد اللاوي، فوزية حمدون، كلثوم متقن، فوزية حمدون، عبد الله لالي.. وآخرون.
ومن ثمَّ أُرسل تحيّةَ التقدير إلى الأستاذ الدكتور العيد جلولي، صاحب الإنجاز الكبير، المُبحِر في عالَم أدب الطفل وثقافته، المُنشغل بقضايا الوطن، المُؤثِر الآخرين على نفسه، حيث يدفع بالشباب الموهوب إلى الصفوف الأولى ليَتبوَّؤوا المقاعد التي تليق بهم. يفعل ذلك د. العيد مُؤمنًا بدوره ورسالته السامية في إعداد هذه الأجيال الطالعة، كي تحمِلَ مشعلَ الثقافة والإبداع والتنوير.
وأقول له: عرفتُك كبيرًا، وستظلُّ هكذا، دامت المحبّة، ومنحكَ اللهُ الصِّحةَ والعافية وطولَ العُمر، ودُمتَ منارةً للعلمِ والثقافة.
|